من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الرسالة الثانية عشرة كتاب الحجاب
الصفحة ٢ من ٢
وقال لعليِّ بن يعقوب الكاتب وحجب ببابه:
قد أتيناك للسَّلام فصادفْنا على غير ما عهدنا الغلاما
وسألناه عنك فاعتلَّ بالنَّم وما كان مُنكراً أن تناما
غير أنّ الجواب كان جواباًسيئاً يُعقب الصَّديق احتشاما
فانصرفنا نوجِّه العُذر إلاّأنَّ في مضمر القلوب اضطراما
يا ابن يعقوب لا يلومنَّ إلانفسه بعد هذه من ألاما
وقال لعلي بن المنجِّم، وحجبه غلامه:
ليس يرضى الحُرُّ الكريم ولو أقطعته الأرض أن يذلَّ لعبد
فعليك السلام إلا على الطرق وحبِّي كما علمت وودِّي
وقال أبو هفّان لعلي بن يحيى، يعاتبه في حجابه:
أبا حسنٍ وفِّنا حقَّنابحقِّ مكارمك الوافية
أأُحجب دونك شرَّ الحجابويدخل دوني بنو العافية
أعوذ بفضلك من أن أُساءوأسأل ربيِّ لك العافية
فإني امرؤٌ تتَّقيني الملوكوتدخل في حلقي الضَّافية
كتبت على نفسِ من رامنيببعض الأذى للرَّدى صافية
وأُنشدت لبرقوق الأخطل وحُجب بباب بعض الكتّاب:
قد حُجبنا وكان خطباً جليلاًوقليل الجفاءِ ليس قليلا
لم أكن قبلها ثقيلا وهل يثقُل من خاف أن يكون ثقيلا
غير أني أظنُّ لازال ذاك الظَّنُّ ينقاد أن يكون ملولا
وأخذه من قول الآخر:
لمَّا تحاجبت وقد خفت أنتدنو من ودِّك بالمقبل
أقللت إتيانكم إنَّهمن خاف أن يُثقل لم يثقل
وأنشدني أبو عبد الرحمن العطويّ:
لأبي بكرٍ خليليحُسن رأيٍ في الحجابِ
يا أبا بكر سقاك الله من صوب السَّحاب
لن تراني بعدها منبعدها قارع باب
إن يَنُبْ خطْبٌ ففي الرُّسْل بلاغٌ والكتاب
ولخالدٍ الكاتب في جعفر بن محمود:
احتجب الكاتب في دهرناوكان لا يحتجب الكاتب
القوم يخلون لحجابهمفيُنكح المحجوب والحاجب
ولأبي سعْدٍ المخزومي في الحسن بن سهل:
ترهَّب بعدك الحسن بن سهلٍفأغلق بابه دون المديح
كذبتُ له ولم أكذبْ عليهكما كذب النَّصاري للمسيح
وأنشدني البلاذُريّ في بعض كتاب أهل العسكر:
أيحجُبني من ليس من دون عرسهحجابٌ ولا من دون وجْعائه سترُ
ومن لو أمات الله أهون خلقهعليه لأضحي قد تضمَّنه قبرُ
وأنشدني حبيب بن أوسٍ، في موسى بن إبراهيم، أبي المغيث:
أمُويس لا يُغني اعتذارك طالباًودَّي فما بعد الهجاء عتاب
هب من له شيءٌ يريد حجابهما بال لا شيء عليه حجاب
ما إن سمعت ولا أراني سامعاًيوماً بصخراءٍ عليها باب
من كان مفقود الحياء فوجههمن غير بوّابٍ له بوّاب
ولآخر:
بخل الأمير بإذنهفجلست في بيتي أميرا
وتركت إمرته لهوالله محمودٌ كثيراً
وأنشدني الزبير بن بكارٍ لبعض الشعراء:
سأترك هذا الباب مادام إذنهعلى ما أرى حتى يلين قليلا
إذا لم نجد للإذن عندك سلَّماوجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
الزبير بن بكارٍ قال: وقدَ ابن عمٍّ لداود بن يزيد المهلَّبيّ عليه فحجبه، وجعل يمطله بحاجته، فكتب إليه:
أبا سليمان وعداً غير مكذوباليأس أروح من آمال عرقوب
أرى حمامة مطلٍ غير طائرةحتى تنقَّب عن بعض الأعاجيب
لا تركبنَّ بشعرى غير مركبهفيركب الشعر ظهراً غير مركوب
لئن حجبت فلم تأذن عليك فماشعري إذا سار عن أذنٍ بحجوب
إن ضاق بابك عن إذن شددت غداًرحلي إلى المطريِّين المناجيب
قومٌ إذا سئلوا رقت وجوههملا يستقيدون إلا للمواهيب
ولأحوص بن محمد الأنصاريّ في أبي بكر بن حزم:
أعجبت أن ركب ابن حزمٍ بغلةفركوبه فوق المنابر أعجب
وعجبت أن جعل ابن حزمٍ حاجباًسبحان من جعل ابن حزمٍ بحجب
وأنشدت لابن حازمٍ يعاتب رجلاً في حجابه:
صحبتك إذ أنت لا تصحبوإذ أنت لا غيرك الموكب
وإذ أنت تفرح بالزائرينونفسك نفسك تستحجب
وإذ أنت تكثر ذمَّ الزمانومشيك أضعاف ما تركب
فقلت: كريمٌ له همّةٌتنال فأدرك ما أطلب
فنلت فأقصيتني عامداًكأني ذو عرّة أجرب
وأصبحت عنك إذا ما أتيت دون الورى كاّهم احجب
وأنشدني أبو تمَّامٍ الطائي:
ومحجّبٍ حاولته فوجدتهنجماً عن الركب العفاة شسوعا
لما عدمت نواله أعدمتهشكري فرحنا معدمين جميعاً
ووقف العتبيّ بباب إسماعيل بن جعفرٍ يطلب إذنه، فأعلمه الحاجب أنه في الحمّام، فقال:
وأميرٍ إذا أردنا طعاماًقال حجّابه أتى الحمّاما
فيكون الجواب مني للحاجب ما إن أردت إلا السلاما
لست آتيكم من الدهر إلاكلّ يومٍ نويت فبه الصيَّاما
إنني قد جعلت كلّ طعامٍكان حِلاً لكم عليّ حراما
وأنشدني إسحاق بن خلفٍ البصريّ له:
أيحجبني أبو الحسنوهذا ليس بالحسن
وليس حجابه إلاعن الزيتون والجبن
وأنشدني بعضهم:
لا تتَّخذ باباً ولا حاجباًعلسك من وجهك بوّاب
أنت ولو كنت بدوّيةٍعليك أبوابٌ وحجاب
ولعلي بن جبلة في الحسن بن سهل:
اليأس عزٌّ والذلّة الطمعيضيق أمرٌ يوماً ويتسع
لا تستريثنَّ إذن محتجبٍإن لم تكن بالدخول تنتفع
أحقُّ شيءٍ بطول مهجرةٍمن ليس فيه ريٌّ ولا شبع
قل لابن سهل فإنني رجلٌإن لم تدعني فإنني أدع
اليأس مالي وجنّتي كرمٌوالصبر والٍ عليّ لا الجزع
ولأبي تمام الطائي في أبي المغيث:
لا تكلفنَّ وأرض وجهك وجههفي غير منفعةٍ، مؤونة حاجب
لا تمتهنِّي بالحجاب فإننيفطن البديهة عالم بمواربي
ولبعض الشعراء في العباس بن خالد، وخبرت إنه لابن الأعمش:
أتحجبني فليس لديك نيلٌوقد ضيّعت مكرمةً ومجدا
وفي الآفاق أبدالٌ ورزقٌوفي الدنيا مراحٌ لي ومغدى
وأنشدني أبو الخطاب، لدعبل، في غسان بن عباد:
لقطع الرمال ونقل الجبالوشرب البحار التي تصطخب
وكشف الغطاء عن الجنِّ أوصعود السماء لمن يرتقب
وإحصاء لؤم سعيدٍ لناأو الثكل في ولدٍ منتجب
أخفُّ على المرء من حاجةٍتكلِّف غشيانها مرتقب
له حاجبٌ دونه حاجبوحاجب حاجبه محتجب
ولمرداس بن حزام الأسدي، في بشير بن جرير بن عبد الله:
أتيت بشيراً زائراً فوجدتهأخا كبرياءٍ عالماً بالمعاذر
فصدَّ وأبدى غلظةً وتهجماّوأغلق باب العرف عن كلّ زائر
حجاباً لحرٍّ لا جواداً بمالهولا صابراً عند اختلاف البواتر
وحجب أبو العتاهية بباب أحمد بن يوسف الكاتب، فكتب إليه:
ألم تر أنَّ الفقر يرجى له الغنىوأنَّ الغنى يخشى عليه الفقر
فإن نلت تيهاً بالذي نلت من غنىًفإنَّ غناي بالتكرّم والصبر
وله أيضاً فيه:
إني أتيتك للسلام تكلفّاً مني وحمقا
فصددت عني نخوةًوتجبراً ولويت شدقا
فلو أن رزقي في يديك لما طلبت الدهر رزقا
ولأحمد بن أبي طاهر:
ليس العجيب بأن أرى لك حاجباًولأنت عندي من حجابك أعجب
فلئن حجبت لقد حجبت معاشراًما كان مثلهم ببابك يحجب
وله في بعض الكتاب:
ردّني بالذلِّ صاحبهإذا رأى أطالبه
ليس كشخاناً فأشتمهإنما الكشخان صاحبه
وله أيضاً في علي بن يحيى يعاتبه في بعض قصائده:
أصواباً تراه أصلحك الله فما إن رأيته بصواب
صرت أدعوك من وراء حجابولقد كنت حاجب الحجّاب
أتى أبو العتاهية باب أحمد بن يوسف الكاتب في حاجةٍ فلم يؤذن له، فقال:
لئن عدت بعد اليوم إني لظالمٌسأصرف وجهي حيث تبغي المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجةٍونصفك محجوبٌ ونصفك نائم
ولآخر:
رأيتك تطردنا بالحجاب عنك برفقك طرداً جميلا
ولكنَّ في طمع الطامعين والحرّ من ذا يفكُّ العقولا
فهل لك في الإذن لي بالرحيل فقد أبت النفس إلا الرحيلا
وحدثني أبو عليٍّ البصير قال: حدثني محمد بن غسان بن عباد قال: كنت بالرقة، وكان بها موسوسٌ يقول الشعر المحال والمنكر، فغدّيته يوماً معي احتساباً للثواب، فأتاني من غدً وعندي جماعةٌ من العمال، فحجبه الغلام، فلما كان من غدٍ وقف على الباب وصاح:
عليك إذنٌ فإنّا قد تغدّينالسنا نعود لأككلٍ قد تغدَّينا
يا أكلةً سلفت أبقت حرارتهاداءً بقلبك ما صُمنا وصَّلينا
قال: وما علمتُه قال شعراً على استواءٍ غيره، ولكنِّي وُعظت به فوقع مكروهي على لساني.
وأُنشدت لحمَّاد عجردٍ يعاتب بعض الملوك:
إذا كنت مكتفياً بالكتاب دون اللِّمام تركت اللِّماما
وإلاّ فأوص هداك المليك بوّابكمْ بي وأوصِ الغلاما
فإن كنت أُدخلت في الزائرين، إمّا قعوداً وإما قياما
وإنْ لم أكن منك أهلاً لذاكفلا لوم لست أحبُّ الملاما
فإنِّي أذمُّ إليك الأنام أخزاهم الله ربِّي أناما
فإنِّي وجدتهم كلَّهمْيُميتون مجداً ويُحيون ذاما
ولأبي الأسد الشَّيبانيّ، يعاتب أبا دُلف في حجابه:
ليت شعري أضاقت الأرض عنيّأم نفيٌّ من البلاد طريدُ
أم قدارٌ أم الحبابة أم أحمر لاقت به البلاء ثمودُ
أم أنا قانعٌ بأدنى معاشٍهمَّتي القوت والقليل الزهيدُ
مقولي قاطعٌ وسيفي حسامٌويدي حُرَّةٌ وقلبي شديدُ
رُبَّ باب أعزّ من بابك اليوم عليه عساكرٌ وجنودُ
قد ولجناه داخلين غدُوّاًورواحاً وأنت عنه مذودُ
فاكفف اليوم من حجابك إذ لسْت أميراً، ولا خميساً تقودُ
لن يقيم العزيز في البلد الهون ولا يكسد الأديب الجليدُ
كل من فرَّ من هوانٍ فإن الرُّحب يلقاه والفضاء العتيدُ
ولعليّ بن جبلة في بعض الملوك:
حجابك ضيّقٌ ونداك نزرُوإذنك قد يُراد عليه أجرُ
وذلٌّ أن يقوم إليك حُرُّوطُلاب الثواب لديك نقْرُ
وأنشدني اليماميّ في أبي الصَّقر إسماعيل بن بلبل، يعاتبه في حجابه:
لكلِّ مؤمّلٍ جدوى كريمٍعلى تأميله يوماً ثوابُ
وأنت الحرُّ ما خانتك نفسٌولا أصلٌ إذا وقع انتسابُ
وشكري ظاهر ورجاي جزلٌففيم جزاي من ذلٍّ حجاب
وحقّي أن تكافئني مزيداًبشكري إذْ به نزل الكتاب
وأنشدت لأبي مالك الأعرج:
علَّقت عيني بباب الدار منتظراًمنك الرسول فخلِّصْها من الباب
صانعت فيك بمثَليْ ما أُمِّلهفيما لديك وهذا سعى خيَّاب
ولبشَّار بن برد، في عُبيد الله بن قزعة:
إذا سُئل المعروف أغلق بابهفلم تلقه إلاّ وأنت كمين
كأنَّ عُبيد الله لم ير ماجداًولم يدرِ أنَّ المكرمات تكون
فقل لأبي يحيى متى تدركُ العلاوفي كلِّ معروف عليك يمينُ
وأنشد لأبي زُرعة - رجلٍ من أهل الشام - في أبي الجهم بن سيف:
ولكنْ أبو الجهم إن جئتهلهيفاً حُجبت عن الحاجبِ
وليس بذي موعدٍ صادقويبخلُ بالموعد الكاذب
وحُجب سعيد بن حُميد بباب الحسن بن مَخْلَد، فكتب إليه:
ربّ بشرٍ يصيِّر الحرَّ عبداًلك غالتْه جفوةٌ في الحجاب
وفتىً ذي خلائقٍ مُعجباتٍأفسدتْها خلائقُ البوّابِ
وكريم قد قصَّرت بأياديهـ عبيدٌ تسيءُ للآداب
لا أرى للكريم أن يشتري الدنيا جميعاً بوقْفةٍ بالباب
إنْ تركت العبيد والحُكم فيناصار فضلُ الرءوس للأذناب
فأحلُّوا أشكالهم رُتب الفضْل، وحظُّ الأحرار عَفْر التّراب
وأنشدت لعبد الله بن العباس:
أنا بالباب واقفٌ منذ أصبحْت على السِّرج ممسك بعناني
وبعين البوّاب كلُّ الذي بيويراني كأنَّه لا يراني
وأنشدت لأبي عيينة المُهلَّبي - واسمه عبد الله بن محمد - يعاتب رجلاًمن قومه:
أتيتُك زائراً لقضاء حقٍّفحال السِّتْرُ دونك والحجاب
ولستُ بساقطٍ في قدر قومٍوإن كرهوا كما يقع الذبابُ
ورائي مذهبٌ عن كلِّ ناءٍبجانبه إذا عزَّ الذَّهابُ
وأنشدني ابن أبي فنن:
ما ضاقت الأرضُ على راغبِيَّطلب الرزق ولا ذاهبِ
بل ضاقت الأرض على صابرٍأصبح يشكو جفوة الصَّاحبِ
من شتم الحاجب في ذَنْبِهِفإنّما يقصد للصَّاحبِ
فارغبْ إلى الله وإحسانهلا تطلب الرزق من الطالبِ
قال المدائني: أتى عُويفُ القوافي باب عمر بن عبد العزيز ﵁، فحُجب أيّاماً، ثم استأذن له حُبيش صاحب إذن عمر، فلمّا قام بين يديه قال:
أجبني أبا حفص، لقيت مُحمَّداًعلى حوْضه مستبشراً بدُعاكا
فقال عمر: أقول لبيَّك وسعديك! فقال:
وأنت امرؤٌ كلتا يديك طليقةٌشمالُك خيرٌ من يمين سواكا
علام حجابي، زادك الله رفعةًوفضلاً، وماذا للحجاب دعاكا
فقال: ليس ذاك إلاَّ لخير! وأمر له بصلة.
المدائني قال: أقام عبد العزيز بن زُرارة الكلابيّ، بباب معاوية حيناً لا يُؤذن له، ثم دخل فقال:
دخلت على معاوية بن حربٍوكنت وقد يئست من الدخول
رأيت الحظَّ يستر عيب قومٍوأيهات الحظوظ من العقول
قيل لحُبَّي المدينة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم لا يجدي عليه. قيل لها: فما الذُّل؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيِّء ثم لا يؤذن له. قيل لها: فما الشَّرف؟ قالت: اعتقاد المنن في أعناق الرجال، تبقى للأعقاب في الأعقاب.
وقيل لعُروة بن عديِّ بن حاتم وهو صبيٌّ، في وليمة كانت لهم: قفْ بالباب فاحجُبْ من لا تعرف وائذنْ لمن تعرف. فقال: لا يكون - والله - أوَّل شيءٍ استُكفيته منع الناس من الطَّعام.
وأُنْشدت لأبي عُيينة المهلَّبيّ:
بُلغةٌ تحجُب الفتى عن دُناةٍوعتاب يخاف أو لا يخاف
هو خيرٌ من الرُّكوب إلى باب حجابٍ عنوانه الانصراف
بئس للدولة التي تُرفع السِّفلة فيها وتسقط الأشراف
وأُنشدت لموسى بن جابرٍ الحنفي:
لا أشتهي يا قوم إلاَّ مُكرهاباب الأمير ولا دفاع الحاجبِ
ومن الرِّجال أسنّةٌ مذروبةومزنَّدون شهودهم كالغائبِ
ومنهم أُسودٌ لا تُرام، ومنهممما قمشْت وضمّ حبل الحاطبِ
وأنشدني بعض أصحابنا:
إني امرؤ لا أُرى بالباب أقرعُهإذا تنمَّر دوني حاجب الباب
ولا ألوم امرأً في ودِّ شرفٍولا أُطالبُ ودَّ الكاره الآبي
وأنشدني ابن أبي فنن:
الموت أهون من طول الوقوف علىبابٍ، عليّ لبوابٍ عليه يدُ
ما لي أقيمُ على ذلِّ الحجاب كأنْقد ملَّني وطنٌ أو ضاق بي بلدُ
وأنشدني الزبير بن بكّار لجعفر بن الزُّبير:
إنَّ وقُفي من وراء البابْيعدلُ عندي قلع بعض أنيابْ
وأنشد لمحمود الورَّاق:
شاد الملوكُ حصونهم وتحصَّنوامن كل طالب حاجةٍ أو راغبِ
عالوا بأبواب الحديد لعزِّهاوتنوَّقوا في قُبْح وجه الحاجب
فإذا تلطَّف للدخول إليهمراجٍ تلقَّوْه بوعدٍ كاذبِ
فاضرعْ إلى ملك الملوك ولا تكنْبادي الضَّراعة طالباً من طالب
وأنشدني أبو موسى المكفوف:
لن تراني لك العيون ببابِليس مثلي يُطيق ذُلَّ الحجابِ
يا أميراً على جريبٍ من الأرضِ له تسعةٌ من الحجّابِ
قاعداً في الخرب تُحجبُ عنّاما سمعنا إمارةً في خرابِ
" الأبيات رواها ابن خلكان في ترجنته مع خلاف في الرواية والترتيب. وأولها هنا هو آخرها عنده ".
وأنشدني أبو قنْبر الكوفيُّ:
ولست بمتّخذٍ صاحباًيُقيم على بابه حاجبا
إذا جئتُه قيل لي نائمٌوإن غبت ألفيتُه عاتبا
ويلزم إخوانه حقَّهوليس يرى حقَّهمْ واجبا
فلست بلاقيه حتَّى المماتإذا أنا لم ألقه راكبا
وأنشدني أبو بكر محمد بن أحمد، من أهل رأس العَيْن لنفسه في بعض بني عمران بن محمدٍ الموصليّ:
يا أبا الفوارس أنت أنت فتى النَّدىشهدتْ بذاك ولم تزلْ قحطانُ
فلأيِّ شيءٍ دون بابك حاجبٌمن بُغضه يتخبَّطُ الشَّيطانُ
فإذا رآني مال عنِّي مُعرضاًفكأنَّني من خوفه سرطانُ
من عاتب على حجابه والإذن لغيره
قال الأشهب بن رُميلة:
أبلغ أبا داود أنِّي ابنُ عمِّهوأنَّ البعيث من بني عمِّ سالم
أتُولج باب الملك من ليس أهلهوريشُ الذُّنابي تابعٌ للقوادم
وقال عاصمٌ الزِّمانيُّ، من بني زمَّان:
أبلغ أبا مسمعٍ عني مغلغلةًوفي العتاب حياةٌ بين أقوامِ
أدخلت قبلي رجالاً لم يكن لهمفي الحقِّ أن يلجوا الأبواب قُدامى
فقد جعلت إذا ما حاجةٌ عرضَتْبباب دارك أدلُوها بأقدامِ
وقال هشام بن أبيض، من بني عبد شمس:
وليس يزيدني حسبي هواناًعليَّ ولا تراني مستكينا
فإنْ قدّمتمُ قبلي رجالاًأُراني فوقهم حسباً ودينا
ألسنا عائدين إذا رجعناإلى ما كان قدَّم أوّلونا
فأرجع في أرومة عَبْشَميٍّترى لي المجد والحسب السَّمينا
وقال دينار بنُ نُعيمٍ الكلبيّ:
أبلغْ أمير المؤمنين ودونهفراسخ تطوي الطَّرف وهو حديد
بأنّي لدى عبد العزيز مدفَّعٌيقدَّم قبلي راسبٌ وسعيدُ
وإنّي لأدنى في القرابة منهماوأشرف إن كنت الشريف تُريدُ
المدائني قال: أتى ابن فضالة بن عبد الله الغنويُّ باب قُتيبة بن مسلمٍ، فأساء إذنه فقال:
كيف المُقام أبا حفصٍ بساحتكموأنت تُكرمُ أصحابي وتجفوني
أراهم حين أغشى باب حجرتكمْتُدعوهم النَّقري دوني ويقصوني
كم من أميرٍ كفاني الله سخْطتهمذْ ذاك أوليته ما كان يوليني
إني أبي أن أرضى ممنقصةٍعمٌّ كريمٌ وخالٌ غير مأفونِ
خالي كريمٌ وعمِّي غير مؤتشبٍضخم الحمالة أبَّاءٌ على الهونِ
المدائني قال: كان مَسْلمة بن عبد الملك تزوّج ابنة زُفر بن الحارث الكلابيّ، وكان ببابه عاصم بن يزيد الهلاليّ، والهُذيل وكوثرٌ ابنا زفر، فكان يأذن لهما قبل عاصم، فقال:
أمَسْلمُ قد منَّيتني ووعدتنيمواعدَ صدقٍ إن رجعت مؤمَّرا
أيُدعى هُذيلٌ ثمّ أُدعى وراءهفيا لك مَدْعي ما أذلَّ وأحقرا
وكيف ولم يشفع لي اللَّيل كلَّهشفيعٌ وقد ألقى قناعاً ومئزرا
فلست براضٍ عنك حتّى تحبَّنيكحبِّك صهريك الهُذيل وكوثرا
وقال الأصحم، أحدُ بني سعد بن مالك بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة، يذكر خالد بن عبد الله القسريَّ، وأبان بن الوليد البَجَليّ، وحجبه خالد:
ومنزلةٍ ليست بدار تئيّةٍأطال بها حبسي أبانٌ وخالدُه
فإنْ أنا لم أنزلْ بلاداً هُما بهافلا ساغ لي من أعذب الماء باردُه
إذا ما أتيتُ الباب صادفت عندهبجيلة، أمثال الكلاب، تُراصده
عليهم ثياب الخزِّ تبكي كما بكتكراسيُّه، من لُؤمه، ووسائده
ويدعون قُدامى ويجعل دوننامن السَّاج مسموراً تئطُّ حدائده
المدائني قال: كان تميم بن راشدٍ مولى باهلة، حاجباً لقُتيبة بن مسلم بخراسان، فكان يأذن لسُويد بن هوبرٍ النَّهشليّ، ومُجفر بن جزيّ الكلابي، قبل الحُضين بن المنذر الرقاشي، فقال الحُضين:
إنيّ لألقى من تميم وبابهعناءً ويدعو مُجفرا وابن هوبرا
نزيعين من حيَّين شتَّى كأنمايرى بهما البوّاب كسرى وقيصرا
وقال عبيد الله بن الحُرّ الفاتك، لعبد الله بن الزُّبير، وشكا إليه مُصعباً وحجّابه:
أبلغ أمير المؤمنين نصيحتيفلست على رأيٍ قبيحٍ أواربه
أفي الحقِّ أن أُجفى ويجعل مصعبوزيريه منْ قد كنت فيه أحاربه
وما لامرئٍ إلاّ الذي الله سائقٌإليه وما قد خطَّ في الزُّبر كاتبه
إذا ما أتيت الباب يُدخل مسلمٌويمنعني أن أدخل الباب حاجبه
لقد رابني من مُصعبٍ أنَّ مصعباًلدى كلِّ ذي غشٍّ لنا هو صاحبه
وقال ابن نوفل لخالد بن عبد الله القسريّ، وحجبه:
فلو كنتُ غوْثيّاً لأدنيت مجلسيإليك، أخا قسْرٍ، ولكنني فحلُ
رأيتك تُدني ناشئاً ذا عجيزةٍبمحجر عينيه وحاجبه كُحل
فو الله ما أدري إذا ما خلوتُماوأُرْخيت الأستار أيُّكما الفحل
وقال عمرو بن الوليد، في عُقبة بن أبي مُعيط:
أفي الحق أن نُدني إذا ما فزعتمونقصي إذا ما تأمنون ونحجبُ
ويجعل فوقي من يودُّ لو أنَّكمشهابٌ بكفِّيْ قابسٍ يتلهَّبُ
فها أنتم داويتم الكلْم ظاهراًفمن لكلومٍ في الصُّدور تحوَّبُ
فقلت وقد أغضبتموني بفعلكموكنت امرأً ذا مرّةٍ حين أغضبُ
أما لي في أعداد قومي راحةٌولا عند قومي إنْ تعتَّبتُ معتبُ
المدائنيُّ قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن يستعمل مسمع بن مالك على سجستان، فولاَّه إياها، فأتاه الضَّحّاك بن هشام فلم يُنله خيراً وأقصاه، فقال:
وما كنت يا بن كبشة أن أرىلبابك بوّاباً ولاستك منبرا
وما شجر الوادي دعوت ولا الحصىولكن دعوت الحُرقتين وجحدرا
أخذْنا بآفاق السماء فلم ندعْلعينك في آفاقها الخُضرِ منظرا
من مْدح برفع الحجاب
قال أيمن بن خُريم في بشْر بن مروان:
ولو شاء بشرٌ كان من دون بابهطماطم سودٌ أو صقالبةٌ حُمْرُ
ولكنَّ بشراً أسهل الباب للتييكون له من دونها الحمدُ والشُّكرُ
بعيدُ مراد الطَّرف ما ردَّ طرفهحذار الغواشي بابُ دار ولا سترُ
وله أيضاً في عبد العزيز:
لعبد العزيز على قومهوغيرهم منَنٌ ظاهره
ففبا بك ألين أبوابهمودارُك مأهولةٌ عامره
وكلبك أرأف بالمعتفينمن الأمِّ بابنتها الزّائرة
وكفُّك حين ترى السائلين أندى من اللَّيلة الماطرة
فمنك العطاء ومنّا الثناءُبكل مُحبَّرةٍ سائرة
ولآخر أيضاً:
ما لي أرى أبوابهم مهجورةًوكأنَّ بابك مجمع الأسواقِ
إنّي رأيتك للمكارم عاشقاًوالمكرمات قليلة العشَّاقِ
وللتيميّ:
يزدحم الناس على بابهوالمنهل العذب كثير الزِّحامْ
ولأشجع بن عمرٍو السُّلميّ:
على باب ابن منصورٍعلاماتٌ من البذْلِ
جماعاتٌ وحسْبُ البب جوداً كثرة الأهلِ
وأُنشدت لعمارة بن عقيل، في خالد بن يزيد:
تأبى خلائق خالد وفعالهإلاَّ تجنُّب كلِّ أمرٍ عائبِ
وإذا حضرْنا الباب عند غدائهأذن الغذاءُ برغم أنف الحاجبِ
وأنشدتُ لبعضهم:
أبلج بين حاجبيه نورهإذا تغذَّى رُفعت سُتوره
ولثابت قُطنة، في يزيد بن المهلّب:
أبا خالدٍ زدت الحياة محبّةًإلى الناس أنْ كنت الأمير المتوَّجا
وحُقَّ لهم أن يرغبوا في حياتهموبابك مفتوحٌ لمن خاف أو رجا
تزيد الذي يرجو نداك تفضُّلاوتُؤمن ذا الإجرام إنْ كان مُحرجا
من أُمِّل حجابُه ولم يُذمَّ عليه
المدائني قال: حضر أبو سفيان بن حربٍ باب عثمان بن عفان ﵁، فحُجب عنه، فقال له رجلٌ يُغْريه به: حجبك أمير المؤمنين يا أبا سفيان؟ فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء أن يحجبني حجبني.
وأنشدني الطائيُّ في إسحاق بن إبراهيم الموصليّ:
يا أيُّها الملك المأمول نائلهوجوده لمُراعي جُوده كثبُ
ليس الحجاب بمقُصٍ عنك لي أملاًإنَّ السماء تُرجَّى حين تحتجب
وله أيضاً في مالك بن طوق:
قل لابن طوقٍ رحى سعدٍ، إذا خبطتْحوادث الدهر أعلاها وأسفلها
أصبحت حاتمها جوداً، وأحنفهاحلماً، وكيِّسها علما ودغفلها
ما لي أرى الحجرة الفيحاء مقفلةًعنِّي وقد طال ما استفتحت مقفلها
كأنها جنّة الفردوس معرضةًوليس لي عملٌ زاكٍ فأدخلها
ولأبي عبد الرحمن العطويّ في ابن المدبِّر:
إذا أنت لم ترسل وجئتُ فلم أصلْملأت بعذرٍ منك سمع لبيبِ
قصدتك مشتاقاً فلم أرَ حاجباًولا ناظراً إلاَّ بعين غضوبِ
كأني غريمٌ مقتضٍ أو كأنّنيطُلوعُ رقيبٍ أو نُهوضُ حبيبِ
فقمت وقد فكَّ الحجابُ عزيمتيعلى شكر بُسط الراحتين وهوبِ
عليَّ له الإخلاص ما ردع الهوىأصالةُ رأيٍ أو وقارُ مَشيبِ
وأنشدني الخثمعيّ:
كيفما شئتَ فاحتجب يا أبا اللَّيْثِ ومن شئت فاتخِذْ يوّابا
أنت لو كنت دون أعراضِ قحطانَ وأسبلْتَ دونها الأحسابا
لرأيناك في مرايا أياديكَ يقيناً ولو أطلت الحجابا
وأنشدني البلاذُريّ في عُبيد الله بن يحيى بن خاقان:
قالوا اصطبارُك للحجابِ وذُلِّهعارٌ عليك يد الزَّمان وعابُ
فأجبتُهم ولكلِّ قولٍ صادقٍأو كاذبٍ عند الكريم جوابُ
إنيّ لأغتفرُ الحجاب لما جدليست له مننٌ عليَّ رغابُ
قد يرفع المرء اللئيمُ حجابهضعةً، ودون العرف منه حجابُ
والحرُّ مبتذل النَّوال وإن بدامن دونه سترٌ وأُغلق بابُ
تم كتاب الحجاب، ولله الحمد والمنّة، وبيده الحول والقوّة، والل سبحانه الموفّق للصواب برحمته.
يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب " مفاخرة الغلمان والجواري " من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أيضاً، والله المستعان وعليه التُّكلان، إنّه سميعٌ مجيب الدعاء.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع