من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
أبو نصر أحمد بن ابراهيم الكاتب
برق الأفهام، برّاق الأقلام، يلقّب بالأعرابيّ لتشبّهه في فصل الخطاب بالأعراب. أدّب والدي، ﵀، فكان أثره عليه أثر الصّيقل المعنيّ بشأن [الحسام] المشرفيّ، وناهيك به من مفلق حسن البيان، هزج اللسان. سمعت والدي، ﵀، يقول، وقد سئل عنه: «كانت البلاغة ترنو عن أحداقه، والعربية تطنّ بين أشداقه، وهو في الشعر/ من المكثرين المثرين، إلّا أنه انضمّ إلى خدمة سميّه الأمير أحمد الأعرابيّ حينا من الدّهر. وتوفي في جملته ببلخ، وضاع ديوانه وهنالك لم يبق بأيدينا إلّا شوارد تتهاداها الشّفاه، وتتلمّظ بها الأفواه. فمن محاسنه لاميته التي مدح بها شمس الكفاة الميمنديّ ومطلعها:
نهى الشيب عمّا كان ينهى العواذلوعارضه شغل من الشيب شاغل
إذ الدّهر عن وصل الحبيبة نائموإذ هو عن حال الشبيبة غافل
ومنها:
وبيضاء من سرّ العقائل طفلةتعلّم من أجفانها السحر بابل
يغنّي عن اللّبّات منها وشاحهاوتخرس في الساقين منها الخلاخل
ومنها:
وخمر كعين الدّيك صرف، دنانهامرازبة من آل كسرى مواثل
عليهنّ من طين الختام عمائمومن نسج غزل العنكبوت غلائل
ومنها في المدح:
لدى كلّ حيّ من لدنه نوافلوفي كلّ حين من يديه فواضل
تدارك أمرا بعدما اعتاص والتوتدوابره والتاث منه القوابل
وقام بعبء لا يقوم بمثلهمن الناس إلّا كامل الرأي بازل
فأصلح منه كلّ ما هو فاسدوقوّم منه كلّ ما هو مائل
إذا زاغت الأحكام ثقّف درأهاقضاء له بين الرعيّة عادل
تساعده الأقدار فيما ينوبهوينصره التوفيق فيما يحاول
له قلم يغني ويكفي عن التيتعدّ لها سمر القنا والقنابل
/ ضعيف قويّ الشأن أخرس ناطقأصمّ سميع ناقص الخلق كامل
عجبت له يجري ويرجع بعدهفيرقص إعجابا بما هو فاعل
ويحمله الواني فيظهر عجزهإذا لم يكن طبّا بما هو حامل
بلى بعض قرّاء الدفاتر جاهلكما بعض ركّاب السوابح راجل
كذلكم الأقلام في كفّ بعضهمرماح وفي بعض الأكفّ مغازل
ومنها:
ألا أيها الشيخ الأجلّ ومن لهسماء على أرض المكارم هاطل
يؤخّرني عن عرصة الفضل أن أرىوبابك عن نظمي ونثري عاطل
فدونك نظمي واصطنعني خادمايبن عاجل مني كما هو آجل
فلا برحت أفناء سدّتك العلاولا أخليت منها ومنك المنازل
فأنت لوجه (الجود والمجد) غاسلوأنت لسيف الدين والملك صاقل
وأنشدني والدي، ﵀، قال: أنشدني لنفسه:
ألا لا تبال بصرف الزّمانولا تخضعنّ لدور الفلك
وساخف زمانك واسخر بهفما العيش إلّا الّذي طاب لك
وأنشدني أيضا له:
إني إذا أصبحت في بلد العدافالنبل مشطي والظّبى مرآتي
إني إذا ركب الرجال رأيتنيأغشى الحتوف وكلّ آت آتي
أخوه أبو العباس محمد [بن ابراهيم] الكاتب
شبيه أخيه في تحرّي الفضل وتوخّيه، وكتب إلى الشيخ أبي الحسن العقيليّ بخطّ كما تشتهيه العيون ونصح كما تقتضيه الظنون، وفنون/ من الآداب تقمر بها الدآدي»
الجون وله ظرف ناصع، وشعر بارع وترسل رائع، فمما أختار من شعره قوله في دار بناها الشيخ أبو القاسم بن كثير ببلخ، مطلعها:
أهلا بدار أبان بانيهادلائل المجد في مغانيها
فأصبحت خطبة مصنّفةتزين ألفاظها معانيها
دار حكت صدر ربّها سعةتسافر العين في نواحيها
فيحاء، ذات العماد ضرّتهاحسناء، كرخ العراق ثانيها
فصرح هامان لا يعارضهاوقصر غمدان لا يساويها
[ومنها]:
وبيت ماء كأنّ قبّتهتسامر النجم أو تساميها
ومنها:
يفيض في نهره اللّجين وإنخرّ خرير المياه تمويها
تسمع فيه حفيف أجنحة الططير إذا رفرفت خوافيها
لا بل قصيف الرياح في حلل السّحاب منحلّة عزاليها
[ومنها]:
وأمّ نار جحيمها أبدامجاور للجحيم يصليها
ومنها:
لها صفات اللّظى وداخلهافي جنّة جمّة ملاهيها
بحارها كالبخور ممتزجابماء ورد لمن يوافيها
كأنّها غادة مفتّقةمعتادة نعمة وترفيها
ميزابها بالغناء مطربهادولابها بالأناء ساقيها
وروضة تستعير بهجتهامن حسن (أخلاقه فتبديها
/كأنّ أشجارها مكارمهتؤتي ثمار النهى وتجنيها
وبركة وسطها مباركةينتظم الموج في حواشيها
كأنّ أفواهها إذا انفجرتأراقم الرمل تلتوي فيها
كأنّما فضّضت جداولهاأو ملئت زئبقا سواقيها
كأنّها تقتدي بصاحبهاإذا جرى الماء في مجاريها
ملقى عصيّ العفاة عرصتهاموسم سوق الكفاة ناديها
فاشرب إذا شئت كيف شئت [متىشئت] وما شئت في مغانيها
واغن طويلا بها وعش أبدالها وكن ربّها ودم فيها
وله في الشيخ أبي القاسم بن كثير يهنئه بالابلال من علّة عرضت له:
كشف الإله ظلام ذاك العارضعن مهجة الشيخ العميد العارض
وأماط عن حوبائه برحاءهفانجاب عارضه انجياب العارض
حرس الإله بهاء شيبته فماأبهى وأنور شيب ذاك العارض
ومن ملح أهاجيه قوله:
أيّهذا الأدب المجفوّ ما أقفر دارك!
ليت لي عونا على الأيّام كي أدرك ثارك
لم تزل زوزن مأوى الفضل والمغنى المبارك
خري الدهر عليهابالحسين بن عيارك
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع