من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو خداش محمد بن سعيد بن خداش ابن ابراهيم بن ميسرة
فمر [من] باخرز طلع، وكأنّه من البدو نزع، وبين ظهراني
العرب ترعرع، فطورا يتشبّه بمدنيّ رقيق غذّي بماء العقيق، وتارة يتجلّى في عجرفة الشدو بعنجهيّة البدو. ولم أظفر بشعره في خزانة كتب قديمة، توارثها العلماء من أهل بيت عليّ بن زناد؛ جدّ هذا المذكور.
وأبدعها وأبرعها قافية له بائية قالها في استبطاء عشيرته، واستزادة أعيان قبيلته. مطلعها:
أطاع النهى قلبه المختلبوعاصى دواعي الهوى والطرب
وشمّر ذيل الصّبا نازعاعن الواسمات له بالريب
يراعي النجوم بعين الهمومكئيبا، ومن يغترب يكتئب
ثوى بالمدينة عاما بهادراكا إلى رجب من رجب
وراح وساوس تلهو بهوقد كان يلهو بها في الحقب
إذا هو حنّ تغنّت له:«عجبت من الدهر كيف انقلب»
وبيضاء كالشمس رود الشبابربيبة بيت عزيز الطنب
كأنّ بفيها بعيد الرقاد،وقد صعد النجم أو قد كرب
عتيق العقار بمسك البحاربأري يشاب ولم يؤتشب
تمتّعت منها بطيب السماعوجانبت في الله ما لم يطب
وصفراء كالمسك إن ذقتهابشمّ وفي لونها كالذّهب
[إذا هي ريضت بقرع المزاجترامى لها شرر كالشهب]
/فمنها مصابيح شرّابهاوطيب النّدامى إذا ما نضب
شهدت مجالسها للحديثوعاصيت في شربها من شرب
بكلّ يعلل هذا الشجىودرّت مناه له لو حلب
فما زاد إلا شجى ناشئاوهل يشعل النار مزن سرب؟
أجارة بيتي بعض الملامفلومك نار وقلبي حطب
كأنك لم تكبري ما ألمّومن قدر الله ما قد جلب
فراق أخي يوم فارقتهصريعا بحال رد محتسب
يؤرّق عينيه صرف الزمانوينهش جنبيه نار الوصب
وما أنس لا أنس يوم الفراقودمعي على خدّه منسكب
أوّلي وطرفي إلى شخصهونار الأسى في الحشى تلتهب
فلو أنّ ما بي غداة الفراقبثهلان لانهدّ إن لم يذب
كريم أصيب بريب الزمانوأيّ كريم به لم يصب؟
تقاوى عليه لدى سقمهرعاع الموالي وقزم العرب
وناصبه معشر عن قلىبظلم وعن حسد قد غلب
ألم يك سيفا لهم صارماعلى كلّ ذي إحنة يرتهب
وركنا شديدا وفوق الشديد يأوي إليه شديد الرّعب
يلاقي الزمان بأمر يقوممقام الخميس اللهام اللّجب
/إذا حلّه الخطب لم ينتظرمشورة أهل النّهى والأرب
ولكن مضاءة غرب السنانوسورة ليث العرين الأشب
فإن يكن الدهر قد خانهوأزعق من شربه ما عذب
فقد يكسف البدر عند التمامويعلو الحسام، الصدا، ذا الشّطب
ويعدو
على الضيغم الثّعلبانإذا ما القضاء أتى بالغلب
رويدا سيكشف هذا الضبابويطلع من شمسه ما غرب
ولمّا بدالي اعتياص الشّؤونوسدّ السبيل عن المطّلب
دعوت إلى نصرتي أسرتيعلى نأي داري (لا من كثب
فلم أرلي [منهم] إذ دعوتمجيبا وفي نصرتي منتدب
فإذ لم يروا نصرنا في الملمّببذل اللهى واحتمال النصب
فأين لسؤال بظهر المغيبوأين السلام وأين الكتب؟
وأين مداجاة أهل الحياإذا لم تكن حرمات المحب؟
وله أيضا يشكو بعض إخوانه:
وكيف خلوصي من أخ ذي تدابرإلى وصله والصّرم بالوصل محدق؟
وكم دونه للزهو باب بقفلهوللبغي أحراس وللتيه خندق
وإنّ امرأ يزهى على أهل ودّهويطمع منه في الاخاء لأخرق
ومما أختاره من مراثيه لابنه قوله:برزء سعيد قصّ دهري قوادمي
وأطفأ نوري واجتنى ثمر الصدر
أبان
يدي يوم التصاول من يديوهدّ به ركني وأوهى به أزري/
وما كان إلّا روح جسمي فانقضىوكيف بقاء الجسم والروح في القبر؟
أبعد سعيد والهمامين بعدهخداش وعبد الله كالأنجم الزّهر
أؤمّل صفو العيش لا ذقت صفوهوأهوى امتداد العمر لأمدّ في عمري
وله فيه يرثيه:
يا واحدي أصبحت بعدك واحدالولا الإله المستعان الواحد
ماذا أردت إلى أبيك بتركهيبكي العدوّ له ويرثي الحاسد
ألف المقابر بعد فقدك وحشةلو كان يأنس بالمقابر فاقد
يدعوك من يأس ولست تجيبهوهو القريب وسمعك المتباعد
أعققته فتركت رجع جوابه؟ما اعتاد منك أذى العقوق الوالد
وأقلّ منا المكث حتّى نلتقيكالحيّ يسبقهم بيوم رائد
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع