من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
ابنه الحاكم أحمد
متنوّع في العلوم، متصرّف في الفقه والوعظ والطب والنجوم. إذا أفتى حلّ عقد المشكلات، وإذا وعظ شرح قلوب العصاة، وإذا عالج سدّ طريق الممات، وإذا نجّم نمّ على أسرار السموات. [كتب للشيخ العقيلي بخطّ كما تشتهيه العيون، ونصح كما تقتضيه الظنون، وشعر بارع وترسّل رائع] أنشدني لنفسه:
ألا إنّما الدّنيا متاع فخلّهافإنّ المنايا للآماني بمرصد
فحتّى متى ترجو المنى وهي ضلّةوحتّى متى تخشى الرّدى وكأن قد
لك الخير فاسمع إنني لك ناصحمضى أمس فاسع اليوم ينفعك في غد
وله في نزول الآجال قبل حصول الآمال:
أليس عجيبا أن ترى كلّ عاقلله أمل والموت قبل حصوله
فهل تارك دنياه قبل زوالهاوهل عامر للقبر قبل نزوله؟
وله في بستان للقاضي أبي القاسم الداودي، رحمة الله عليه، بهراة وفيه بركة جارية:
يا بركة كادت تفاخر أهلهابسيولها وبمدّها وبجزرها
كفّي فإنك لو رأيت مكانهما كنت إلّا قطرة من بحرها
وله [أيضا]:
أأحبابنا قد فرّق البين بيننافما منكم بدّ ولا عنكم صبر
ويوم وقفنا للوداع كأنّناوقوف على جمر (وإن لم يكن) جمر
أضاءت لنا من جانب الخدر غادةتمنّيت لو أنّ الفؤاد لها خدر
ومنها:
وورديّة الخدّين غصنيّة الحشاإذا ما تجلّى وجهها أظلم الشّعر
/ فلو كان ذا صبحا لما (طلع الدّجىولو كان ذا ليلا لما سطع الفجر
أشارت إلينا بالسلام فودّعتولا سرّ إلّا وهو عند النّوى جهر
وصدّت وصكّت نحرها بسوارهافكان لها في كلّ جارحة نحر
عزيز علينا أن نرى كلّ ليلةلصرف خطوب الدّهر بي وبكم غدر
وقد طالما عشنا بخير وغبطةيؤلّفنا جحر وينظمنا وكر
أبو عبد الله محمد بن سعيد البردسيريّ
قارع باب العفاف، قانع من دنياه بالكفاف خالص النّحيلة إذا وعظ، ماطر المخيلة إذا أومض، وله شعر الزهّاد المتّقين في بلاغة الأدباء المتقنين. فممّا أنشدني لنفسه قوله:
قلت للشيب حين لاح. ألا ابعدقال. بعدي لحين نفسك حين
قلت: عاجلتني لماذا أجبني؟قال: إني أنا النذير المبين
وقوله:
إن قدّموا الجاهلين بالنّسبوأخّروا العالمين بالأدب
فقل هو الله، وصف خالقنامن بعد، تبّت يدا أبي لهب
وقوله:
لم ينفع الجاهلين موعظتيما ضرّني جهلهم فيعديني
لمّا أضاعوا نصيحتي وأبواقلت: لكم دينكم ولي ديني
أخوه الفقيه أبو إسحق ابراهيم بن سعيد
له حظ من الوعط سنيّ، وشعر فائز القدح سريّ. أنشدني لنفسه:
خالل إذا خاللت خلّا خيّراوبه تمسّك تقتبس من خيره
واهجر أناسا مهجرين أولي الخنافالهجر سامعه دريّة ضيره
/ وإذا رأيتهم فأعرض عنهمحتّى يخوضوا في حديث غيره
وأنشدني أيضا لنفسه:
سماع العلم من غير الطبيعةسراب غر راجيه بقيعه
وهل تجدي السيوف على بنيهاإذا ما خانها الأيدي المطيعه
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع