من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الرسالة الثامنة رسالة إلى أبي الفرج بن نجاح الكاتب
﷽
جُعلت فداك، وأطال الله بقاك، وأعزَّك وأكرمك، وأتمَّ نعمته عليك وأيّدك.
قد نسخت لك - أعزَّك الله - في صدر هذا الكتاب قصيدةً قيلت في أبي الفرج أدام الله عزّه، ذكروا أن قائلها رجلٌ يكنى أبا عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان هشام بن المغيرة، أم أبو عثمان عفّان بن أبي العاص.
ولا أدري أهو أبو عثمان عنبسة بن أبي سفيان، أم أبو عثمان سعيد بن عثمان، ولا أدري أهو عثمان النَّهدي عبد الرحمن بن مُلّ، أم أبو عثمان ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان إسحاق بن الأشعث بن قيس.
ولا أدري أهو أبو عثمان المنذر بن الزُّبير بن العوَّام، أم أبو عثمان عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أبو العاص بن بشر بن عبد دُهْمان، وهو اسمه.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس، أمْ أبو عثمان عبد الله بن عامر بن كُريز.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن أسعد بن إمام المسجد الجامع الأعظم، أم أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب.
ولا أدري أهو أبو عثمان فيروز حُصينٍ العنبريّ، أمْ أبو عثمان بن عُمر بن أبي عثمان الشَّمَّريّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان خالد بن الحارث بن سليمان الهُجيْميّ، أم أبو عثمان أبو العاص بن عبد الوهاب الثقفيّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن وهب الشاعر، أم أبو عثمان عمرٌو الأعور الخاركي.
ولا أدري أهو أبو عثمان الحكم بن صخر الثّقفي، أم أبو عثمان عمرو بن بكر المازنيّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان الأعور النحويّ، أم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.
والذي لا أشك فيه أنّه لم يقرضها أبو عثمان عمرو بن حزْرة، ولا أبو عثمان عمرو المخلخل، ولا أبو عثمان إبراهيم بن يزيد المتطبِّب، ولا أبو عثمان سعيد بن حيان البزاز.
وقد بلغني عن أبي عثمان هذا المجهول موضعه، المغمور نسبه، أنه قال: ما راكب الأسد الأسود، والبحر الأخضر، والمصبور على السَّيف الحسام،
بأحق بجهد البلاء وشماتة الأعداء، ممّن تعرَّض للمتصفِّحين، وتحكَّك بالعيّابين، وحكَّم في عرض الحسدة المغتابين.
فإن سلم فبحُسْن النيّة، ولأنه مدح كريماً، ووصف حليماً. والكريم صفوح، والحليم متغافل. وإن ابتلى فبذنبٍ، وما عفا الله عنه أكبر.
وقال: اللهم اجعلْ هذا القول حسناً في عينه، خفيفاً على سمعه، وألْهمْه حُسن الظزِّ به، وبسط العُذْر له، إنك سميع الدعاء، رحيمٌ بالضعفاء.
والقصيدة هي قوله:
أقام بدار الخفض راضٍ بحظِّهوذو الحرص يسري حين لا أحدٌ يسري
يظنُّ الرِّضا بالقسْم شيئاً مهوَّناًودون الرضا كأسٌ أمرُّ من الصَّبر
جزعت فلم أعتبْ فلو كنت ذا حجاًلقنَّعت نفسي بالقليل من الوفْر
أظنُّ غبيَّ القوم أرغد عيشةًوأجذل في حال اليسارة والعُسْر
تمرُّ به الأحداث تُرعد مرّةًوتُبرق أخرى بالخطوب وما يدري
سواءٌ على الأيام صاحب حُنْكةٍوآخرُ كابٍ لا يريش ولا يبري
فلو شاء ربيِّ لم أكن ذا حفيظةٍطلوباً لغايات المكارم والفخر
خضعت لبعض القوم أرجو نوالهوقد كنت لا أعطي الدنيَّة بالقسْرِ
فلما رأيت المرء يبذل بشرهويجعل حُسن البشر واقية التِّبْر
ربعت على ظلْعي وراجعت منزليفصرْت حليفاً للدراسة والفكر
وشاورت إخواني فقال حكيمهم عليك الفتى المُرِّيَّ ذا الخلق الغَمْر
فتىً لم يقف في الدهر موقف ظنّةٍفيحتاج فيه للتَّنصُّل والعُذْرِ
أعيذك بالرحمن من قول شامتٍأبو الفرج المأمول يزهد في عمرو
ولو كان فيه راغباً لرأيتهكما كان دهراً في الرَّخاء وفي اليُسْرِ
أترضى فدتك اليوم نفسي وأسرتيبتأخير أرزاقي وأنت تلي أمري
ألا يا فتى الكتاب والعسكر الذيتأزّر بالحسنى وأُيِّد بالنَّصرِ
أخاف عليك العين أو نفس وامقٍوذو الوُدِّ منخوب الفؤاد من الذُّعرِ
وعهدي به والله يُرشد أمرهويحفظه في القاطنين وفي السَّفْرِ
مُطلاًّ على التدبير ما يستفزُّهمكايد محتالٍ عقاربه تسري
برأيٍ يُزيل الطَّودمن مستقرِّهوأوضح عند الخصم من وضح الفجرِ
وعزمٍ كغرب المشرفيّ مصمَّمٍوقلبٍ ربيط الجأش منثلج الصدرِ
فيا ابن نجاحٍ أنجح اللهُ سعيكموأيّدكم بالنَّصر والعدد الدَّثْرِ
قعدت فلم أطلب وجُلت فلم أُصبخليلاً يواسيني ويرغب في شكري
وإن أخفقتْ كفِّي وقد علَقتْكمُفقد قال رأيي واستنمت إلى شعري
أعيذك بالرحمن أن تُشمت العدىفللفقرُ خيرٌ من شماتة ذي الغمْرِ
فإن ترع وُدَّي بالقبول فأهلُهولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر
وحسبك بي إن شئت ودّاً وخُلَّةًوحسبك بي يوم النَّزاهة والصَّبر
ألا ربَّ شكر دائر الرسم دارسٍوشكر كنقش الحميريّة في الصَّخر
قال أبو عثمان المجهول: إذا كان الممدوح ظاهر المحاسن كثير المناقب فلم يُجد الشاعر كان ألوم.
ونعوذ بالله أن يكون فيكم ما يستدعي الألفاظ الشريفة والمعاني النفيسة، ويكون التقصير منيّ.
وكيفما تصرَّفت بي الحال فإنِّي لم أخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. فإن وقعت هذه القصيدة والتي قدّمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله. وإن خالفت فنستغفر الله. وإن شيّعتم ضعفها بقوّة كرمكم، وقوّمتم أودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغٌ لما أمَّلنا. والله الموّفق.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع