من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
الشيخ أبو علي الحسن بن أبي الطيب والدي
قد قيل: إنّ الرجل بابنه وبشعره مفتون، أمّا أنا فمفتون بكلام
والدي، رحمة الله عليه، فقد كان كما قال فيه الشيخ أبو منصور الثعالبيّ نظما:
يا من تجمّعت المحاسن كلّهافيه وصيّرت القلوب برسمه
فالوجه منه كخلقه والخلق منه كشعره، والشّعر منه كاسمه
لا زال جدّك مثل ما تكنى بهوسلمت من سيف الزمان وسهمه
وأثنى عليه في كتابه «تتمّة اليتيمة» نثرا، فقال: الوجه جميل تصونه نعمة صالحة، والخلق عظيم تزيّنه آداب راجحة. قلت: وإنّما مدحه بذلك لأنّه قد كان من أبناء الهمم وأغذياء النّعم، ولم يكن ممن يكتسب بالصناعة أو يتّجر في هذه البضاعة. وأشعاره على الأغلب مقطّعات، تشتمل على أغراضه السانحة له وقلّما يعثر فيها بمديح. اللهمّ إلّا في الفلتة والسّقطة والنّدرة والغلطة. وكان إذا قصد بعض الكبار يودع كمّه علقين يصرفهما إلى وجه الخدمة، أو خدمة الوجه، أحدهما كيس ملؤه أوراق أو عيون، والثاني جزء كلّ أوراقه عيون. وفيها خدمتان، إحداهما
منظومة من الأشعار، والأخرى منثورة من الدرّهم والدّينار، كالحلّة خلعت على اللابس بطرازها، والعروس زفّت إلى الخاطب بجهازها. فمما أزيّن به كتابي [من نثره] فصل له إلى بعض السادة، يعاتبه على ما أقدم عليه حاجبه:/ «الشيخ، وإن طال دوني حجابه، وقصّر عني إيجابه، فلست من فضله الجزيل آيسا، ولا عن صبري الجميل يائسا. فالكريم مرتجى، وإن يلف بابه مرتجا. والنفس موقنة بأن ستسرّ بهلال طلعته، وإن استسر فالسماء إذا احتجبت أرجاؤها، وجب ارتجاؤها. وسألازم حاجبه، حتّى
يقضي من أمري واجبه، وأرتضي سدّة بابه مقاما، حتى تنقضي [عنّي] مدة حجابه تماما، ولا أفارق حضرته، حتى يفارق الآس خضرته. إن شاء فلينجز الوعد، وإن أحبّ فليحجز العدّ، والسلام».
فصل آخر: «أما تهديد فلان وإيعاده وإبراقه وإرعاده، فما أولاه بأن ينساني، ويترك في الغمد لساني، إذ لست بالرجل الذي يتضعضع [ركنه] من سنانه، ويقعقع له بشنانه فو الله لو أنّه كان نارا، وكنت حطبا لما خشيت منه عطبا، وإن كان ذئبا وكنت حروفا، لما خلته مخوفا. أو كان سيفا مسلولا، وكنت لصا مغلولا لما تقاعست عنه نكولا.
فسيّان عندي وعده ووعيده، وتقريبه وتبعيده، إن منّاني لم أرجه، وإن
عنّاني لم أهجه. ولو كان إنسانا لكفيته إساءة وإحسانا، أو كان أحدا لما وجد دون عتبي أو عتابي ملتحدا، لكنه كلب، والكلب عضّه صعب، والعذرة والوقيعة في العذرة متعذرة. وذباب والذباب لا يؤلمه سباب، وتيس والتيس ليس له كيس. إنّا لله من الكلب كيف انتقم، ومن السلح كيف التقم؟ وكيف أجرّب ذباب السيف على ذباب الصيف؟
وكيف أعاقب التيس والعقل هنالك ليس؟ فلم يبق إلّا تقصير الكلام والسلام».
ومن ترصيعه مع التجنيس: «لا زالت معادن المعادين بصولته مروعة، ومساكن/ المساكين بصلته مريعة».
وله في هذه الصنعة [ما هو] أبلغ من هذا الفصل، وهو مرصع في ثمانية عشر موضعا [قوله]:
«فلان ما سال بالنوال عفوا على الاخوان وقت الشراب والقيام،
إلّا نضب النيل المائج خفرا من إسراف صلته ونواله، ولا اختال في النزال خطوا إلى الأقران تحت الضراب والطعان، الّا هرب الفيل الهائج حذرا من إجحاف صولته ونكاله ».
ومما أختار من شعره في المديح قوله في الأمير أبي الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي، رحمة الله عليهما:
حوى دست مولانا الأمير أخي العلاأبي الفضل طلقا بالعشيّات بسّاما
قد امتلأ الدنيا قنا وقرى بهفتخشاه مطعانا وتغشاه مطعاما
وأبدع بالرمحين طعنا وكتبةفصار لحبّ القلب والدّرّ نظّاما
ووطفت عرض الأرض لم أر مثلهحكيما شجاعا يقطع الحكم والهاما
فقولا لصرف الدهر، عنّي فإننيعلقت بكاف (صدره ألف) اللاما
يقوم له السادات في السلم قاعداويقعد عنه القرن في الحرب إذ قاما
وله من قصيدة غير قصيرة:
حركات الوزير قد بشّرتنابدوام السرور والبركات
وكأنّا أهل الجنان نزلناعنده آمنين في الغرفات
هو في الصدر ذو حجى وثباتوهو في القلب طائش الوثبات
ضارب في العلا بأوفر سهمطاعن في العدا بأمضى قناة
/ وهو بحر للعلم برّ بأهل الفضل، طود للحلم جمّ الحصاة
ذكر المرهفات أنثى العطاياحدث النادرات كهل الأناة
ضاحك السنّ في النعيم وفي البؤس مع النازلين والنازلات
خافض الجأش والجناح لإهلاك معاد أو لامتلاك موات
من بلاه لدى البلاء رآهأفضل النائبين في النائبات
وبنفسي دواته إنّ فيهاللمعالي جوامع الأدوات
يا لسوداء حامل الظهر والبطن بحمر الحلى وبيض البنات
تتماشى خطّا وترجع نقطامن أعاجيب صنعها راقصات
أهو الخطّ أم نقوش الغواليفي خدود الأوانس الخفرات؟
بل هو الروض غبّ غيم مطيرغازل الشمس نوره بالغداة
وهو اللفظ أم رحيق عتيقشجّ سلسالها بماء فرات؟
وله أيضا من قصيدة:
إذا ما الأريحيّة حرّكتهتروقك هزّة الغصن الوريق
وإن تكن الحفيظة أغضبتهتهولك بطشة الفحل الفنيق
فعند الصحو يبذل كالسّكارىوعند السّكر يحكم كالمفيق
ويضحكه الوعيد من المعاديويبكيه العتاب من الصديق
شجاعته إذا التفّ العواليتذكّره معانقة العشيق
/ ويأبى للمروءة حين يخلومطايبة مع الرشأ الرشيق
ومن غزليّاته قوله في غلام مطرب:
ومطرب صوته وفوهقد جمع الطيّبات طرّا
لو لم يكن صوته بديعاما ملأ الله فاه درّا
وقوله:
من عذيري من مترف يتهادىفي شباب ونعمة وجمال
ليس فيه عيب ويا ليت فيهكان عيب يقيه عين الكمال
قلت: هبني خلال عود وهب ليفضل ريق توليه عود الخلال
فانثنى معرضا وقال بسخط:ما لهذا يا مسلمين ومالي؟
وقوله:
بنفسي ملول إن أردت اعتناقهبكى ضجرا حتى ضجرت بكاء
ويعرق، إن مازحته، ورد خدّهفأخشى عليه أن يذوب حياء
وقوله:
إنسان عيني قطّ لا يرتويمن ماء وجه ملحت عينه
كذلك الإنسان لا يرتويمن شرب ماء ملحت عينه
وقوله، وهو من باب الأوصاف:
وذي زجل والى سهام رهامهوولّى فألقى قوسه في انهزامه
ألم تر خدّ الورد يدمى لوقعهاوأنصلها مخضوبة في كمامه؟
قلت: هذا [والله] معجزات البيان الذي سماه النبيّ، ﷺ، سحرا. ومن أهاجيه القوارص اللواذع في قينة:
ومسمعة صوتها شاقنيإلى نومها بل إلى موتها
/
لها توبة يستفيد النّدامجميع المسرّات من فوتها
فهم يطربون وهم يضحكونلدى صمتها وعلى صوتها
وفي مثلها:
وقينة ثديها كبر بطهاوجسمها في النحول كالوتر
لو لم يكن (إبطها وعانتهاما ملكت طاقة من الشّعر
عتابها والسماع في العين والسّمع كشوك السّيال والحجر
يا شعلة في العذار يا لمعةفي الجلد يا نكتة على البصر
عوفيت لكن عن المضيف وأبقيت، ولكن في أرذل العمر
وله في هجاء ثقيل يؤمّ بالناس:
وأثقل روحا من حقاف عقنقلأخفّ دماغا من جنوب وشمأل
يؤمّ بنا في الخمس قطّع خمسهوأمّ بصخر حطّه السيل من عل
يطيل المقام في القيام كأنّهمنارة ممسى راهب متبتّل
ويبطىء لبثا في السجود كما هوىمكبّا على الأذقان دوح الكنهبل
ويفحش في القرآن لحنا. كأنّماتعاطى كؤوسا من رحيق مسلسل
ويمكث بين السجدتين كأنّمايشدّ بأمراس إلى صمّ جندل
فقلت له لمّا تمطّى بصلبهوأردف أعجازا وناء بكلكل»
وزاد برغمي ركعة في صلاتهوقد فاض حتى بلّ دمعي محملي:
ألا أيّها الشيخ الطويل صلاتهألم يكن التسليم منك بأمثل؟
وله في الشيب مشوبا بالفخر والشجاعة:
/ ألا إنّ شيبا ضافني فنفيتهفبادرني فانشقّ من خوفه صدري
لأوّل ضيف قد كرهت جوارهوأوّل قرن خفت منه على عمري
وله أيضا يفتخر:
وديمة حرب وبلها النبل والقناتصبّ على قيعان درع ومغفر
مطرت بنوء القوس) صوب سهامهافقابلتها من صحن خدّي بممطر
وله في المجون:
يا ملكا قال: حملناكملمّا طغى الماء على الجارية
عبدك هذا قد طغى ماؤهفي الصّلب فاحمله على جارية
وله يهجو أيضا:
لنا صاحب) إن يركب الفحل ظهرهيفرّ قريبا كي يكرّ ويرجعا
فأفره به من مركب أيّ مركبمكرّ مفرّ مقبل مدبر معا
وقال يهجو أيضا:
عشا الشيخ من حسن منهاجهفكاشفه إن شئت أو داجه
فقد كاد شوقا ذباب الحساميطير إلى دم أوداجه
وله في صفة ليلة صيفية:
ربّ ليل كالفحم شبّ سهيلفيه نارا لها البعوض شرار
كم على الأرض للبراغيث رقّاص وللبقّ في الهوا زمّار
حرّها في الجسوم نمّ عليهافأرتنا أشخاصها الآثار
كلّفتنا صكّ الجبين ولطم الخدّ حتى تناوح الأطيار
سهرت مقلتاي فيه إلى أننام أنواره وهبّ النهار
طمعا في زيارة من مليحقلّ معروفه وعزّ المزار
طال في هجره الليالي جميعافنسينا كيف الليالي القصار
وله [أيضا]:
/ وشادن لقّب بالبدريسقيك ما يزداد في العمر
تنويشه يعجل إطرابناومزجه يمهل في السّكر
قد زاد ليل الحظّ في قدرهفهل لكم في ليلة القدر؟
[نرشف من فيه ومن كفّهراحين حتى مطلع الفجر]
وله في الشّيب:
عجبت من (دهري ومن ظهريوليس يفنى عجب الدهر
فقد حنى ظهري ولم يكسر العظم وأبقى وجع الظهر
وله [وهو] من الغزليات:
بليت بطفل قلّ طائل نفعهسوى قبلة يزرى بها طول منعه
ويمسحها عن عارضيه بكمّهويغسلها عن وجنتيه بدمعه
يكاشحني إن لاح شخصي لعينهويغتابني إن مرّ ذكري بسمعه
ولا يستحي من وجه رفقي جفاؤهومن يبتغي في عفوه ضيق ذرعه
وله [أيضا] [يهجو]:
أما إنّ بيت الشعر لو صانه امرؤكما أنّ بيت المال صان أمينه
لما زاد ديوان القيضي بأسرهعلى نصف بيت غثّه وسمينه
وأغرقه إن شاء انشاء لفظةبكاء ورشحا جفنه وجبينه
ولو سارق الأشعار حزّ لسانهكما سارق الأموال حزّ يمينه
لكان القويضي منذ خمسين حجّةيولول لفظا لم يكن يستبينه
وله في الحكمة:
إذا أبى السلطان أن يعدلافارخمه واستغفر له في الملا
فإنّما النار لهم موعدلم يجدوا من دونه موئلا
وله من خمريّة يستزير بها بعض أصدقائه:
/
شراب عتيق ونقل حديثومثل أغاني الغواني حديث
فسوقا إليّ الشراب القديمفغيري يساق إليه الحديث
هواء كوشي قريضي رقيقوريح كمشي عشيقي خنيث
وساق إذا قال تنويشه:أغذّوا فتجميشه قال ريثوا
شمائله (إن أبي الناس خشنولكنّها إن سقى الكأس ميث
[وللمترعات مرور وشيكوللمسمعات حداء مكيث]
فزرنا حثيثا فللطيباتكما لمع البرق سير حثيث
لنغتنم اللهو إنّ الزمانكما الذئب) في السرح فينا يعيث
فإن رثت عنّا فإنّ المدامبألباب أصحابنا لا تريث
وقالوا: المدام حرام خبيثفقلت: بنفسي الحرام الخبيث
فمالي إذا ما دعوت الغياثمن النائبات سواه مغيث؟
وله يهجو:
وكافر قبحت في العين خلقتهوذكره بين أهل الفضل ما جملا
أراد يأكل لحمي زور غيبتهويجمل المخّ في عظمي فما انجملا
تركت مفساه دربا للّقمدّ، فمندنا إليه رأى أسنانه جملا
فانصاع معتقدا خوفي ومقتعداظهر الغياهب في بطن الفلا جملا
وله يهجو:
قالوا: القويضي شبيه والدهفقلت: والجرو يشبه الكلبا
والكلب (منه لم يرض) غابطهلحما ولا فروة ولا حلبا
ربّ طوّل يديه واعل بكعبيه وشرّف مقامه صلبا
/ ولا تر الحاسدين فيه مدى الدّهر سوى ما يرقّق القلبا
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع