من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الرسالة الثانية عشرة كتاب الحجاب
الصفحة ١ من ٢
﷽
أطال الله بقاءك، وجعلني من كل سوء فداءك، وأسعدك بطاعته وتولاّك بكرامته، ووالى إليك مزيده.
إنه يقال - أكرمك الله - " إن السَّعيد من وُعظ بغيره، وأن الحكيم من أحكمتْه تجاربه ". وقد قيل: " كفاك أدباً لنفسك ما كرهت من غيرك " وقيل: " كفاك من سوءٍ سماعه "، وقيل: " إنَّ يقظة الفهم للواعظ ممَّا يدعو النَّفس إلى الحذر من الخطاء، والعقل إلى تصفيته من القذى ".
وكانت الملوك إذا أتت ما يجلُّ عن المعاتبة عليه ضُربت لها الأمثال، وعُرِّض لها بالحديث. وقال الشاعر:
العبد يُقرع بالعصاوالحُرُّ تكفيه الملامةْ
وقال آخر: ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
وقال عبد المسيح المتلمِّسُ:
لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصاوما عُلِّم الإنسان إلاَّ ليعلما
وقال بعضهم: " في خفيِّ التعريض ما أغنى عن شنيع التَّصريح ".
وقد جمعت في كتابي هذا ما جاء في الحجاب من خبرٍ وشعرٍ، ومعاتبة وعُذر، وتصريح وتعريض، وفيه ما كفى. وبالله التوفيق.
وقد قلت:
كفى أدباً لنفسك ما تراهلغيرك شائناً بين الأنام
ما جاء في الحجاب والنَّهي عنه
روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ثلاثٌ من كُنَّ فيه من الولاء اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد ".
وروي عنه ﵇ أنّه وجّه عليّ بن أبي طالب ﵁ إلى بعض الوجوه، فقال له فيما أوصاه به: " إنِّي قد بعثتك وأنا بك ضنين فابرزْ للناس، وقدِّم الوضيع على الشَّريف، والضَّعيف على القويّ، والنّساء قبل الرجال، ولا تُدخلنَّ أحداً يغلبك على أمرك، وشاور القرآن فإنّه إمامك ".
وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا استعمل عاملاً شرط عليه أربعا: لا يركب برذوناً، ولا يتّخذ حاجباً، ولا يلبس كَتَّاناً، ولا يأكل درْمكاً.
ويوصي عمّاله فيقول: إيّاكم والحجاب، وأظهروا أمْركم بالبراز، وخذوا الذي لكم وأعطُوا الذي عليكم، فإنَّ امرأً ظلم حقَّه مضطرٌّ حتى يَغْدُو به مع الغادين.
وكتب عمر رضوان الله عليه إلى معاوية وهو عامله على الشام: " أما بعد فإنّي لم آلُكَ في كتابي إليك ونفسي خيْراً. إيّاك والاحتجاب دون الناس، وأْذن للضعيف وأدنه حتى ينبسط لسانه، ويجترئ قلبه، وتعهَّد الغريب فإنَّه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقَّه، وضعف قلبه، وإنما أتْوى حقَّه منْ حبسه. واحرص على الصُّلح بين الناس ما لم يستبنْ لك القضاء. وإذا حضرك الخصمان بالبيِّنة العادلة والأيمان القاطعة فأمض الحكم. والسلام ".
وكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: " آسِ بين الناس في نظرك وحجابك وإذنك، حتى لا يطمع شريفٌ
في حيْفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. وأعلم أن أسعد الناس عند الله تعالى يوم القيامة من سعد به الناس، وأشقاهم من شقوا به ".
وروى الهيثم بن عديٍّ عن ابن عباس قال: قال لي عبيد الله بن أبي المخارق القينيّ: استعملني الحجاج على الفلُّوجة العليا، فقلت: أما ها هنا دهقانٌ يعاش بعقله ورأيه؟ فقيل لي: بلى، ها هنا جميل بن بَصْبَهَرَّي. فقلت: عليَّ به. فأتاني فقلت: إن الحجّاج استعملني على غير قرابة ولا دالَّة ولا وسيلة، فأشرْ عليَّ. قال: لا يكون لك بوابٌ حتى إذا تذكّر الرجل من أهل عملك بابك لم يخف حجّابك، وإذا حضرك شريفٌ لم يتأخر عن لقائك ولم يحكم على شرفك حاجبك. وليطل جلوسك لأهل عملك يهبك عمَّالك، ويبقى مكانك. ولا يختلف لك حكم على شريف ولا وضيع، ليكن حكمك واحداً على الجميع، يثق الناس بعقلك. ولا تقبل من أحدٍ هديّةً فإنَّ صاحبها لا يرضى بأضعافها مع ما فيها من الشُّهرة.
من عهد إلى حاجبه
قال موسى الهادي لحاجبه: لا تحجُب الناس عنّي؛ فإنّ ذلك يزيل التزكية، ولا تُلقِ إليّ أمراً إذا كشفته وجدته باطلاً، فإنَّ ذلك يُوتغ المملكة.
وقال بعض الخلفاء لحاجبه: إذا جلستُ فإْذنْ للناس جميعاً عليّ، وأبرز لهم وجهي، وسكِّن عنهم الأحراس، واخفض لهم الجناح، وأطبْ لهم بشرك، وألن لهم في المسألة والمنطق، وارفعْ لهم الحوائج، وسوِّ بينهم في المراتب، وقدِّمهم على الكفاية والغناء، لا على الميل والهوى.
وقال آخر لحاجبه: إنَّك عيني التي أنظرُ بها، وجُنَّةٌ أستنيم إليها، وقد ولَّيتك بابي فما تُراك صانعاً برعيّتي؟ قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك في إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتِّبهم حيث وضعهم ترتيبك، وأُحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك.
قال: قد وفيت بما عليك ولك قولاً، إن وفيت به فعلاً. والله وليُّ كفايتك ومعونتك.
وعهد أميرٌ إلى حاجبه فقال: إنَّ أداء الأمانة في الأعراض أوجب منها في الأموال؛ وذلك أنَّ الأموال وقايةٌ للأعراض، وليست الأعراض بوقاية للأموال. وقد ائتمنتك على أعراض الغاشين لبابي، وإنما أعراضهم أقدارهم، فصُنْها لهم، ووفِّرها عليهم. وصُنْ بذلك عرضي، فلعمري إنَّ صيانتك أعراضهم صيانةٌ لعرضي، ووقايتك أقدارهم وقايةٌ لقدري؛ إذ كنت الحظيَّ بزين إنصافهم إن أُنصفوا، والمبتلى بشين ظلمهم إن ظُلموا في غشيانهم بابي، وحضورهم فنائي.
أوف كلّ امرئٍ قدره، ولا تُجاوزْ به حدَّه، وتوقَّ الجور في ذلك التوقّيَ كلَّه. أقبلْ على من تحجب بإبداء البشر وحلاوة العُذر، وطلاقة الوجه ولين القول، وإظهار الودّ، حتّى يكون رضاه عنك لما يرى من بشاشتك به وطلاقتك له، كرضا من تأذن له عنك لما يُمنحه من التكريم، ويحويه من التعظيم؛ فإنّ المنع عند الممنوع في لين المقالة يكاد يكون كالنَّيل عند العظماء في نفع المنالة.
أنْهِ إليَّ حالات كلِّ من يغشى بابي من وجيهٍ وخامل، وذي هيئة وأخي رثاثة، فيما يحضُرون له بابي، ويتعلّقون به من إتياني.
لا تحتقرنَّ من تقتحمه العيون لرثاثة ثوبٍ أو لدمامة وجه، احتقاراً يخفي عليّ أثره، فربَّما بذَّ مثله بمخبره من يروق العيون منظره.
إنك إن نقصت الكريم ما يستحقُّه من مال لم يغضب بعد أن تستوهبه منه، وإن نقصته من قدره أسخطته أشدَّ الإسخاط، إذ كان يريد دنياه ليصون بها قدره، ولا يريد قدره ليبقي به دنياه. فكن لتحيُّف عرضه أشدَّ توقِّياً منك لتحيُّف ماله.
إن المحجوب وإنْ كان عدْلُنا في حجابه كعدلنا على المأذون له في إذنه، يتداخله انكسارٌ إذا حُجب ورأى غيره قد أُذن له. فاختصَّه لذلك من بشاشتك به، وطلاقتك له، بما يتحلَّل به عنه انكساره. فلعمري لو عرف أنّ صوابنا في حجابه كصوابنا في الإذن لمن نأذن له، ما احتجنا إلى ما أوصيناك به من اختصاصه بالبشر دون المأذون له.
إن اجتمع الأعلون والأوسطون والأدنون، فدعوت بواحدٍ منهم دون من يعلوه في القدر، لأمرٍ لابد من الدعاء به له، فأظهر العُذر في ذلك لئلا تخبث نفس من علاه؛ فإنّ الناس يتغالب لمثل ذلك عليهم سوء الظُّنون. والواجب على من ساسهم التوقِّي على نفسه من سوء ظنونهم، وعليهم تقويم نفوسهم؛ إذْ هو كالرأس يألم لألم الأعضاء، وهم كالأعضاء يألمون لألم الرأس.
المدائني قال: قال زياد بن أبيه لحاجبه:
يا عجلان: قد ولّيتك بابي، وعزلتك عن أربعة: طارق ليلٍ؛ فشرٌّ ما جاء به أو خيْر. ورسول صاحب الثَّغر؛ فإنّه إن تأخّر ساعةً بطل به عمل سنة. وهذا المنادي بالصلاة. وصاحب الطَّعام؛ فإنّ الطعام إذا تُرك برد، وإذا أعيد عليه التسخين فسد.
الهيثم بن عديٍّ قال: قال خالد بن عبد الله القسريّ لحاجبه: لا تحجبنَّ عنّي أحداً إذا أخذت مجلسي؛ فإن الوالي لا يحتجب إلا عن ثلاث: إمّا رجلٌ عييٌّ يكره أن يُطَّلع على عيّه، وإمّا رجلٌ مشتمل على سوءة، أو رجلٌ بخيل يكره أن يدخل عليه إنسانٌ يسأله شيئاً.
أنشدني محمودٌ الورّاق لنفسه في هذا المعنى:
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابهوردَّ ذوي الحاجات دون حجابه
ظننت به إحدى ثلاثٍ، وربّمانزعت بظنٍّ واقع بصوابه
فقلت: به مسٌّ من العيّ ظاهرففي إذْنه للناس إظهار ما به
فإن لم يكن عيّ اللسان فغالبٌمن البُخل يحمي ماله عن طلابه
فإن لم يكن هذا ولاذا فريبةٌيصرّ عليها عند إغلاق بابه
وأنشدني بعض المحدثين في ابن المدبِّر:
لولا مقارفة الرِّيبْما كنت ممّن يحتجبْ
أوْلا فعيٌّ منك أوبخلٌ على أهل الطَّلَبْ
فاكشف لنا وجه الحجاب ولا تُبالي من عتبْ
من ينبغي أن يُتّخذ للحجابة
قال المصور للمهديّ: لا ينبغي أن يكون الحاجب جهولاً، ولا غبيّاً، ولاعييّاً، ولا ذهولاً ولا متشاغلاً، ولا خاملاً ولا محتقراً، ولا جهماً ولا عبوساً. فإنّه إن كان جهولاً أدخل على صاحبه الضَّرر من حيث يقدِّر المنفعة، وإن كان عييّاً لم يؤدِّ إلى صاحبه ولم يؤدِّ عنه، وإن كان غبيّاً جهل مكان الشريف فأحلَّه غير منزلته، وحطَّه عن مرتبته، وقدَّم الوضيع عليه،
وجهل ما عليه وماله. وإن كان ذهولاً متشاغلاً أخلَّ بما يحتاج إليه صاحبه في وقته، وأضاع حقوق الغاشين لبابه، واستدعى الذَّمَّ من الناس له، وأذن عليه لمن لا يحتاج إلى لقائه ولا ينتفع بمكانه. وإذا كان خاملاً محتقراً أحلَّ الناس صاحبه في محلِّه وقضوْا عليه به. وإذا كان جهماً عبوساً تلَّقى كل طبقةٍ من الناس بالمكروه، فترك أهل النصائح نصائحهم، وأخلَّ بذوي الحاجات في حوائجهم، وقلَّت الغاشية لباب صاحبه، فراراً من لقائه.
الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشَّعبيّ، أن عبد الملك بن مروان قال لأخيه عبد العزيز بن مروان، حين ولاَّه مصر: إن الناس قد أكثروا عليك، ولعلك لا تحفظ. فاحفظْ عنّي ثلاثا.
قال: قل يا أمير المؤمنين.
قال: انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعلْه إلا عاقلاً فهماً مُفْهماً، صدوقاً لا يورد عليك كذباً، يُحسن الأداء إليك والأداء عنك. ومُرْه ألاَّ يقف ببابك أحدٌ من الأحرار إلاّ أخبرك، حتّى تكون أنت الآذن له أو المانع؛ فإنه إن لم يفعل كان هو الأمير وأنت الحاجب. وإذا خرجت إلى أصحابك فسلِّم عليهم يأنسوا بك. وإذا هممت بعقوبةٍ فتأنَّ فيها؛ فإنّك على استدراكها قبل فوتها أقدر منك على انتزاعها بعد فوتها.
وقال سهل بن هارون للفَضْل بن سَهْل: إنّ الحاجب أحد وجهي الملك، يُعتبر عليه برأفته، ويلحقه ما كان في غلظته وفظاظته. فاتخذْ حاجبك سهل الطبيعة، معروفاً بالرأفة، مألوفاً منه
البرُّ والرَّحمة. وليكن جميل الهيئة حسن البسطة، ذا قصدٍ في نيَّته لهم في تفاضُل منازلهم، وليُعط كلاًّ بقسطه من وجهه، ويستعطف قلوب الجميع إليه، حتّى لا يغشى الباب أحدٌ وهو يخاف أن يقصَّر به عن مرتبته، ولا أن يُمنع في مدخل أو مجلسٍ أو موضع إذنٍ شيئاً يستحقُّه، ولا أن يمْنع أحداً مرتبته. وليضع كلاًّ عندك على منزلته. وتعهَّدْه فإن قصَّر مقصِّر قام بحسن خلافته وتزيين أمره.
وقال كسرى أنوشروان في كتابه المسمى " شاهيني ": ينبغي أن يكون صاحب إذن الخاصّة رجلاً شريف البيت، بعيد الهمّة، بارع الكرم، متواضعاً طلقاً، معتدل الجسم بهيَّ المنظر، ليِّن الجانب، ليس ببذخ ولا بطرٍ ولا مرح، ليِّن الكلام، طالباً للذِّكر الحسن، مشتاقاً إلى محادثة العلماء ومجالسة الصُّلحاء، محبّاً لكلِّ مازيَّن عمله، معانداً للسُّعاة، مجانباً للكذَّابين، صدوقاً إذا حدَّث، وفيَّاً إذا وعد، متفهماً إذا خوطب، مجيباً بالصواب إذا روجع، منصفاً إذا عامل، آنساً وؤنساً، محبَّاً للأخيار، شديد الحنوّ على المملكة، أديباً له لطافةٌ في الخدمة، وذكاءٌ في الفهم، وبسطةٌ في المنطق، ورفقٌ في المحاورة، وعلمٌ بأقدار الرجال وأخطارها.
وقال في حاجب العامة: ينبغي أن يكون حاجب العامة رجلاً عبد الطاعة، دائم الحراسة للملك، مخوف اليد، خشن الكلام مروّعا، غير باطشٍ إلا بالحقّ، لا أنيساً ولا مأنوساً، دائم العبوس، شديداً على المريب، غير مستخفٍّ بخاصّة الملك ومن يهوى ويقرِّب، من بطانته.
محلُّ الحاجب وموضعه ممن يحجبه
قال عبد الملك لأخيه عبد العزيز حين وجَّهه إلى مصر: اعرف حاجبك، وجليسك، وكاتبك. فإنَّ الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسِّم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك.
وقال يزيد بن المهلب لابنه مخلد حين ولاه جرجان: استظرف كاتبك، واستعقل حاجبك.
وقال الحجّاج: حاجب الرجل وجهه، وكاتبه كلُّه.
وقال ابن أبي زرعة: قال رجلٌ من أهل الشام، لأبي الخطاب الحسن بن محمد الطائي يعاتبه في حجابه:
هذا أبو الخطاب بدرٌ طالعٌمن دون مطلعه حجابٌ مظلم
ويقال وجه المرء حاجبه كمابلسان كاتبه الفتى يتكلم
أدنيت من قبل اللقاء، وبعدهأقصيت، هل يرضى بذا من يفهم
وإذا رأيت من الكريم فظاظةًفإليه من أخلاقه أتظلم
وقال الفضل بن يحيى: إنَّ حاجب الرجل عامله على عرضه، وإنه لا عوض لحرٍ من نفسه، ولا قيمة عنده لحريته وقدره.
وأنشدني ابن أبي كامل في هذا المعنى:
واعلمن إن كنت تجهلهأنّ عرض المرء حاجبه
فبه تبدو محاسنهوبه تبدو معايبه
من عوتب على حجابه أو هجيَ به
إسحاق الموصليّ عن ابن كناسة قال: خبِّرت أنّ هانئ بن قبيصة وفد على يزيد بن معاوية، فاحتجب عنه أياماً، ثم إن يزيد ركب يوماً يتصيد فتلقاه هانئ فقال: يا يزيد، إن الخليفة ليس بالمحتجب المتخلِّي، ولا المتطرِّف المتنحِّي، ولا الذي ينزل على الغدران والفلوت، ويخلو للذات والشهوات. وقد وليت أمرنا فأقم بين أظهرنا، وسهّل إذننا، واعمل بكتاب الله فينا. فإن كنت قد عجزت عمّا هنا
فاردد علينا بيعتنا نبايع من يعمل بذلك فينا، ويقيمه لنا. ثم عليك بخلواتك وصيدك وكلابك.
قال: فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسنَّ بالشام سنّة العراق لأقمت أودك.
ثم انصرف وما هاجه بشيء، وأذن له، ولم تتغير منزلته عنده، وترك كثيراً مما كان عليه.
الموصليّ قال: كان سعيد بن سلم والياً على أرمينية، فورد عليه أبو دهمان الغلابي، فلم يصل إليه إلا بعد حين، فلما وصل قال - وقد مثل بين السماطين -: والله إني لأعرف أقواماً لو علموا أنَّ سفَّ التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكةً لأرماقهم، إيثاراً للتنزه عن العيش الرقيق الحواشي. والله
إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفني عنك، ولأن أكون مملقاً مقرباً أحبُّ إليّ من أن أكون مكثراً مبعدا. والله ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالاً إلا ونحن أكثر منه، وإنَّ الذي صار في يدك قد كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيراً فخيرا، وإن شراً فشرا. فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الحجاب؛ فإن حبّ عباد الله موصولٌ بحبّ الله، وهم شهداء الله على خلقه، وأمناؤه على من اعوجَّ عن سبيله.
إسحاق بن ابراهيم الموصلي قال: استبطأني جعفر بن يحيى، وشكا ذلك إلى أبي، فدخلت عليه - وكان شديد الحجاب - فاعتذرت إليه وأعلمته أني أتيته مراراً للسلام فحجبني نافذٌ غلامه.
فقال لي وهو مازحٌ: متى حجبك فنكه. فأتيته بعد ذلك للسلام فحجبني، فكتبت إليه رقعةً فيها:
جعلت فداءك من كلّ سوءإلى حسن رأيك أشكو أناسا
يحولون بيني وبين السلامفما إن أسلم إلا اختلاسا
وأنفذت رأيك في نافذٍفما زاده ذاك إلا شماسا
وسألت نافذاً أن يوصلها ففعل، فلما قرأها ضحك حتى فحص برجليه وقال: لا تحجبه أيَّ وقتٍ جاء. فصرت لا أُحجب.
وحجب أحمد بن أبي طاهر بباب بعض الكتاب فكتب إليه: ليس لحرٍ من نفسه عوض، ولا من قدره خطر، ولا لبذل حريته ثمن. وكلُّ ممنوع فمستغنىً عنه بغيره، وكلُّ مانعٍ ما عنده ففي الأرض عوضٌ منه، ومندوحةٌ عنه. وقد قيل: أرخص ما يكون الشيء عنده غلائه. وقال بشار: " والدرُّ يُترك من غلائه ".
ونحن نعوذ بالله من المطامع الدنيّة، والهمّة القصيرة، ومن ابتذال الحرية، ولا استرقّها طمع، ولا طبعت على طبع. وقد رأيتك ولّيت عرضك
من لا يصونه، ووكلت ببابك من يشينه، وجعلت ترجمان كرمك من يكثر من أعدائك، وينقص من أوليائك، ويسيء العبارة عن معروفك، ويوجه وفود الذمّ إليك، ويضغن قلوب إخوانك عليه؛ إذ كان لا يعرف لشريفٍ قدرا، ولا لصديقٍ منزلة، ويزيل المراتب عن جهاتها ودرجاتها، فيحُطُّ العليّ إلى مرتبة الوضيع، ويرفع الدنيَّ إلى مرتبة الرفيع، ويقبل الرُّشى، ويقدِّّم على الهوى. وذلك إليك منسوبٌ، وبرأسك معصوب، يلزمك ذنبه، ويحلُّ عليك تقصيره.
وقد أنشدني أبو عليٍّ البصير:
كم من فتىً تحمد أخلاقهوتسكن الأحرار في ذمته
قد كثَّر الحاجب أعداءهوأحقد الناس على نعمته
وأنشدت لبعضهم:
يدلّّ على سروِ الفتى واحتمالهإذا كان سهلاً دونه إذن حاجبه
وقد قيل ما البوَّاب إلا كربِّهإذا كان سهلاً كان سهلاً كصاحبه
وقال الطائي:
حشم الصَّديق عيونهم بحاثةٌلصديقه عن صدقه ونفاقه
فليُنظرنَّ المرء من غلمانهفهم خلائفه على أخلاقه
وقال آخر:
اعرف مكانك من أخيك ومن صديقك بالحشمْ
وقال ابن أبي عُيينة:
إنَّ وجه الغلام يخبر عمّافي ضمير المولى من الكتمان
فإذا ما جهلت ودَّ صديقٍفامتحنْ ما أردت بالغلمان
وقال آخر:
ومحنة الزائرين بيِّنةتُعرف قبل اللقاء بالحشم
وأنشدني عبد الله بن أحمد المهْزميّ في عليّ بن الجهم:
أعليَّ دونك يا عليُّ حجابيُدني لبعيد وتحجب الأصحاب
هذا بإذنك أمْ برأيك أم رأىهذا عليك العبد والبَّوابُ
إنَّ الشريف إذا أمور عبيدهغلبت عليه فأمره مرتابُ
وأخذه من قول الطائي:
أبا جعفرٍ وأصول الفتىتدلُّ عليه بأغصانه
أليس عجيباً بأنّ امرأًرجاك لحادث أزمانه
فتأمر أنت بإعطائهويأمر فتْحٌ بحرمانه
ولست أحبُّ الشريف الظريفيكون غلاماً لغلمانه
وحُجب ابن أبي طاهرٍ بباب بعض الكتاب، فكتب إليه: " إنه من لم يرفعه الإذن لم يضعه الحجاب، وأنا أرفعك عن هذه المنزلة، وأربأ يعدوِّك عن هذه الخليقة، وما أحد أقام في منزله - عظُم أو صغُر قدره - إلاّ ولو حاول حجاب الخليفة عنه لأمكنه. فتأمّلْ هذه الحال وانظرْ إليه بعين النَّصفة، ترها في أقبح صورة، وأدنا منزلة. وقد قلت:
إذا كنت تأتي المرء تُعْظم حقَّهويجهل منك الحقَّ فالهجر أوسع
ففي الناس أبدالٌ وفي العزِّ راحةٌوفي اليأس عمّن لا يواتيك مقنع
وإنّ امرأً يرضى الهوان لنفسهحريٌّ بجدع الأنف والجدع أشنع
فدع عنك أفعالاً يشينك فعلهاوسهِّل حجاباً إذنُه ليس ينفع
وحدّثني عبد الله بن أبي مروان الفارسي قال: ركبت مع ثمامة بن أشرس إلى أبي عبّادٍ الكاتب، في حوائج كتب إليَّّ فيها أهل إرمينيّة من المعتزلة والشيعة، فأتيناه فأعظم ثمامة وأقعده في صدر المجلس وجلس قُبالته، وعنده جماعةٌ من الوجوه، فتحدثْنا ساعة ثم كلَّمة ثمامة في حاجتي، وأخرجت كتب القوم فقرأها، وقد كانوا كتبوا إلى أبي عبّادٍ كتبا، وكانوا أصدقاءه أيّام كونه بإرمينية، فقال لي: بكِّر إليّ غداً حتّى أكتب جواباتها إنْ شاء الله. فقلت: جعلني الله فداك، تأمر الحاجب إذا جئت أن يأذن لي. فغضب من قولي واستشاط وقال: متى حُجبت أنا، أولى حاجبٌ، أو لأحد عليَّ حجاب!.
قال عبد الله: وقد كنت أتيته فحجبني بعض غلمانه، فحلف بالأيمان المغلَّظة أن يقلع عينا من حجبني، ثم قال: يا غلام، لا يبق في الدار غلامٌ ولا منقطعٌ إلينا إلاَّ أحضرتمونيه! قال: فأتى بغلمانه وهم نحوٌ من ثلثمائة، فقال: أشرْ إلى من شئت فيهم. فغمزني ثمامة فقلت: جُعلت فداك لا أعرفُ الغلام بعينه. فقال: ما كان لي حاجبٌ قطٌّ، ولا احتجبت، وذلك لأنَّه سبق منّي قول، لأنّي كنت وأنا بالريّ وقد مات أبي وخلَّف لي بها ضياعاً فاحتجت إلى ملاقاة الرجال والسُّلطان فيما كان لنا، فكنت أنظر إلى الناس يدخلون ويصلون وأُحجب أنا وأُقصى، فتتقاصر إليّ نفسي،
ويضيق صدري، فآليت على نفسي إن صرت إلى أمرٍ من السُّلطان ألاَّ أحتجب أبداً.
وحدثني الزُّبير بن بكّار قال: استأذن نافع بن جُبير بن مُطعم على معاوية، فمنعه الحاجب فدقَّ أنفه، فغضب معاوية وكان جُبيرٌ عنده، فقال معاوية: يا نافع، أتفعل هذا بحاجبي؟ قال: وما يمنعنيمنه وقد أساء أدبه وأسأت اختياره؟! ثم أنا بالمكان الذي أنا به منك. فقال جُبير: فضَّ الله فاك، ألاَّ تقول: وأنا بالمكان الذي أنا به من عبد مناف؟! قال: فتبسَّم معاوية وأعرض عنه.
قال: وفد رجلٌ من الأكاسرة على بعض ملوكهم، فأقام ببابه حولاً لا يصل إليه، فكلَّم الحاجب فأوصل له رقعةً فيها أربعة أسطر:
السطر الأول فيه: الأمل والضرورة أقدماني إليك.
وفي الثاني: ليس على العديم صبرٌ على المطالبة.
وفي الثالث: الرجوع بلا فائدةٍ شماتة العدوِّ والقريب.
وفي الرابع: إمّا " نعمْ " مُثمرة، وإمّا " لا " مؤيسة، ولا معنى للحجاب بينهما.
فوقع تحت كل سطرٍ منها: " زِهْ ".
وأنشد الوليد بن عُبيد البحتريّ في ابن المدبِّر يهجو غلامه بشراً:
وكم جئت مشتاقاً على بُعد غايةٍإلى غير مشتاقٍ وكم ردَّني بشرُ
وما باله يأبى دخولي وقد رأىخروجي من أبوابه ويدي صفرُ
وأنشدت لبعضهم:
لعمري لئن حجبتني العبيدببابك ما يحجبوا القافية
سأرمي بها وراء الحجابجزاء قروضٍ لكم وافية
تُصمُّ السَّميع وتُعمي البصيرويُسأل من أجلها العافية
وأنشدني أحمد بن أبي فنن، في محمد بن حمدون بن إسماعيل:
ولقد رأيت بباب دارك جفوةًفيها لحسن صنيعةٍ تكدير
ما بال دارك حين تُدخل جنّةًوبباب دارك منكر ونكيرُ
وأنشدني أبو علي الدِّرهمي اليماميُّ في أبي الحسن علي بن يحيى:
لا يُشبه الرجل الكريم نجارهذا اللُّبِّ غير بشاشة الحجّاب
وبباب دارك من إذا حيَّيتهجعل التبرُّم والعبوس ثوابي
أوصيته بالإذن لي فكأنّماأوصيته متعمِّداً لحجابي
وأنشدني أبو علي البصير في أبي الحسن علي بن يحيى:
في كلِّ يوم لي ببابك وقفةٌأطوي إليها سائر الأبواب
فإذا حضرتُ وغبتُ عنك فإنّهذنبٌ عقوبته على البوّاب
وأنشدني أبو علي اليمامي، وعاتب بعض أهل العسكر في حاجبه، فلم يأذنْ له الحاجب بعد ذلك، فكتب إليه:
صار العتاب يزيدني بُعداويزيد من عاتبته صدّا
وإذا شكوت إليه حاجبهأغْراه ذاك فزادني ردّا
وأنشدني العجينيّ في بعض أهل العسكر، يعاتبه في حاجبه ويهجو حاجبه:
إنما يحسن المديح إذا ماأنشد المادح الفتى الممدوحا
وأراني بباب دارك عمِّرتُ طويلاً مُقصىً مُهاناً طريحا
إنّ بالباب حاجباً لك أمسىمُنْكرٌ عنده ظريفاً مليحا
ما سألناه عنك قطُّ وإلاّردّ من بُغضه مردّاً قبيحا
وأنشدت لبعضهم في هجاء حاجب:
سأترك باباً أنت تملك إذنهولو كنت أعمى عن جميع المسالكِ
فلو كنت بواب الجنان تركتهاوحوّلت رحْلي مسرعاً نحو مالكِ
وكتب بعض الكتّاب إلى الحسن بن وهبٍ، في بوّابه:
قد كنت أحسب أنّ طرفك ملَّنيورُميت منك بجفوةٍ وعذابِ
فإذا هواك على الذي قد كان ليوإذا بليّتنا من البوّاب
فاعلم جعلت فداك غير معلَّمٍأنّ الأديب مؤدَّب الحجاب
وقال رزينٌ العروضيّ لجعفر بن محمد بن الأشعث:
إن كنت تحجبني للذئب مزدهياًفقد لعمري أبوكم كلَّم الذيبا
فكيف لو كلَّم الليث الهصُور إذاًتركتم الناس مأكولاً ومشروبا
هذا السُّنيديُّ ما ساوى إتاوتهيكلِّم الفيل تصعيداً وتصويبا
اذهب إليك فما آسي عليك وماألقي ببابك طلاَّباً ومطلوبا
المدائني قال: كان يزيد بن عمر الأسِّيديّ على شرطة البصرة، فأتاه الفرزدق في جماعةٍ فوقف ببابه، فأبطأ عليه إذنه، فقال - وكان ابن عُمر يلقَّب الوقاح -:
ألم يكُ من نكْس الزَّمان على استهوقوفي على باب الوقاح أسائله
فإن تك شُرْطيّاً فإني لغالبٍإذا نزلت أركان فخٍّ منازله
وقال أبو عليٍّ البصير، وحجبه محمد بن غسّان، بعد أُنسٍ كان بينهما:
قد أتينا للوعد صدر النَّهارفدُفِعْنا من دون باب الدار
وسمعنا، من غير قصدٍ لأن نسمع، صوت الغناء والأوتار
فأحْطنا بكل ما غاب من شأنك عنَّا خُبْراً بلا استخبار
فإذا أنت قد وصلت صبوحاًبغبوقٍ ودُلجةً بابتكار
وإذا نحن لا تخاطبنا الغلمان إلاّ بالجحْد والإنكار
فانصرفنا وطالما قد تلقَّونا بأُنسٍ منهم وباستبشار
ذاك إذ كان مرّةً لك فيناوطرٌ فانقضى من الأوطار
حين كُنَّا المقدِّمين على النس وكنّا الشَّعار دون الدِّثار
كم تأنيت وانتظرت فأفنيت تأنِّيَّ كُلَّه وانتظاري
فعليك السلام كُنّا من الأهل فصرنا كسائر الزُّوّار
وله إليه أيضاً:
قد أطلْنا بالباب أمس القعوداوجُفينا به جفاءً شديدا
وذممنا العبيد حتى إذا نحن بلونا الوْلى عذرنا العبيد
وعلى موعدٍ أتيناك معلومٍ وأمرٍ مُؤكَّد تأكيدا
فأقمنا لا الإذن جاء ولا جاء رسولٌ قال انصرفْ مطرودا
وصبرنا حتّى رأينا قُبيل الظُّهر برذون بعضهم مردودا
واستقرَّ المكان بالقوم والغلمان في ذاك يمنحونا صدودا
ويُشيرون بالمضيّ فلمّاأُحرجوا جرّدوا لنا تجريدا
فانصرفنا في ساعةٍ لو طرحت اللَّحم فيها نيّاً كُفيت الوقودا
فلعمري لو كنت تعتدّ لي ذنباً عظيما وكنت فظّاً حقودا
وطلبت المزيد لي في عذابٍفوق هذا لما وجدت مزيدا
كان ظنِّي بك الجميل فألفيتك من كلِّ ما ظننت بعيدا
فعليك السلام تسليم من لايضمن الدهر بعدها أن يعودا
وله في أحمد بن داود السِّيبي وقصد إليه بكتاب إسحاق بن سعدٍ الكاتب:
يا ابن سعدٍ إن العقوبة لا تلزم إلاَّ من ناله الإعذارُ
وابن داود مستخفٌّ وقد وافَتْه مشحوذةً عليه الشَّفارُ
فاهده للتي يكون له منها مفرٌّ ما دام يُنجي الفرارُ
سامني أحمد بن داود أمراًما على مثله لديَّ اصطبارُ
لي إليه في كلِّ يومٍ جديدٍروحةٌ ما أُغبُّها وابتكار
ووقوفٌ ببابه أُمنع الإذن عليه ويدخل الزُّوَّارُ
خُطَّةٌ من يُقم عليها من الناس ففيها ذُلٌّ له وصغارُ
لو ينال الغنى لما كان في ذلك حظٌّ يناله مختارُ
عزب الرأي فيّ عته وعزَّتْهـ أناةٌ طويلةٌ وانتظار
وحجب بباب بعض الكُتَّاب فكتب إليه:
أقمت ببابك في جفوةٍيُلوِّن لي قوله الحاجب
فيطمعني تارةً في الوصولوربَّتما قال لي: راكب
فأعلم عند اختلاف الكلاموتخليطه أنّه كاذب
وأعزم عزماً فيأبى عليَّ إمضاءه رأيي الثاقب
وأءنّي أراقب حتى يثوب للحرِّ من رأيه ثائب
فإن تعتذر تُلفني عاذراًصفوحاً وذاك هو الواجب
وإلا فإني إذا ما الحبال رثَّتْ قواها، لها قاضب
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع