تجاوز إلى المحتوى

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر» لعلي بن الحسن الباخرزي (ت ٤٦٧هـ)

أبو الحسن علي بن الحرث البياري

]

عنده مفصّل الفضل ومجموعه، ومرأى الأدب ومسموعه، ومعدن العلم وينبوعه، «والّذي تشدّ إليه الرّحال، وتزمّ نحوه الجمال»، ويقصد مجلسه القصّاد، وتنثال على مناهله الورّاد.

حدّثني تلميذه أبو العبّاس محمد بن عليّ البادغوسيّ. قال: كتب إليه الوزير الحسن المصعبيّ، مهيبا به إلى جنابه، ليجني من الأدب «ألذّ» الجنى به، فترفّع عن إجابته إذ لم يكن قصد مثل ذلك الباب من بابته، وصدّر جواب كتاب المصعبيّ بهذه الأبيات:

قد تدبّرت ما أشرت إليهوهو الخير لا غبار عليه
للشاعر أبو الحسن البياري، اقرأ القصيدة
غير أنّ المشيب من برد الموت وخيط الرّقاب في كفّيه
للشاعر أبو الحسن البياري، اقرأ القصيدة
فلماذا أريد ما لم أردهفي شبابي ولم أحنّ إليه؟
للشاعر أبو الحسن البياري، اقرأ القصيدة

(وأنشدني أيضا له قال: أنشدنيه لنفسه:)

ماذا أقول لربّي حين يسألني:فيم اتّبعت حراما بعد سبعين
للشاعر أبو الحسن البياري، اقرأ القصيدة
لا همّ إن طمعت نفسي فلا طعمتفيما ابتغت غير زقّوم وغسلين
للشاعر أبو الحسن البياري، اقرأ القصيدة

أبو المظفّر محمّد بن آدم بن الكمال الهرويّ

اختصر النّسب إلى آدم، وإن كان العهد بينهما قد تقادم /

والكمال الهرويّ أبوه، فهو ابن الكمال وأخوه. ولئن كان نفسه في الشعر قصيرا، فقد كان طويل الباع في الأدب، «وبه بصيرا».

وللمتكلّمين في مذهب العدل إماما، وعلى علم التّوحيد زماما. أنشدني «له» الأديب أبو القاسم مهديّ بن أحمد الخوافيّ، قال: أنشدني لنفسه، ولم أسمع له شعرا سواه:

صباح الشّيث أسفر في عذاريفسافرت العذارى عن جواري
أقمن على السّواد وهنّ بيضورحن من البياض على نفار
للشاعر ابن الكمال الهروي، اقرأ القصيدة
كذ الأقمار تؤنسها اللّياليوتبهرها تباشير النّهار
للشاعر ابن الكمال الهروي، اقرأ القصيدة
وأغرب ما ترينيه اللّياليغراب في قميص الباز طاري
للشاعر ابن الكمال الهروي، اقرأ القصيدة

الأديب أبو القاسم مهديّ بن أحمد الخوافيّ

لو قلت: إنّي لم أر مثله في عصرنا هذا معرفة بأصول الآداب،

وغوصا في بحار المعاني الطامية العباب، وصحبة لأئمّة الصّناعة الذين هم أسنمة الفضل وكواهله وعندهم (شفاء علل الآذان وفيهم مناهله، مثل) محمد بن أبي يوسف الاسفزاريّ، والحاج «صلاح» النّبيّ، وشريح السّجزيّ، وغيرهم ممّن لا أذكره لما نسبت الى التّزيّد والاشتطاط، ولا (وصفت الا بالتّوثّق) والاحتياط. وقد صحبته مقتطفا من نوّاره، ومخترفا من ثماره، ومغترفا من بحاره. راتعا في رياض مجموعاته، كارعا في حياض مسموعاته. وكلّما ازددت منه قربا ازداد سمعي من فوائده «قرطا». وله نثر حسن تدلّك عليه خطبه الّتي صدّر بها كتبه، أمّا النظم فقلّما يعتاده، ولو أراد لكان ميسّرا على لسان إيراده.

فممّا تعلّل به من اشتعال الرأس، ووهن العظم، وكلال الخاطر عن تعاطي النثر والنظم، قوله الّذي أنشدنيه لنفسه:

أبا قاسم خلّفت عمرك كلّهفلا تك مغترّا بما ترجف المنى

/

فانّ امرأ ناجى الثّمانين عمرهبعيد نجاة النّفّس من مخلب الفنا
للشاعر أبو القاسم الخوافي، اقرأ القصيدة
فوطّن على التّرحال نفسك ثانياولا ترج إلّا مرقد اللّحد موطنا
للشاعر أبو القاسم الخوافي، اقرأ القصيدة

وقوله أيضا:

يقولون: قد أنفقت عمرك كلّهعلى أدب لم تحظ منه بطائل
للشاعر أبو القاسم الخوافي، اقرأ القصيدة
فقلت لهم: إذ كان أنسي وزينتيوكان إلى الصّيد الكرام وسائلي
وميّزني عن زمرة الجهل علمهفلست أبالي بالحطام المزايل
للشاعر أبو القاسم الخوافي، اقرأ القصيدة

أبو الفضل النّوشجانيّ

هو من علية الأدناء، والعارفين بلسان العرب العرباء، وإن كان في الشّعر من المقلّين، فهو في اللّغة من المستقلّين. وإقلال مع استقلال، خير من إكثار مع إهجار. حدثني الأديب أبو القاسم مهديّ بن أحمد الخوافيّ قال: حدّثنا شيخنا محمد بن «أبي» يوسف الأسفزاريّ قال:

حملني أبي إلى دار الشيخ أبي عبيد الهرويّ، وحطّ رحلي عنده، فأضاف جماعة من الفضلاء، وكان يسقيهم ويراضعهم لبان الكاس.

فسأل أبا الفضل النّوشجانيّ قال: وبلغني أنّك كنت تخدم بعض الأماثل، فهل حظيت منه بطائل؟ فقال: لا، ولكنّي هجوته ببيتين صغتهما فيه، وهما:

إذا ما لم يكن جدواي منكمسوى مرق وذا أيضا بمنّه
فلست ببائع أدبي بحشويرؤوسكم كما كانت) أجنّه
للشاعر أبو الفضل النوشجاني، اقرأ القصيدة

قلت: المصراع الأخير من الظّرف في أقصى النّهاية، وهو مع ذلك من باب الكفاية في الكناية.

أبو الفتح بن الأشرس

حدّثني القاضي أبو جعفر «محمد» بن اسحاق البحّاثيّ قال: حدّثني

الحاكم أبو سعد بن دوست، عن أبي الفتح هذا أنّه كان من ناحية الرّخّ، وكان يؤدّب بنيسابور، ويختلف إلى أبي بكر الخوارزميّ. فلمّا نزف ما عنده ارتحل إلى مدينة السّلام. قال: فرأيت كتابا بخطّ يده، وقد كتب به إلى/ بعض أصدقائه، وذكر في أثنائه أن ليس اليوم بخراسان من يقوم بكتاب «اختيار الفصيح» لثعلب، وألفاظ الكتبة لعبد الرّحمن بن عيسى.

قال الحاكم أبو سعد: وكان الخوارزميّ يومئذ حيا يرزق، والألسنة بفضله تطلق. وهذان الكتابان من زغب فراخ الكتب. وأنكر معرفة أهل خراسان بهما. فما ظنّك بالقشاعم اللّقمانيّة من أمّهاتها؟

وأنشدني القاضي أبو جعفر قال: أنشدني الحاكم أبو سعد قال: أنشدني «أبو الفتح» بن الأشرس لنفسه في أبي الحسين الأهوازيّ يهجوه:

يا عجبا لشيخنا الأهوازييزهى علينا وهو في هوّاز
للشاعر أبو الفتح ابن الأشرس، اقرأ القصيدة

قال القاضي: وأنشدني الحاكم أيضا قال: أنشدني ابن الأشرس لنفسه:

كأنّما الأغصان لمّا علافروعها قطر النّدى ثرا
للشاعر أبو الفتح ابن الأشرس، اقرأ القصيدة
ولاحت الشّمس عليها ضحىزبرجد قد أثمر الدرا
للشاعر أبو الفتح ابن الأشرس، اقرأ القصيدة

نقد الحاكم أبو سعد على بيتيه فقال:

«قد أثمر الدّرّا»

، لا يستقيم في النحو. لأنّه لا يقال: أثمرت النخلة الثّمر، وانّما يقال:

أثمرت ثمرا بغير الألف واللام. وبمعنى أثمرت بالثّمر. فقال القاضي:

وسمعت الحاكم أبا سعد بن دوست يقول: كتب أبو الفتح بن الأشرس من بغداد إلى أبي نصر الحدّاد بنيسابور:

ربّ غلام صار فيبغداد إحدى الفتن
للشاعر أبو الفتح ابن الأشرس، اقرأ القصيدة
رقّعت خرق ظهرهبرقعة من بدني
للشاعر أبو الفتح ابن الأشرس، اقرأ القصيدة

قال القاضي الحاكم: وفي هذين البيتين أيضا خلل لأنّه «لا» يمكن أن يفسّر على وجه قبيح لأنّ لحيته من بدنه. قال القاضي: فقلت له:

وهذا التفسير أشبه، لأنّ اللّحية أشبه بالرّقعة من الفعل، قال: نعم، لأنّ اللحية ترقّع، وذاك يمزّق.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دمية القصر وعصرة أهل العصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.