من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)
القاضي أبو علي الحسن بن أحمد
كتب في ديوان القضاء للقاضي ابن محمد الناصحيّ، أنار الله برهانه. بخطّ كأنّه سمط اللآلي، يكتسيه لفظ تشرق به الليالي.
وكان بينه وبين والدي، رحمهما الله، مفاوضة هي المفاوحة بين البرد والتّفّاح، ومؤاخاة هي المصافاة بين الماء والرّاح.
حدّثني الأديب أبو جعفر المختار الزّوزنيّ، قال: حدّثني هذا القاضي فقال:
كانت بيني وبين العميد أبي سهل قرابة الرّحم، وصحبة الكتّاب، ومناسبة الآداب. فارتفع شأنه حتى تصدّر في ديوان رسالة الأمير مسعود ابن مسعود وكان يجتذبني إلى ديوانه، ويهيب بي إلى الانتظام معه
في خدمة سلطانه. فلم أوثر على صحبة قاضي القضاة أبي محمد صحبة غبره، ولا مالت بي الرّغبة عن شقّ القلم إلى سواه، فظلّ يعدني بتفويض الأعمال الحكميّة لي على أمّهات البلدان، ثمّ لمّا استقرّت الولاية في يديه، وصارت مصادر الأمور عنه، ومواردها عليه كتبت إليه بهذين البيتين، أهزّه على إنجاز ما وعد [وهي]:
ملكت مملكة الدّنيا بأجمعهاوقد تأتّى زمان مسعد فأتى
/
فالآن إن لم أنل ما كنت أطلبهفي ظلّ جاهك من نيل المنى فمتى؟
قال: وعمل القاضي منصور الهرويّ بيتين، ارتضاهما الفضلاء وهما:
كفى حزنا أن زارني من أحبّهفأعرضت عنه لا ملالا ولا بغضا
ولكن نهتني عنه نفس أبيّةإذا لم تجد كلّ المنى ردّت البعضا
قال: فناقضته بقولي:
ولو كنت في دعوى المحبّة صادقاغنمت قليلا والمحبّ به يرضى
ولم يتأتّ التّيه والحبّ لامرىءومن يبتغي كلّ المنى حرم البعضا
ومن مقطّعاته الحسنة قوله:
طويت بساط الشعر مني تعمّداإذ الشعر أضحى بالدّناءة يلصق
فلست بمدّاح ولا أنا شاعرولكن لساني بالمودّة ينطق
وله في غلام كلّه طيب، ومولاه طبيب:
أرى غلام عبيد الله أمرضنيبصورة حيّرت في حسنها القمرا
قد خالف العبد مولاه بحرفتهمولى يداوي وعبد يمرض البشرا
وله في لجوج مسهب، يدّعي كلّ شيء ولا يحسنه:
وكم قائل يهذي ويحسب أنّهينظّم درّا وهو يلفظ بالبعر
فقلت له: أمسك لسانك إنّماكلامك نتف الشّعر لا نتف الشّعر
وأنشدني له الشيخ أبو جعفر محمد بن أحمد بن المختار، وهو في غاية الملاحة:
/ أقول لمن يراوغني بكيدرماك الله مذموما بمثلك
سأذهل عنك لا عجزا ولكنليجزيك الزّمان بسوء فعلك
وأنشدني له أيضا:
لحظات عين ضمنها سحروقوام غصن فوقه بدر
وكأنّ في الصّدر الّتي وقدتمن خدّه وكلاهما جمر
وضياء وجهك إنّه قمروصفاء ثغرك إنّه درّ
ما نال من قلبي السلّوّ ولميجتز بباب أمانتي غدر
وله يهجو:
أستاذنا في صيده أجدليختطف المال ولا يغفل
قد وعظ الناس ولم يتّعظكأنّه من بينهم مهمل
يأوي إلى ميزانه خاشعايأمر بالبر ولا يفعل
وله في احداث زوزن، وراوي الأشعار منهم:
قالوا: بزوزن أحداث أتوا عجبافي الخبث (إذ طبعوا) من جوهر الخبث
فقلت: (دردي دن) بل عصارتهوإنّما القوم أحداث من الحدث
قال الأديب أبو جعفر محمد بن أحمد المختار الزّوزنيّ: راجعته في البيتين معاتبا، وخشّنت له حاشية الكلام مخاطبا. فقال لي مستميلا،
بعدما ألقيت عليه قولا ثقيلا: أنت بالعراء من بين أحداث الشّعراء، ومستثنى من أولئك الفريق، [ومعدول عن ذلك الطّريق]، ومسلول منهم سلّ الشّعر من معجون الدّفيق. فقلت أنا: بمثل هذا تخدع آراء المغفّلين الأغمار، الّذين لم يسافروا في مراحل الأعمار، ولم يرتضعوا أفاويق التّجارب، ولا تطلعوا/ في مرأى العواقب وكذا يقال لأمّ عامر: خامري، وللنفس الخوّاضة في الغمرات: غامري. وقد غولط هذا الفاضل، ولجّ به اللّجّ، حيث خيّل إليه الساحل. فهو راتع من هذه الغلطة في الورطة، ونازل من الدائرة في مركز النّقطة، حوالينا هذه النادرة حوالينا، (والحجّة لنا) لا علينا.
ذلّت نفسه المسكينة، وجرت الريح بما لا تشتهي السّفينة. [والله تعالى أعلم].
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع