من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو منصور الكاتب
هو من أشعر الكتّاب، وأكتب الشعراء. وقد لفظته باخرز إلى دار الملك ببخارا، وارتبط في ديوان الرسالة بها. وهذا نثر له موشح بنظم، يصف فيه حاله، ويذكر حلّه وارتحاله. وكفاك به مخبرا عن قصته، وناطقا بحذقه في صنعته. صدر الرسالة قوله:
/ كتبت ولي نفس تذلّل للهوىفأنفاسها حرّى وأجفانها عبرى
تحيّرت من أمر الهوى فتسلطتعليّ النّوى واستمطرت أدمعي تترى
وكيف لا وقد تبدلت بمظنون [الأحبّة والأوطان] شجون الامتحان في دار الغربة، أبكي شجنا لأوطاني، وأرثي حزنا لخلّاني. نهاري
ليل أسود، وقد وكلّ بالفكر، وليلي نهار أربد، مقصور على السهر.
ارخي أيامي بين تعلل بالأماني وتجمّل في تحمّل ما أعاني. أتمنى سوالف الأيام، والأماني مضلّة الأفهام. فاذا يئست من عتبى دهري أنست ببكائي، ومهما نكست [من لوعات] صدري، تنفست ببرحائي ومتى تجسّمت لي روائع ربوعي، انسجمت متتابعة دموعي، وتعضّني للنوى أنياب عاضّة، وترضّني من الهوى أسباب راضّة:
أضحي وأمسي في فنون بلابلمن دونها تتقطّع الأكباد
ولا غرو فقد تبدّلت بالأنس وحشة وبالمتنزهات مساكن وحشة،
في ضيّق الأرجاء ضنك المخترقكأنني في مطبق أو مختنق
فنزلت وجار الضّباب واجما، واحتللت أو كار الغراب نادما.
لا أتنسّم بها نسيما، ولا أتوسّم فيها حميما:
نزلت بخارا (وهي لولا قطينهالحقّ علينا أن نلقبها البحرا
إذا همّ حرّ في بخارا لحاجةففي كوز ماء أو إناء له يخرى
متنزّهاتها سهكة، تتداول في أرجائها العذرة، ومخترقاتها مزالق، تتابع في حافاتها العثرة:
مؤونة الغسل بها جمّةوأعظم الرّزء كرا المحفشه
لا قدّست من بلدة إنهامزبلة ضيّقة موحشه
/ وهذه حالتي بعد متنزّهاتي الطيبة الرائعة، ومساكني المؤنقة الفائقة.
وبعدها ساعدني الزمان في منادمة الاخوان، ومقارنة الخلان:
والدهر عنا نائم لم ندر ماصرف الزمان وفرقة الإخوان
فتنبهت أحداقه فتركنناأيدي سبا شتّى بكلّ مكان
تناغيني بواعث الأسف، وتناجيني طوارق التلف. يا عجبي! أشتاق إلى الجفاة، وأحنّ إلى السعاة:
أرض يسود بها القرود أسودهافيطيعهنّ من الشقاء أسود
كبيرها متورط بالجهالة، وصغيرها متمخّط في الضلالة. أفضلهم
عيّي، وأغفلهم غبيّ، وأعفّهم سارق، وأسدّهم مارق. وما خير موطن تصيدك فيه حبائل الحقود، ولا تأمن به غوائل الحسود. أتذكر باخرز وتحنّ إلى أقطارها؟ أم تشتاقها، وتبحث عن أخبارها؟ أمالك نفس متّعظ وحدس متيقّظ؟
وختم الكتاب بهذا الفصل: «ولمّا أسعدني الله بالوقوع إلى حضرته، وقبّلت قبلة الآمال من عتبته، وشرّفت بالأذن عليه في خلوته، ساءلني عن أخباري وأخبار غيبتي، ثم أكرهني على نقض توبتي، وأمرني بالاختلاف إلى الديوان على رسمي، وأثبت العشرينيّة باسمي، فأنا بحمد الله أرفل في أثواب المسرّة، وأرد على أبواب المبرّة، وأرجع من ظلّ خدمته إلى ما ينسيني ذكر الأهل والوطن، ويشغلني عن حبّ الولد والسكن»:
ومن ذا الذي لم يرمه الدهر بالنّوىومن ذا الّذي لم يشجه بفراق؟
رويدك إنّ الدهر لا عزم عندهسيرمي النّوى يوما بوشك تلاق
/ قلت: وكان سبب انقطاعه من الناحية أنّ الشيخ أبا الطيب الخداشيّ لم يزل يرهقه صعودا، فأنف من الصبر على الخسف، والانقياد للذل. وامتدّ
إلى بخارا مفوّقا بسهام الهجاء إليه، ومستعديا للسلطان عليه. فممّا قاله في هذا المعنى بيتان، أنشدنيهما [له] القاضي أبو جعفر البحاثيّ [وهما]:
أبا طيّب لا تكن ظالماولا تلق نفسك في المهلك
كأنّك هارون في غدرهوأني بقايا بني برمك
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع