من «رسائل الجاحظ» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
الرسالة العاشرة رسالة في صناعات القواد
﷽
أرشدك الله للصواب، وعرَّفك فضل أولي الألباب، ووهب لك جميل الآداب، وجعلك ممن يعرف عزّ الأدب كما تعرف زوائد الغنى.
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: دخلت على أمير المؤمنين المعتصم بالله فقلت له: يا أمير المؤمنين، في اللسان عشر خصال: أداة يظهر بها البيان، وشاهد يُخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يُرَدُّ به الجواب، وشافع تُدرك به الحاجة، وواصف تُعرف به الأشياء، وواعظ يُعرف به القبيح، ومُعزٍّ يُردُّ به الأحزان، وخاصَّةٌ يُزهى بالصَّنيعة، ومُلْةٍ يونق الأسماع.
وقال الحسن البصري: إنّ الله تعالى رفع درجة اللسان، فليس من الأعضاء شيء ينطق بذكره غيره.
وقال بعض العلماء: أفضل شيء للرجل عقلٌ يولد معه، فإنْ فاته ذلك
فمالٌ يُعظَّم به، فإنْ فاته ذلك فعلمٌ يعيش به، فإن فاته ذلك فموتٌ يجتثُّ أصله.
وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللِّسان إلا ضالّة، أو بهيمةٌ مرسلة، أو صورة ممثَّلة.
وذُكر الصَّمت والنطق عند الأحنف فقال رجلٌ: الصَّمت أفضل وأحمد. فقال: صاحب الصمت لا يتعداه نفعه، وصاحب المنطق ينتفع به غيره. والمنطق الصَّواب أفضل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " رحم الله امرأً أصلح من لسانه ".
قال: وسمع عمر بن عبد العزيز ﵁ رجلاً يتكلَّم فأبلغ في حاجته، فقال عمر: هذا والله السِّحر الحلال.
وقال مسلمة بن عبد الملك: إنّ الرجل ليسألني الحاجة فتستجيب نفسي له بها، فإذا لحن انصرفت نفسي عنها.
وتقدم رجلٌ إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، إنَّ أبينا هلك، وإن أخونا غصبنا ميراثه. فقال زياد: الذي ضيعت من لسانك أكثر مما ضيَّعت من مالك.
وقال بعض الحكماء لأولاده: يا بني أصلحوا من ألسنتكم، فإنَّ الرجل لتنوبه النائبة فيستعير الدابة والثياب، ولا يقدر أن يستعير اللِّسان.
وقال شبيب بن شيبة ورأى رجلاً يتكلم فأساء القول، فقال: يا ابن أخي، الأدب الصالح خيرٌ من المال المضاعف.
وقال الشاعر:
وكائن ترى من صامتٍ لك مُعجبٍزيادته أو نقصُه في التكلُّم
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادهفلم يبق إلا صورة اللحم والدَّم
فخذْ يا أمير المؤمنين أولادك بأن يتعلموا من كلِّ الأدب؛ فإنَّك إن أفردتهم بشيءٍ واحد ثم سئلوا عن غيره لم يحسنوه.
وذلك أنيّ لقيت حِزاماً حين قدم أمير المؤمنين من بلاد الرُّوم، فسألته عن الحرب كيف كانت هناك؟ فقال: لقيناهم في مقدار صحْن الإصطبل، فما كان بقدر ما يُحسُّ الرجل دابته حتى تركناهم في أضيق من ممْرغة. وقتلناهم فجعلناهم كأنهم أنابير سرجين،
فلو طُرحتْ روثةٌ ما سقطتْ إلا على ذنب دابّة.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
إن يهدم الصدُّ من جسمي معالفهفإن قلبي بقتِّ الوجد معمور
إنيّ امرؤ في وثاق الحبّ يكبحهلجام هجرٍ على الأسقام معذور
علِّلْ بِجُلٍّ نبيلٍ من وصالك أوحُسْنِ الرُّقاد فإنَّ النَّوم مأسور
أصاب حبل شكال الوَصْل حين بداومبضع الصدِّ في كفيه مشهور
لبست برقع هجر بعد ذلك فيإصطبل وُدٍّ فروث الحُبِّ منثور
قال: وسألت بَخْتِيَشُوع الطبيب عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار صحْن البيمارستان، فما كان بقدر ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في أضيق من مِحْقَنة، فقتلناهم فلو طرحت مبضعاً ما سقط إلا على أكحل رجل.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
شرب الوصل دَسْتَج الهجر فاسْتَطلق بطن الوصال بالإسهال
ورماني حبِّي بقُولَنجِ بينٍمُذهلٍ عن ملامة العُذَّال
ففؤاد الحبيب ينحله السُّلُّ وقلبي معذَّبٌ بالملال
وفؤادي مُبرسم ذو سقامٍيا بن ما سُوه ضلَّ عنِّي احتيالي
لو ببقراط كان مابي وجالينوس باتا منه بأكسفِ بال
قال: وسألت جعفراً الخياط عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار سُوق الخُلقان، فما كان بقدر ما يخيط الرجل درْزاً حتى قتلناهم وتركناهم في أضيق من جربَّانٍ، فلو طرحتْ إبرةً ما سقطت إلا على رأس رجل.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
فتقت بالهجر دُروز الهوىإذْ وخزتني إبرةُ الصّدِّ
فالقلب من ضيق سراويلهيعثر في بايكة الجهد
جشَّمتني يا طيلسان النوىمنك على شوزكتي وجدي
أزرار عيني فيك موصولةبُعروة الدمع على خدِّي
يا كستبان القلب يا زيقهعذَّبني التَّذكار بالوعد
قد قصَّ ما يعهد من وصلهمقراضُ بينٍ مُرهفُ الحدِّ
يا حُجزة النَّفس ويا ذيلهامالي من وصلك من بُدِّ
ويا جربَّان سُروري وياجيب حياتي حُلْت عن عهدي
قال: وسألت إسحاق بن إبراهيم عن مثل ذلك - وكان زارّاعاً - فقال: لقيناهم في مقدار جريبين من الأرض، فما كان بقدر ما يسقى الرجل مشارةً حتى قتلناهم، فتركناهم في أضيق من باب، وكأنهم أنابير سنبل، فلو طرح فدّانٌ ما سقط إلا على ظهر رجل.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
زرعت هواه في كراب من الصفاوأسقيته ماء الدوام على العهد
وسرجنته بالوصل لم آل جاهداًليحرزه السرجين من آفة الصدِّ
فلمَّا تعالى النبت واخضرَّ يانعاًجرى يرقان البين في سنبل الودِّ
وقال: وسألت فرجاً الرخَّجيَّ عن مثل ذلك - وكان خبَّازاً - فقال: لقيناهم في مقدار بيت التنور، فما كان بقدر ما يخبز الرجل خمسة أرغفة حتى تركناهم في أضيق من حجر تنّور، فلو سقطت جمرة ما وقعت إلا في جفنة خبَّاز.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
قد عجن الهجر دقيق الهوىفي جفنةٍ من خشب الصدِّ
واختمر البين فنار الهوىتذكى بسرجينٍ من البعد
وأقبل الهجر بمحراكهيفحص عن أرغفة الوجد
جرداق الموعد مسومةمثرودة في قصعة الجهد
قال: وسألت عبد الله بن عبد الصمد بن أبي داود عن مثل ذلك - وكان مؤدَّبا - فقال: لقيناهم في مقدار صحن الكتَّاب، فما كان بقدر ما يقرأ الصبيُّ إمامه حتى ألجأناهم إلى أضيق من رقم فقتلناهم، فلو سقطت دواةٌ ما وقعت إلا في حجر صبيّ.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
قد أمات الهجران صبيان قلبيففؤادي معذَّب في خبال
كسر البين لوح كبدي فما أطمع ممن هويته في وصال
رفع الرقم من حياتي وقد أطلق مولاي حبلهمن حبالي
مشق الحبُّ في فؤادي لوحين فأغرى جوانحي بالسلال
لاق قلبي بنانه فمداد العين من هجر مالكي في انهمال
كرسف البين سوَّد الوجه من وصلي فقلبي بالبين في إشعال
وقال: وسألت عليّ بن الجهم بن يزيد - وكان صاحب حمام - عن مثل ذلك فقال:
لقيناهم في مثل بيت الأنبار، فما كان إلا بقدر ما يغسل الرجل رأسه حتى تركناهم في أضيق من باب الأتّون، فلو طرحت ليفةً ما وقعت إلا على رأس رجل.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
يا نورة الهجر حلقت الصَّفالما بدت لي ليفة الصَّدِّ
يا مئزر الأسقام حتَّى متىتُنفع في حوض من الجهْد
أوقدْ أتون الوصل لي مرّةًمنك بزنبيلٍ من الودِّ
فالبينُ مُذْ أوقد حمامهقد هاج قلبي مسلخ الوجد
أفسد خِطميَّ الصفا والهوىنُخالة النَّاقض للعهد
قال: وسألت الحسن بن أبي قماشة عن مثل ذلك - وكان كنَّاساً - فقال: لقيناهم في مقدار سطح الإيران، فما كان إلا بقدر ما يكنس الرجل زبيلاً حتَّى تركناهم في أضيق من جُحر المخرج، ثم قتلناهم بقدر ما يشارط الرجل على كنْس كنيف، فلو رميت بابنة وردانةٍ ما سقطت إلا على فم بالوعة.
وعمل أبياتاً فكانت:
أصبح قلبي بَرْبخاً للهوىتسلح فيه فقحة الهجر
بنات وردان الهوى للبلىأصبرُ من ذا الوجد في صدري
خنافس الهجران أثكلننييوم تولَّى مُعرِضاً صبري
أسقم ديدان الهوى مُهجتيإذْ سلح البين على عُمري
قال: وسألت أحمد الشَّرابيَّ عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار صحن بيت الشَّراب، فما كان بقدر ما يصفِّي الرجل دنّاً حتى تركناهم في أضيق من رطليّة فقتلناهم، فلو رميت تفاحةً ما وقعت إلا على أنف سكران.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
شربت بكأس للهوى نبذة معاًورقرقت خمر الوصل في قدح الهجْر
فمالت دنان البين يدفعها الصِّبافكسَّرن قرَّابات حُزني على صدري
وكان مزاج الكأس غُلَّة لوعةٍودورق هجرانٍ وقنِّينتيْ غدرٍ
قال: وسألت عبد الله بن طاهر عن مثل ذلك - وكان طبّاخا - فقال: لقيناهم في مقدار صَحْن المطبخ، فما كان بقدر ما يشوي الرجل حملاً حتى
تركناهم في أضيق من موقد نار، فقتلناهم فلو سقطت مغرفةٌ ما وقعت إلا في قدر.
وعمل أبياتاً في الغزل فكانت:
يا شبيه الفالوذ في حمرة الخدِّ ولوزينج النُّفوس الظِّماء
أنت جوزينج القلوب وفي اللّين كلين الخبيصة البيضاء
عُدْت مُستهتراً بسكباج ودٍّبعد جوذابةٍ بجنب شواء
يا نسيم القدور في يوم عُرسٍوشبيهاً بشهدةٍ صفراء
أنت أشهى إلى القلوب من الزُّبْد مع النِّرسيان بعد الغذاء
أُطعم الحاسدون ألوان غمٍفي قصاع الأحزان والأدواء
قد غلا القلب مذ نأتْ عنك داريغليان القدور عند الصِّلاءِ
هام قلبي لَّما كسرن غضارات سروري مغارفُ الشَّحناء
فتفضل على العميد بيومٍجُد بوصلٍ يُكبتْ به أعدائي
وتفضَّلْ على الكئيب ببزْماورد وصلٍ يشفي من الأدواء
قال: وسألت - أطال الله بقاءك - محمد بن داود الطوسيَّ عن مثل ذلك - وكان فرّاشا - فقال: لقيناهم في مقدار صحن بساط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتاً حتى تركناهم في أضيق من منصة فقتلناهم، فلو سقطت مخدَّة ما وقعتْ إلا على رأس رجل.
ثم عمل أبياتاً في الغزل فكانت:
كسح الهجر ساحة الوصل لمَّاغبَّر البين في وجوه الصَّفاءِ
وجرى البين في مرافق ريشٍهي مذخورةٌ ليوم اللقاءِ
فرش الهجر في بيوت همومٍتحت رأسي وسادة البُرحاءِ
حين هيأت بيت خيشٍ من الوصل لأبوابه ستور البهاءِ
فرش البحر لي بيوت مُسموحٍمُتَّكاها مطارح الحصباءِ
رِقَّ للصبِّ من براغيث وجدٍتعتري جلده صباح مساء
قال: فضحك المعتصم حتى استلقى، ثم دعا مؤدِّب ولده فأمره أن يأخذهم بتعليم جميع العلوم.
الجزء الثاني
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٣٨٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع