من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو منصور عبد الله بن سعيد بن مهدي الخوافي
صحبني بخراسان نهلا، وبالعراق عللا وخدم عميد الحضرة [بالبصرة]
وكان بها يصل جناحي في الكتابة [له]. ثم خلّانا وفرّ، وتركنا نقاسي/ ذلك الحرّ. فمما أنشدني لنفسه قوله من قصيد أوله:
خدود جلا التوديع منها خدودهاكما فتّقت أكمام ورد مضرّج
ولم أدر بدرا قبلها عضّ في الدّجىعلى عنم بالأقحوان المفلّج
لها جيد آرام وأعجاز مسحلوأعطاف ثعبان وألحاظ تذرج
تضاهي الدجى فرعا وعينا وحاجباسوى أنها كالصبح عند التبلّج
دخلنا على اللذّات من جانب الصّباوقلت لأحداث الزمان: ألا اخرجي
وبتنا على رغم الهوى ننشر الهوىونطوي رداء الليل طيّا وننتجي
فلما تجلّى الصبح ثارت كأنّهاغزال صريم لا غزالة منبج
و [من مقتطعاته] قوله:
مخدّرة من الخيرات أضحتتصان الدهر عن نفس الرياح
تطلّ عراصها أسد حراصتراب نعالها كحل الملاح
لهوت بقربها والليل طفلإلى أن شاب ناصية الصباح
فبتّ ضجيع نرجسة وآسوظلت نديم ريحان وراح
وقوله في صفة قينة:
غيداء ناعمة الأطراف لو عقدتيد المصافح منها أنملا قدرا
مجاذب في التّهادي خصرها كفليؤود متنا) فلولا اللين لا نبترا
عطف ترفّ قلوب العاشقين لهعطفا عليه إذا ما اهتز أو خطرا
يصرّح الوهم خديها فلو قطرتبالقلب في خطرات الشوق لا نقطرا
قامت على طرب الندمان راقصةبالعود ترمح فضل الذيل والخمرا
/ فحرّكت كلّ قلب ساكن طرباوقيّدت كلّ طرف يرجع البصرا
لم (تلق عين) امرىء من قبل رؤيتهاشمس النهار أقلّت في الدجى قمرا
غنّت على مقتضى الإيقاع يشفعهصوت كنغمة «برصوما» إذا زمرا
يا سكّرا قبل أن ذقناه أسكرناودرّة نثرت في نطقها دررا
وأنشدني لنفسه [أيضا]:
سأحدث في متون الأرض ضرباوأركب في العلا غبر الليالي
فإمّا والثرى وبسطت عذراوإمّا والثريا والمعالي
وله وهو من المعاني المنقولة من (الفارسية إلى العربية):
لولا امتساكي بصدغيها على خجلحمّلت يوم النوى في عبرتي غرقا
تعلقا كاشتعال النار في شمعفلا أفكّ يدا أو تضرب العنقا
قلت: قد أخطأ حيث قال: أو تضرب العنق، ليس بعلّة، لانفكاك علقة النار من الشمع، بل يزيد ذلك في العلاقة. والصواب ما قاله والدي، رحمة الله عليه:
[علقت بها كالنار في الشمع فهي لاتكفّ يدا عنه، وإن حزّ رأسها]
ولوالدي فيما يقرب [من] هذا المعنى:
علقت بها كاللّظى بالشموعتميّز عنها بإطفائها
[وكلّهم قصدوا نقل المعنى على سبيل (ترجمة بعضهم):
در آوبزم از وي چوآتش ز شمعجدا كردن از وي بكشتن توان]
وأنشدني لنفسه:
مرّت بنا وعيون الخلق ترمقهاكالظبي أفلته الصياد من شركه
كأنّها وسراة الطرف تحملهابدر السماء يزور الأرض في فلكه
وقرأت من خطه أبياتا له في غلام اسمه «نجم».
لقد فقت في الحسن كلّ الورىفمن دونك اليوم يا «نجم» دون
وقد صرت في الحسن حيث انتحواوحيث انتهوا من به يقتدون
/ إذا الليل ألوى بهم فابتسمقليلا فبالنجم هم يهتدون
وله في العتاب:
لبستك درعا والخطوب سواهمتسدّد نحوي حيث يممت أسهما
توقّيت أطراف الخطوب بمثلهافهذي جراحي كلّها تقطر الدّما
وما أنا إلّا الأرقم الصلّ ساكنادببت إلى نابيه عمدا فصمّما
وليس يهاب الصارم العضب مصلتارئيسا مفدّى أو شجاعا معمّما
وله في الحكمة:
ولا تجزع إذا ما سدّ بابفأرض الله واسعة المسالك
ولا تفزع إذا ما اعتاص أمرلعلّ الله يحدث بعد ذلك
وله في الشيخ أحمد بن الحسين الخوافيّ:
ولما رأيت الدهر صارت صروفهعلى كلّ حرّ ذابلا ومهنّدا
سموت إلى طود من العزّ شامخلأكسب مجدا يملأ العين واليدا
فأعددت للدّنيا عليّ بن أحمدوأعددت للعقبى عليّا وأحمدا
وله أيضا:
أسادتنا إني حسام مصمّمجلت حادثات الدهر عن متنه الصّدا
فإن تعملوني كنت كفا وساعداوإن تهملوني ضائعا تشمتوا لعدا
فليتك إذ زيّفت لم تك ناقداويا ليتني إن رقت لم أك عسجدا
وله في الشكوى:
ألا يا للعجائب ما لقومي«أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا »؟
شروا من ليس ذا جدّ وجدّوباعوا من له عضد وباع
وله من غزلياته الرقيقة:
أبد تميم أنت في كلّ محفلوقى الله عين السوء بدر تمام
أجدّك ما تنفكّ تسبي متيّمابفترة ألحاظ ولين قوام
/ فحاجبك المقرون قوس موتروهدبك نشّاب وطرفك رام
أمالك رقيّ هل بقلبك رقة؟تأمّل نحولي في الهوى وغرامي
لأصبح عنك الصبّ بالسّبّ راضياتكلّم بما تهوى وأمرك سام
إذا طلعت شمس النهار فإنّهرسول الذي يقريك ألف سلام
وإني على ما قد ترى من كهولتيغلامك لو ترضى وأيّ غلام؟
وله:
لم لا أصرّ على الملاهي سادراولديّ من في وجهه أغراضي؟
من خدّه وردي، وبرد رضابهخمري، وفوه البرء من أمراضي
ولم النكول من العداة وشكّتيمشهورة وغرار سيفي ماض
من قدّه رمحي ومن ألحاظهسيفي ومن وفراته فضفاضي
إني على شغفي به وبقومهوبرسله بالشتم منه راض
إن كان يمنعه الرقيب زيارتيفالخصم قد يرضى ويأبى القاضي
وله في غلام متصوف:
أأخلفت ميعادي وخلّفت مهجتيعلى قلق ذاك وفرط تشوّف؟
نهبت فؤادي واعتقدت تصوّفافلا تنهبن قلبي ولا تتصوّف
[وهذا] ينظر إلى قول بعض الأئمة:
تحجّ احتسابا ثم تقتل مسلما؟فديتك لا تحجج، ولا تقتل الورى
وبدر له باب المراتب مطلعولكن له في حبّة القلب مغرب
أصاب صميم القلب فالصدر ملهبوأغرى الهوى بالصبّ (فالصّبر منهب
وما ذات طوق يبعث الوجد نوحهابرجع كما حنّ اليراع المثقّب
بأبرح منّي لوعة غير أنّناتجدّ بنا أسبابها وهي تلعب
/ [وقلت]؛: وقد بالغت في تسويد البياض بشعره أكثر مما هو شرط الكتاب في مثله ولكنّي رأيت ذلك الفاضل يمتّ إليّ بالودّ الراسخ،
وبيننا مئون من أعداد الفراسخ. ولا أدري ما يفعل بي ولا به، والدهر ذو دول، ينقّل في الورى [أيامه كتنقّل] الأفياء، ولا آمن حلول دواعي الفناء بذلك الفناء. وليس منه بخراسان أثر، ولا يحمل منه إلا على ألسنة الرياح خبر، ولا عندنا من أهل الفضل من يعنى بإحياء فاضل ينشره بجميل الثناء، إذا طواه الرّدى طيّ الرداء. فدوّنت من أشعاره ما وجدت، وغرت في أقطار ذكره وأنجدت. وما أحسبني أسأت، إن لم أكن أجدت، إن شاء الله تعالى وحده.
وقد انحرفت من خواف إلى ناحيتي باخرز، ولم لا وفي [ديارات الخارز] لأهل الفضل مغارس ومغارز، وسدّ لفتق أدب ثآه الحارز.
وكنت في حداثة الصّبا أفردت لشعرائها كتابا، ولا بدّ الآن من أن أفرز إليهم من هذه الطبقات بابا، وأبرم لإثبات أساميهم في هذه الورقات أسبابا، عناية بأرض خرّجتني، وإلى هذه الرتب العالية درّجتني، فاذا تخطيّت إلى غيرهم رقابهم، وطويت طيّ السجلّ للكتاب. كتابهم، كنت مقترفا إثما ومرتكبا جناحا:
كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
فصل جعلته مفتاح هذه الطبقة، وقلت: كنت أحدث نفسي زمن الحداثة، وغالية الشباب لطخ المفارق، قبل أن تعود سود المسائح كبيض المهارق، بسلك أنظم فيه فضلاء باخرز وأدوّن به أسماءهم، وأبني على أرض الخلود سماءهم./ فحكى لي والدي، ﵀، عن لسان الحاكم عمر
المطوّعي أنّه قال: «قرأت في كتاب معجم الشعراء تأليف المرزبانيّ شعر محدّث ملقّب بالباخرزيّ». فكاد الحرص يريشني في طلبه، لعلّي أعثر باسمه ولقبه وأقف على مقدار أدبه، وما زالت الأيام تعدني فيه مواعيد عرقوب أخاه، وأنا أتحرّاه من خزائن الكتب وأتوخّاه حتى اتّفق أنّ ورثة الأمير أبي الفضل عبيد الله بن أحمد الميكاليّ، عرضوا خزانة كتبه على البيع، ومعجم الشعراء في أثنائها، ورغبات الفضلاء صادقة في اقتنائها، والقاضي البحاثيّ من بينهم، يعتام خيارها، غالبا فيها مغالبا بها. فلمّا وقعت عينه على الطلبة المقصودة، والضالّة المنشودة، أنشب فيها أظفار البنان، وتعلق بها تعلّق الأعمى بذاك المكان. ووزن فيها (عشرا من حمر الدنانير)، الرواقص على الأظافير، وحمل الكتاب إليّ «ولمن جاء به حمل بعير »،
وان كانت يدي عليه يد مستعير، وما زلت أقشره ورقا فورقا، وأمسح من الجبين في تتبّع هذا الفاضل عرقا، حتى انتهيت إليه، وأنخت المطيّة عليه. وفيه ذكر أبي منصور رشيد بن منصور [الباخرزي] وأبيات له قضى فيها بالعدل والتوحيد، وردّ على العامّة والحشويّة وهي:
أحمد الله حمد غير سؤومعدد القطر والحصى والنجوم
وعليه توكّلي وإليهرغبتي لا إلى الحقير اللئيم
أنعم المفضل الوهوب على النّاس جميعا؛ حديثها والقديم
وهدى الشيب والشباب صراطامستقيما والخير في المستقيم
كلّف الخلق دون ما يستطيعون ولم يرض غير دين قويم
جلّ ربّ السماء عمّا يضيفون إليه من القبيح الذّميم
/
فأثبتّ هذه القصيدة كما هي في طبقات فضلاء باحرز، سنة أربعين وأربعمئة، وضرب الدهر ضربانه، حتى بنى الشيخ ناصح الدولة أبو محمد الفندورجيّ خزانة كتبه في مسجد عقيل بنيسابور، فحضرتها وأعدت نظري [في] فهرستها، فاذا فيها كتاب المعجم فنشرته، فاذا فيه ذكر الباخرزيّ إلا أنّه خالف في اسمه ونسبه، [و] زعم في النسخة الأولى أنّه «أبو منصور رشيد بن منصور»، وفي الثانية «أبو منصور محمد بن ابراهيم ».
وذكر أنه من أهل خواسان ونسبه إلى الاستيطان ببغداد والتديّن بمذهب الشيعة، والعمى في آخر العمر، وحكى أنّه كان يهاجي مثقالا الشاعر
الواثقيّ. وأورد من أهاجيه فيه قوله في بيت مثقال:
في بيت مثقال يكون أولو الزّنا وذو واللواط
يعلونه وعجوزهويرى بذاك أخا اغتباط
وفيه بيت آخر من قبله:
إنّ دهر اسرور أقصر من يوم ويوم الفراق دهر طويل
قلت: ولست أدري أكلا المذكورين واحد أم لا؟ وقد عثرت بديوان شعر أبي منصور محمد بن ابراهيم الباخرزيّ في الخوانة النظامية [عمّرها الله] بنيسابور، والتقطت منه أبياتا أحيي بها مواته، وأنشر [بها] رفاته، وألمّ فتاته. وإن لم يكن في حداثة العصر من شرط الكتاب، ولكنّ العواطف رقعت عليه كبدي، لما كان من فضلاء بلدي. والغالب على ديوانه المراثي، إمّا للعلويّة وإما لإبنه ابراهيم. وقرأت فيه قصيدة له يهجو فيها «هيصم بن العلاء بن جهور العجليّ» وبني عجل جميعا، ويذكر فرازهم عن يحيى بن عمرو، ويمدح أسدا وطيّا [والكوفيين]، وهي:
/
لو كان في عجل رجال عراكفي الحرب ما هربت من الأتراك
ولصمّمت منها حفائظ معشرصبر على التّوقاف والتّبراك
تثني الخدود إذا الحروب تناحرتأبطالها وتجود بالأوراك
صلّى الإله على جسوم عفّرتمنها الخدود على مدى الدّكداك
وتقسّموا جرح المنايا بينهمبتصابر عذب على الأحناك
ومن مراثيه قوله في قصيدة:
أأبكيك في القوم الذين أصيبوامن الناس أم أرجوك أن ستؤوب؟
ولولا رجاء الناس طارت مع الأسىعليك عيون منهم وقلوب
بك الدين والدنيا التي قد تنكّرتعلى الناس تحلولي لهم وتطيب
وقوله من أخرى:
قد استصغرت نفسي عظام المصائببقتل مهيب للرّدى غير هائب
وقد هدّ ركن المكرمات وهدّمتديار النّدى والناس من كلّ جانب
لقد كان مرهوبا مرجّى ولم تكنكرهبته لله رهبة راهب
وكان قريبا من غريب له تقىولبّ، بعيدا من جهول) الأقارب
كأنّ الحسينيّين عند اخترامهوجوه خلت من أعين وحواجب
له همة لم يلف بعد كبعدهاوما أرضها إلا سماء الكواكب
فكلّ من الأقوام حرّان جازععلى أسد أمسى قتيل الثعالب
وبدر منير أذهبته غياهبمتى كان بدر مذهبا للغياهب
لقد كان يحيي الجود للضيف قاريافأمسى قرى طير ذوات مخالب
وقد كان داء للسّباع يثيرهافصار دواء للسباع السواغب
/ وقال يرثي ابنه ابراهيم:
أنا حيّ وروح روحي إبراهيم ميت إنّي لفظ غليظ
يا رهين التراب لو صدقتك الودّ نفسي إذن لكانت تفيظ
كان لابني وجه يعوّذه اللاحظ أين المعوّذ الملحوظ؟
أين زين الوجوه واريته في القبر، والقبر مكرم محفوظ؟
حظّ عيني من الرقاد فقيدولعيني من السّهاد حظوظ
أنا راض من لنوائح لكنّ فؤادي بالمسمعات مغيظ وله فيه أيضا يرثيه:
[قبض ابني معوّذا ولقد أيقنت أن لا انتفاع بالتعويذ
بذّ
مني إلى المقابر والأجداث يا طول حسرة المبذوذ]
إنّ قولي لكلّ من لام في الحزن عليه: أقصر فإنّك موذي
أخذته المنون قبل ارتواء الننفس منه لهفي على المأخوذ
كلّ باك رقاده سهر الليل، مقرّ بأنّه تلميذي
إنّ سكري من الهموم لضعفالسّكر من قبل قرقف ونبيذ
إنّ قوما أتاهم ابني ابراهيم لمّا نحوا بعجل حنيذ
قلت: هذا الفاضل، وإن كان بالإضافة إلى هؤلاء العصريين قديما، فقد قيل:
أبى الله إلا أمّ عمرو وحبّهاعجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد
كسحق اليماني قد تقادم عهدهورقعته ما شئت في العين واليد
ومن فضلاء ناحيتي، الذين تقدّموا في موكب طبقتها، ولم يطبّلوا على ساقتها:
/
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع