تجاوز إلى المحتوى

من «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

وصى آدم

الصفحة ١ من ٢

(وصّى آدم) إِذا كَانَ الْإِنْسَان فضوليا دَاخِلا فِيمَا لَا يعنيه متكلفا مَالا يلْزمه من التطفل على أُمُور النَّاس والتهالك فِي الِاشْتِغَال بهَا قيل فلَان وصيى آدم وَقد تُوضَع هَذِه الصّفة مَكَان الْمَدْح كَمَا قَالَ الشَّاعِر

وَكَأن آدم حِين حم حمامهأَوْصَاك وَهُوَ يجود بالحوباء
ببنيه أَن ترعاهم فرعيتهموكفيت آدم عيلة الْأَبْنَاء

وَمِنْه أَخذ ابو العيناء معنى كَلَامه فِي الْحسن بن سهل وَقد سَأَلَهُ عَنهُ مُحَمَّد

ابْن عبد الله بن طَاهِر فَقَالَ خلف آدم ﵇ فِي وَلَده فَهُوَ يسد خلتهم وينقع غلتهم وَقد رفع الله تَعَالَى للذنيا من شانها إِذْ جعله من سكانها وذوى الْأَمر فِيهَا

وَلما نعى الْحسن إِلَيْهِ قَالَ لَئِن أتعب المادحين لقد أَطَالَ بكاء الباكين وَلَقَد كَانَ بَقِيَّة وَفِي النَّاس بَقِيَّة فَكيف الْآن وَقد أودت الْبَريَّة

(شهرة آدم) يضْرب بهَا الْمثل وحقت قَالَ أَبُو عبد الله بن الْحجَّاج من أَبْيَات كتب بهَا إِلَى بعض الرؤساء وَهُوَ يشكو بوابا لَهُ أنكرهُ وَلم يَأْذَن لَهُ

خادمكم يشكو وَقد جَاءَكُمغلظة بوابكم الْخَادِم
أنكرنى عَنْكُم على زَعمهفَلم أزل فِي عجب دَائِم
لأننى بَين بنى آدممذ خلقُوا أشهر من آدم

(سفينة نوح) قَالَ النَّبِي ﷺ (إِن عترتى كسفينة نوح من ركب فِيهَا نجا وَمن تَأَخّر عَنْهَا هلك) وَأخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو عُثْمَان الخالدى فَقَالَ من قصيدة

أعاذل إِن كسَاء التقىكسانيه حبى لأهل الكساء
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة
سفينة نوح فَمن يعتلقبحبلهم يعتلق بالنجاء
للشاعر كشاجم، من قصيدة «بكاء وقل غناء البكاء»

وَقد تضرب سفينة نوح مثلا للشىء الْجَامِع لِأَن نوحًا حمل فِيهَا من كل زَوْجَيْنِ أثنين كَمَا يضْرب الْمثل فِي ذَلِك الْمَعْنى بِجَامِع سُفْيَان قَالَ بعض العصريين

يَا طَبِيبا منجما وفقيهاشَاعِرًا شعره غذَاء الرّوح
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة
فَهُوَ طورا كَمثل جَامع سُفْيَانوطورا يحْكى سفينة نوح

وَقَالَ الجاحظ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة زعم بعض الْمُفَسّرين وَأَصْحَاب الْأَخْبَار أَن أهل سفينة نوح كَانُوا قد تأذوا من الفأر فعطس الْأسد عطسته فَخرج من مَنْخرَيْهِ زوج سنانير فَلذَلِك السنور أشبه شىء بالأسد وسلح الْفِيل زوج خنازير فَلذَلِك الْخِنْزِير أشبه شَيْء بالفيل

قَالَ كيسَان لأبى عُبَيْدَة ينبغى أَن يكون ذَلِك السنور هُوَ آدم السنانير وَتلك السنورة حواءها فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَضحك مِنْهُ ألم تعلم أَن لكل جنس من الْحَيَوَانَات آدم وحواء فَضَحِك الْقَوْم من ذَلِك

(غراب نوح) يضْرب مثلا للرسول الذى لَا يعود أَو يبطىء عَن ذى الْحَاجة من غير إنْجَاح وَذَلِكَ أَن نوحاعليه السَّلَام أرسل الْغُرَاب من السَّفِينَة ليَأْتِيه بِخَبَر المَاء فاشتغل بميته وجدهَا وَلم يعد إِلَى نوح حَتَّى أرسل مَكَانَهُ الْحَمَامَة فَجَاءَتْهُ بالْخبر

قَالَ الجاحظ يُقَال فِي الْمثل فلَان لَا يرجع حَتَّى يرجع غراب نوح كَمَا يَقُول أهل الْبَصْرَة حَتَّى يرجع نشيط من مرو وكما يَقُول أهل

الْكُوفَة حَتَّى يرجع مصقلة من سجستان وكما تَقول الْعَرَب حَتَّى يئوب القارظ العنزى

وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي قصَّة لَهُ

وندمان بعثت بِهِ رَسُولافأهمل حاجتى كغراب نوح
رأى فِي الدَّيْر بَدْرًا مستنيرافساعده على دين الْمَسِيح

(عمرونوح) يضْرب مثلا فِي الطول قَالَ وهب بن مُنَبّه كَانَ عمر نوح ﵇ ألف سنة لِأَنَّهُ بعث إِلَى قومه وَهُوَ ابْن خمسين سنة ولبث يَدعُوهُم إِلَى أَن مَضَت تِسْعمائَة وَخَمْسُونَ سنة فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾

ويروى أَنه عَاشَ ثَلَاثَة قُرُون وَعمر فيهم وهم لَا يجيبونه وَلَا اتبعهُ مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل كَمَا ذكره عز ذكره قَالَ ﴿وَمَا آمن مَعَه إِلَّا قَلِيل﴾

وَقد أَكثر النَّاس التَّمْثِيل بعمر نوح نظما ونثرا قَالَ مُحَمَّد بن مكرم لِأَحْمَد ابْن إِسْرَائِيل

قل لِأَبْنِ إِسْرَائِيل يَا أَحْمدعمرك فِي الْعَالم لَا ينْفد
إِن زَمَانا أَنْت مستوزرفِيهِ زمَان عسر أنكد
يالبد الدَّهْر وياعوجهأَنْت كنوح عمره سرمد

وَقَالَ آخر

يحْتَاج راجى نوالهم ابداإِلَى ثَلَاث بِغَيْر تَكْذِيب
كنوز قَارون أَن تكون لَهُوَعمر نوح وصبر أَيُّوب

وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة

لتموتن وَإِن عمرتمَا عمر نوح
فعلى نَفسك نج إِنكنت لابد تنوح

وقرأت للصاحب فصلا من كتاب لَهُ إِلَى أَبى مُحَمَّد العلوى علق بحفظى مِنْهُ فِي ذكر نوح صَاحبه وَكَانَ بعث بِهِ رَسُولا إِلَيْهِ وَأما صلته ولى بره بوسميه وإنفاذه للتهنئة نوحًا أبقى الله سيدى بَقَاء سميه فقد أطَاع فِيهِ خلقا طالما وردنا حياضه فارتوينا من كرم غمر وقصدنا رياضه فرعينا من شرف دثر

(مقَام إِبْرَاهِيم) يضْرب مثلا لكل مَكَان شرِيف ومقام كريم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ ويروى أَنه كَانَ فِيهِ أثر عَقِبَيْهِ وأصابعه فَمَا زَالَت الْأمة تمسحه حَتَّى خفى الْأَثر

وَمن أحسن مَا سَمِعت فِي ضرب الْمثل بِهِ مَا أنْشدهُ أَبُو إِسْحَاق الصابى لعلى بن هَارُون بن على بن يحيى المنجم فِي ابْن أَبى الحوارى وَقد عرفت لَهُ سقطة وثئت رجله مِنْهَا

كَيفَ نَالَ العثار من لم يزل مِنْهُمُفِيدا فِي كل خطب جسيم
أَو ترقى الْأَذَى إِلَى قدم لمتخط إِلَّا إِلَى مقَام كريم
للشاعر علي بن هارون المنجم، اقرأ القصيدة
لمقام النَّبِي أَحْمد أَو مثلمقَام الْخَلِيل إِبْرَاهِيم

(نَار إِبْرَاهِيم) يضْرب بهَا الْمثل فِي الْبرد والسلامة ويروى أَن إِبْرَاهِيم ﵇ لما قذف فِي النَّار بعث الله لَهُ ملك الظل فَكَانَ يحدثه ويؤنسه فَلم تصل النَّار إِلَى أَذَاهُ مَعَ قربه من طباع ذَلِك الْملك قَالَ الله عز ذكره ﴿قُلْنَا يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على إِبْرَاهِيم﴾

وَقد شبه بهَا ابْن الرومى الْخمر فَقَالَ

وعاتقة زفت لنا من قرى كوثىتلقب أم الدَّهْر بل بنته الْكُبْرَى
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وعاتقة زفت لنا من قرى كوثى»
رَأَتْ نَار إِبْرَاهِيم أَيَّام أوقدتوَصَارَت من الْأَوْصَاف أوصافها الْحسنى
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وعاتقة زفت لنا من قرى كوثى»
حكت نورها فى بردهَا وسلامهاوباتت بِطيب لَا يوازى وَلَا يحْكى
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وعاتقة زفت لنا من قرى كوثى»

وتعاطى ابْن المعتز هَذَا التَّشْبِيه فأوجز حَيْثُ قَالَ

ومشمولة قد طَال بالقنص لبثهاحكت نَار إِبْرَاهِيم فِي اللَّوْن وَالْبرد

ولنار إِبْرَاهِيم مَكَان آخر من بَاب النيرَان فِي هَذَا الْكتاب

(صحف إِبْرَاهِيم) قَالَ وهب بن مُنَبّه أنزل الله على إِبْرَاهِيم عشْرين صحيفَة كلهَا أَمْثَال وَعبر وتسبيح وتحميد وَكَانَ مِمَّا فِيهَا أَيهَا الْملك الْمُسَلط الْمَغْرُور الْمُبْتَلى إِنِّي لم أَبْعَثك لِتجمع الدُّنْيَا بَعْضهَا إِلَى بعض ولتبنى الْمَدَائِن والحصون ولكنى بَعَثْتُك لِترد عَنى دَعْوَة الْمَظْلُوم فإنى لَا أردهَا وَلَو كَانَت من كَافِر وفى بعض الرِّوَايَات إِنَّهَا ردَّتْ إِلَى السَّمَاء فَلم يبْق فِي أيدى النَّاس مِنْهَا شىء

وَقد يضْرب بهَا الْمثل فِي الشَّيْء الْمَتْرُوك المنسى كَمَا قَالَ الصاحب فِي رِسَالَة

لَهُ إِلَى بعض إخوانه ونسيتنى وَمَا كَانَ حقى أَن أنسى وطويتنى فِي صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى

(ضيف إِبْرَاهِيم) يضْرب مثلا للضيف الْكَرِيم لِأَن الله تَعَالَى يَقُول فِي قصَّته ﴿هَل أَتَاك حَدِيث ضيف إِبْرَاهِيم الْمُكرمين﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِأَن إِبْرَاهِيم قَامَ عَلَيْهِم بِنَفسِهِ ثمَّ مَا لبث أَن جَاءَ بعجل سمين فقربه إِلَيْهِم وَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ

وَمن كَرَامَة الضَّيْف تَعْجِيل قراه قَالَ الشَّاعِر

أسأتم وأبطأتم على الضَّيْف بالقرىوَخير الْقرى للنازلين الْمُعَجل

وقرأت فِي أَخْبَار الْحُسَيْن الْجمل المصرى أَنه دخل على قادم من مَكَّة وَعِنْده قوم يهنئونه وَبَين أَيْديهم أطباق من الْحَلْوَى وَلَيْسَ يمد أحد مِنْهُم يَده إِلَيْهَا فَقَالَ وَالله يَا قوم لقد ذكرتمونى ضيف إِبْرَاهِيم قَالُوا وَكَيف فَقَرَأَ ﴿فَلَمَّا رأى أَيْديهم لَا تصل إِلَيْهِ نكرهم وأوجس مِنْهُم خيفة﴾ ثمَّ قَالَ كلوا رحمكم الله فضحكوا من قَوْله وأكلوا وَأكل مَعَهم

(تحفة إِبْرَاهِيم) هى اللَّحْم ويحكة أَن الشعبى دخل على صديق لَهُ فتحدثا سَاعَة فَلَمَّا أَرَادَ الْقيام قَالَ لَهُ لَا نتفرق إِلَّا عَن ذواق فَقَالَ الشّعبِيّ أتحفنى بِمَا عنْدك وَلَا تتكلف لى مَالا يحضرك فَقَالَ أى التحفتين أحب إِلَيْك تحفة إِبْرَاهِيم أم تحفة مَرْيَم قَالَ الشّعبِيّ أما تحفة إِبْرَاهِيم فعهدى بهَا السَّاعَة وَأُرِيد تحفة مَرْيَم فَدَعَا لَهُ بطبق من رطب وَإِنَّمَا عَنى بتحفة إِبْرَاهِيم اللَّحْم لِأَن فِي قصَّته ﴿فَمَا لبث أَن جَاءَ بعجل حنيذ﴾

﴿فقربه إِلَيْهِم قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ وعنى بتحفة مَرْيَم الرطب لِأَن فِي قصَّتهَا ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾

(وعد إِسْمَاعِيل) يضْرب بِهِ الْمثل فِي الصدْق لِأَن الله عز ذكره أثنى عَلَيْهِ بِصدق الْوَعْد فَقَالَ ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب إِسْمَاعِيل إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد وَكَانَ رَسُولا نَبيا﴾

وَكَانَ الْعَلَاء بن صاعد وعد البحترى مائَة دِينَار يصله بهَا فَلَمَّا حصل مِنْهَا على الْخلف كتب إِلَيْهِ أبياتا مِنْهَا

الْمِائَة الدِّينَار منسيةفِي عدَّة أوسعتها خلفا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لي سيد قد سامني الخسفا»
لَا صدق اسماعيل فِيهَا وَلَاوَفَاء إِبْرَاهِيم إِذْ وفى
للشاعر البحتري، من قصيدة «لي سيد قد سامني الخسفا»
إِن كنت لَا تنوى نجاحالهافَكيف لَا تجعلها ألفا

(نَاقَة صَالح) هى نَاقَة الله الَّتِي تقدم ذكرهَا فِي الْبَاب الأول وَيُقَال لَهَا نَاقَة صَالح وَكَثِيرًا مَا يضْرب الْمثل بهَا من يُنَبه على بَرَاءَة ساحته أَو خفَّة جرمه فَيَقُول (إنى لم أعقر نَاقَة صَالح)

(رُؤْيا يُوسُف) تضرب مثلا للرؤيا الصَّحِيحَة الصادقة إِذْ كَانَ ﵇ رأى فِي الْمَنَام وَهُوَ ابْن اثنتى عشرَة سنة أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر لَهُ سجدا فَلَمَّا قصها على أَبِيه يَعْقُوب ﵇ قَالَ لَهُ ﴿يَا بني لَا تقصص رُؤْيَاك على إخْوَتك فيكيدوا لَك كيدا إِن الشَّيْطَان للْإنْسَان عَدو مُبين﴾ فَلَمَّا كَانَ من شَأْنه مَا كَانَ وَملك مصر وَدخل عَلَيْهِ إخْوَته

وَأَبَوَاهُ خروا لَهُ سجدا قَالَ ﴿يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾

وَلما قَالَ المهدى لِعبيد الله بن أَبى عبيد الله الْكَاتِب وَكَانَ مُتَّهمًا بالزندقة قد رَأَيْت لَك رُؤْيا قبيحة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيست برؤيا يُوسُف فَغَضب المهدى وَأنْشد

ومطلع من نَفسه مَا يسرهعَلَيْهِ من اللحظ الخفى دَلِيل
إِذا الْمَرْء لم يبد الذى فى ضَمِيرهففى اللحظ والألفاظ مِنْهُ رَسُول

(ذِئْب يُوسُف) يضْرب مثلا لمن يرْمى بذنب جناه غَيره وَهُوَ برىء الساحة مِنْهُ قَالَ أَبُو عبيد الله بن الْحجَّاج الْكَاتِب

قد أذْنب الْقَوْم وألزمتهكَأَنَّهُمْ أَوْلَاد يَعْقُوب
إِذْ جعلُوا يُوسُف فِي جبهوأوقعوا الذَّنب على الذيب

قَالَ الجاحظ قَالَ أَبُو عَلْقَمَة إِن اسْم الذِّئْب الذى أكل يُوسُف رغمون فَقيل لَهُ إِن يُوسُف لم يَأْكُلهُ الذِّئْب وَإِنَّمَا كذبُوا عَلَيْهِ وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وجاؤوا على قَمِيصه بِدَم كذب﴾ قَالَ فَهَذَا اسْم الذِّئْب الذى لم يَأْكُلهُ قبل فينبغى أَن يكون هَذَا الأسم لجَمِيع الذئاب فَإِن الذئاب كلهَا لم تَأْكُله

وللبديع الهمذانى من فصل لَهُ كذب الْقَمِيص لَا ذَنْب للذيب فى تِلْكَ الأكاذيب

(قَمِيص يُوسُف) أجْرى الله تَعَالَى أَمر يُوسُف من ابْتِدَائه إِلَى انتهائه على ثَلَاثَة أقمصة أَولهَا قَمِيصه المضرج بِدَم كذب والثانى قَمِيصه الذى

قد من دبر وَالثَّالِث قَمِيصه الذى ألْقى على وَجه أَبِيه فَارْتَد بَصيرًا وَلكُل من هَذِه الأقمصة مَوضِع من ضرب الْمثل وإجراء النادرة

فيروى أَن إخْوَة يُوسُف لما قَالُوا لأبيهم ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق وَتَركنَا يُوسُف عِنْد متاعنا فَأَكله الذِّئْب﴾ قَالَ لَهُم أرونى قَمِيصه فأروه إِيَّاه مضرجا بِالدَّمِ غير ممزق فَقَالَ تالله مَا رَأَيْت ذئبا أحلم من هَذَا وأرفق أكل ابنى وَلم يمزق قَمِيصه

وأنشدنى أَبُو عبيد الله المرزبانى فِي كِتَابه كتاب المستنير لأبى الشيص

وقائلة وَقد بصرت بدمععلى الْخَدين منهمر سكوب
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «وقائلة وقد بصرت بدمع»
أتكذب فِي الْبكاء وَأَنت خلوقَدِيما مَا جسرت على الذُّنُوب
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
جفونك والدموع تجول فِيهَاوقلبك لَيْسَ بِالْقَلْبِ الكئيب
نَظِير قَمِيص يُوسُف يَوْم جَاءُواعلى لباته بِدَم كذوب
فَقلت لَهَا فدَاك أَبى وأمىرجمت لسوء ظَنك بالغيوب
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وَأما الْقَمِيص الثانى فلأبى الْحَارِث جميز فِيهِ نادرة طريفة وهى أَنه رئى فِي ثِيَاب متخرقة فَقيل لَهُ أَلا يكسوك مُحَمَّد بن يحيى فَقَالَ لَو كَانَ لَهُ بَيت مَمْلُوء إبرا وجاءه يَعْقُوب وَمَعَهُ الْأَنْبِيَاء شُفَعَاء وَالْمَلَائِكَة ضمنا يطْلب مِنْهُ إبرة ليخيط بهَا قَمِيص يُوسُف الذى قدمن دبر مَا أَعَارَهُ إِيَّاهَا فَكيف يكسونى

ونظم هَذَا الْمَعْنى من قَالَ

لَو أَن دَارك أنبتت لَك واحتشتإبرا يضيق بهَا فنَاء الْمنزل
وأتاك يُوسُف يستعيرك إبرةليخيط قد قَمِيصه لم تفعل

وَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف

وَقد زعمت جمل بأنى أردتهاعلى نَفسهَا تَبًّا لذَلِك من فعل
سلوا عَن قَمِيص مثل شَاهد يُوسُففَإِن قميصى لم يكن قد من قبل

وَأما الْقَمِيص الثَّالِث فَهُوَ مثل سَائِر فِي لطف الْموقع كَمَا قَالَ أَبُو الطّيب المتنبى

كَأَن كل سُؤال فِي مسامعهقَمِيص يُوسُف فِي أجفان يَعْقُوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الخالدى للوزير المهلبى وَذكر معز الدولة

إِن غبت أودعك الْإِلَه حياطةوَإِذا قدمت أباحك الترحيبا
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة
وَيكون من مقة كتابك عِنْدهكقميص يُوسُف إِذْ أَتَى يعقوبا
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة

ولبلغاء المترسلين لاسيما أهل الْعَصْر مِنْهُم فِي التَّمْثِيل بِهَذَا الْقَمِيص نكت وغرر وَمن أحْسنهَا فصل للأمير السَّيِّد أَبى الْفضل من رِسَالَة إِلَى أَبِيه وصل كتاب مَوْلَانَا فعددت يَوْم وُرُوده عيدا أعَاد عهد السرُور جَدِيدا ورد طرف الحسود كليلا وَقد كَانَ حديدا وَلم أشبه فِي غهداء الرّوح ورد الشِّفَاء وتلاقى الرّوح بعد أَن أشفت على الْمَكْرُوه كل الإشفاء إِلَّا بقميص يُوسُف حِين تَلقاهُ يَعْقُوب من البشير وألقاه على وَجهه فَنظر بِعَين الْبَصِير فكم أوسعته لثما واستلاما والتقطت مِنْهُ بردا وَسلَامًا حَتَّى لم يبْق فِي الصَّدْر غلَّة إِلَّا بردتها وَلَا غمَّة فِي النَّفس إِلَّا طردتها وَلَا شَرِيعَة من الْأنس إِلَّا رويت مِنْهَا وَقد وردتها

وَمِنْهَا فصل لبّى الْعَبَّاس الضبى وصل كتاب مَوْلَانَا فَكَانَ ﵀ عِنْد أَيُّوب وقميص يُوسُف عِنْد أجفان يَعْقُوب

(حسن يُوسُف) يضْرب بِهِ الْمثل فِي شعراء الْعَرَب والعجم

وفى الْخَبَر أَن يُوسُف أعْطى نصف الْحسن فَكَانَ النّصْف لَهُ وَالنّصف لسَائِر النَّاس وَمَا الظَّن عَن النسْوَة لما ﴿رأينه أكبرنه وقطعن أَيْدِيهنَّ وقلن حاش لله مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾

وَكَانَ أَبُو عِيسَى بن الرشيد أحسن أهل زَمَانه حَتَّى إِنَّه كَانَ أحسن من أَخِيه مُحَمَّد الْأمين وَهُوَ الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي الْحسن فَكَانَ يُقَال لأبى عِيسَى يُوسُف الزَّمَان وسيمر ذكره فِي مَوْضِعه من الْكتاب

(سنو يُوسُف يضْرب بهَا الْمثل فِي الْقَحْط والشدة وَكَانَت سبعا متواترة قَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ اشْدُد وطاتك على مصر وَابعث فيهم سِنِين كسنى يُوسُف) فَاسْتَجَاب الله دعاءه حَتَّى شووا الْجلد وأكلوا الْقد

وَمن قصَّة سنى يُوسُف أَنه كَانَ ﷺ قد أعد فى سنى الخصب من الْحِنْطَة وَالشعِير وَسَائِر الْحُبُوب فِي الأهراء والخزائن مَا يسع أهل مصر وَغَيرهم فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ السنون الشداد جعل يُوسُف يبيعهم فى السّنة الأولى بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير حَتَّى استغرق دَرَاهِم مصر ودنانيرها ثمَّ باعهم فِي الثَّانِيَة بالحلى والجواهر حَتَّى لم يبْق فِي أيدى النَّاس شىء مِنْهَا ثمَّ باعهم فى الثَّالِثَة بالمواشى وَالدَّوَاب حَتَّى أحتوى عَلَيْهَا كلهَا ثمَّ باعهم فِي الرَّابِعَة بالعبيد وَالْإِمَاء حَتَّى لم يبْق لأَحَدهم عبد وَلَا أمة ثمَّ باعهم فى الْخَامِسَة بالضياع وَالْعَقار والدور حَتَّى جمع بَين ملك مصر وملكها ثمَّ باعهم فِي السَّادِسَة بأولادهم حَتَّى استرقهم ثمَّ باعهم فى السَّابِعَة برقابهم حَتَّى لم يبْق بِمصْر حر وَلَا حرَّة إِلَّا صَار عبدا وَصَارَت أمة لَهُ ثمَّ إِنَّه ﷺ قَالَ إنى لم أملك مصر لأملك أَهلهَا

(حسن يُوسُف) يضْرب بِهِ الْمثل فِي شعراء الْعَرَب والعجم

وفى الْخَبَر أَن يُوسُف أعْطى نصف الْحسن فَكَانَ النّصْف لَهُ وَالنّصف لسَائِر النَّاس وَمَا الظَّن عَن النسْوَة لما ﴿رأينه أكبرنه وقطعن أَيْدِيهنَّ وقلن حاش لله مَا هَذَا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم﴾

وَكَانَ أَبُو عِيسَى بن الرشيد أحسن أهل زَمَانه حَتَّى إِنَّه كَانَ أحسن من أَخِيه مُحَمَّد الْأمين وَهُوَ الْمَضْرُوب بِهِ الْمثل فِي الْحسن فَكَانَ يُقَال لأبى عِيسَى يُوسُف الزَّمَان وسيمر ذكره فِي مَوْضِعه من الْكتاب

(سنو يُوسُف يضْرب بهَا الْمثل فِي الْقَحْط والشدة وَكَانَت سبعا متواترة قَالَ النَّبِي ﷺ (اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مصر وَابعث فيهم سِنِين كسنى يُوسُف) فَاسْتَجَاب الله دعاءه حَتَّى شووا الْجلد وأكلوا الْقد

وَمن قصَّة سنى يُوسُف أَنه كَانَ ﵇ قد أعد فى سنى الخصب من الْحِنْطَة وَالشعِير وَسَائِر الْحُبُوب فِي الأهراء والخزائن مَا يسع أهل مصر وَغَيرهم فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ السنون الشداد جعل يُوسُف يبيعهم فى السّنة الأولى بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير حَتَّى استغرق دَرَاهِم مصر ودنانيرها ثمَّ باعهم فِي الثَّانِيَة بالحلى والجواهر حَتَّى لم يبْق فِي أيدى النَّاس شىء مِنْهَا ثمَّ باعهم فى الثَّالِثَة بالمواشى وَالدَّوَاب حَتَّى أحتوى عَلَيْهَا كلهَا ثمَّ باعهم فِي الرَّابِعَة بالعبيد وَالْإِمَاء حَتَّى لم يبْق لأَحَدهم عبد وَلَا أمة ثمَّ باعهم فى الْخَامِسَة بالضياع وَالْعَقار والدور حَتَّى جمع بَين ملك مصر وملكها ثمَّ باعهم فِي السَّادِسَة بأولادهم حَتَّى استرقهم ثمَّ باعهم فى السَّابِعَة برقابهم حَتَّى لم يبْق بِمصْر حر وَلَا حرَّة إِلَّا صَار عبدا وَصَارَت أمة لَهُ ثمَّ إِنَّه ﵇ قَالَ إنى لم أملك مصر لأملك أَهلهَا

وَلم أبرهم لأجفوهم فَأعْتقهُمْ كلهم ورد عَلَيْهِم أَمْوَالهم وأملاكهم وَأَوْلَادهمْ فَذَلِك قَول الله ﷿ ذكره ﴿وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض﴾

(ريح يُوسُف) يضْرب مثلا فِيمَا يحس بِهِ من أثر الشىء السار كَمَا يحْكى أَن آدم بن عمر بن عبد الْعَزِيز اسْتَأْذن على يَعْقُوب بن الرّبيع وَهُوَ على الشَّرَاب فَأمر بِرَفْعِهِ وَأذن لَهُ فَلَمَّا دخل قَالَ ﴿إِنِّي لأجد ريح يُوسُف لَوْلَا أَن تفندون﴾ فَضَحِك يَعْقُوب وَأمر برد الشَّرَاب ونادمه يَوْمه

(عَصا مُوسَى) قَالَ الله ﷿ ﴿وَمَا تِلْكَ بيمينك يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عصاي أتوكأ عَلَيْهَا وأهش بهَا على غنمي ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى﴾

قَالَ الجاحظ من يَسْتَطِيع أَن يدعى الْإِحَاطَة بِمَا فِي قَول مُوسَى ﴿ولي فِيهَا مآرب أُخْرَى﴾ إِلَّا بالتقريب وَذكر مَا خطر على البال ولكننى سأذكر جملا تدخل فِي بَاب الْحَاجة إِلَى الْعَصَا فَمِنْهَا أَنَّهَا تحمل للحية وَالْعَقْرَب وَالذِّئْب والفحل الهائج فِي زمن هيج الفحول ويتوكأ عَلَيْهَا الشَّيْخ الدالف والسقيم المدنف والأقطع الرجل والأعرج فَإِنَّهَا تقوم مقَام الرجل الْأُخْرَى وتنوب للأعمى عَن قائده وتتخذ محراكا للتنور وهى لدق الجص والحشيش والسمسم ولخبط الشّجر وهى للقصار والمكارى فَإِنَّهُمَا يتخذان المخاصر من عصى قصار فَإِذا طَال الشوط وبعدت الْغَايَة استعانا فى عدوهما

وهرولتهما فى أَضْعَاف ذَلِك لاعتمادها على وَجه الأَرْض وهى تعدل من ميل المفلوج وتقيم من ارتعاش المحموم ويتخذها الراعى لغنمه وكل رَاكب لمركبه وَيدخل الرجل عَصَاهُ فى عُرْوَة المزود ويمسك بِيَدِهِ الطّرف الآخر وَرُبمَا كَانَ أحد طرفيها فِي يَد رجل والطرف الآخر فِي يَد صَاحبهَا وَعَلَيْهَا حمل ثقيل وَتَكون إِن شِئْت وتدا فِي حَائِط وَإِن شِئْت ركزتها فِي الفضاء قبْلَة وَإِن شِئْت جَعلتهَا مظلة وَإِن شِئْت جعلت فِيهَا زجا فَكَانَت عنزة وَإِن زِدْت فِيهِ فَجَعَلته سِنَانًا كَانَت عكازة وَإِن زِدْت فِيهَا شَيْئا كَانَت مطردا وَإِن زِدْت فِيهَا شَيْئا كَانَت رمحا وَإِن أردْت كَانَت سَوْطًا وسلاحا ومخصرة

وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بعصا مُوسَى فَأحْسن وأبدع ابْن الرومى حَيْثُ قَالَ

مديحى عَصا مُوسَى وَذَلِكَ أننىضربت بِهِ بَحر الندى فتضحضحا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «عقيد الندى أطلق مدائح جمة حبائس »
فياليت شعرى إِن ضربت بِهِ الصَّفَاأيبعث لى مِنْهُ جداول سيحا
كتلك الَّتِي أندت ثرى الأَرْض يَابساوأبدت عيُونا فى الْحِجَارَة سفحا
سأمدح بعض الباخلين لَعَلَّهإِن اطرد المقياس أَن يتسمحا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «عقيد الندى أطلق مدائح جمة حبائس »

وَلَو لم يفترع غير هَذَا الْمَعْنى الْبكر لَكَانَ أشعر النَّاس إِذْ شبه مديحه بعصا مُوسَى الَّتِي ضرب بهَا الْبَحْر فيبس وَضرب بهَا الْحجر فانبجس وَذَلِكَ ان ابْن الرومى مدح جوادا فبخل فَقَالَ سأمدح بَخِيلًا فَلَعَلَّهُ أَن يجود على هَذَا الْقيَاس

وَمن مليح مَا قيل فى عَصا مُوسَى قَول أَبى الطّيب الشعيرى من أهل الشَّام

قل لمن يحمل الْعَصَاحَيْثُ أَمْسَى وأصبحا
مَا حوتها يَد امرىءبعد مُوسَى فأفلحا) وظرف من قَالَ
علمت يَا مشاجع بن حارثهأَن الْعَصَا فى الوحل رجل ثَالِثَة

(نَار مُوسَى) تضرب مثلا للشىء الهين الْيَسِير يطْلب فيوجد بِسَبَبِهِ العلق النفيس وَالْغنيمَة الْبَارِدَة قَالَ ابْن عَائِشَة كن لما لَا ترجو أَرْجَى مِنْك لما ترجو فَإِن مُوسَى ذهب يقتبس النَّار فَكَلمهُ الْملك الْجَبَّار وَقد أعدت ذكر هَذِه النَّار فِي بَاب النيرَان من هَذَا الْكتاب

(يَد مُوسَى) يشبه بهَا مَا يُوصف بِحسن الْبيَاض وشعاع النُّور لقَوْل الله تَعَالَى فى قصَّة مُوسَى ﵇ ﴿اسلك يدك فِي جيبك تخرج بَيْضَاء من غير سوء﴾

قَالَ بعض أهل الْعَصْر فى الْغَزل

لَك صدغ كَأَنَّهُ قلب فِرْعَوْنوَوجه كَأَنَّهُ يَد مُوسَى
وفم قد أَتَى ببرهان عِيسَىفَهُوَ بالطيب مِنْهُ يحيى النفوسا
للشاعر أبو منصور الثعالبي، اقرأ القصيدة

واخترع ابْن طَبَاطَبَا العلوى فِي ذكر هَذَا الْبيَاض معنى آخر أحسن فِيهِ على إساءته قَالَ لأبى على بن رستم

أَنْت أَعْطَيْت من دَلَائِل رسل اللهآيا بهَا عَلَوْت الرءوسا
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
جِئْت فَردا بِلَا أَب وبيمناكبَيَاض فَأَنت عِيسَى ومُوسَى

(بَقِيَّة قوم مُوسَى) يضْرب بهم الْمثل فى الملال وَقلة الصَّبْر لأَنهم لم يصبروا على طَعَام وَاحِد كَمَا قَالَ الشَّاعِر

وَقوم مُوسَى فى الزَّمَان البائدلم يصبروا على طَعَام وَاحِد

وَقَالَ أَبُو نواس

أتيت فؤادها أَشْكُو إِلَيْهِفَلم أخْلص إِلَيْهِ من الزحام
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «ومظهرة لخلق الله نسكا»
فيامن لَيْسَ يكفيها خَلِيلوَلَا ألفا خَلِيل كل عَام
أَرَاك بَقِيَّة من قوم مُوسَىفهم لَا يصبرون على طَعَام) وَقَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
يَا قوم لم أهجركم لملالةحدثت وَلَا لمقال واش حَاسِد
لكننى جربتكم فوجدتكملَا تصبرون على طَعَام وَاحِد

(لطمة مُوسَى) تضرب مثلا لما يسوء أَثَره وفى أساطير الْأَوَّلين أَن مُوسَى سَأَلَ ربه أَن يُعلمهُ بِوَقْت مَوته ليستعد لذَلِك فَلَمَّا كتب الله لَهُ سَعَادَة المحتضر أرسل إِلَيْهِ ملك الْمَوْت وَأمره بِقَبض روحه بعد أَن يُخبرهُ بذلك فَأَتَاهُ فى صُورَة آدمى وَأخْبرهُ بِالْأَمر فَمَا زَالَ يحاجه ويلاجه وَحين رَآهُ نَافِذ الْعَزِيمَة فى ذَلِك لطمه فَذَهَبت مِنْهَا إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَهُوَ إِلَى الْآن أَعور وَفِيه قيل

يَا ملك الْمَوْت لقِيت مُنْكرالطمة مُوسَى تركتك أعورا

وَأَنا برىء من عُهْدَة هَذِه الْحِكَايَة

(خَليفَة الْخضر) يُقَال للرجل إِذا كَانَ جوالا فى الْأَسْفَار جَوَابا للأفاق فلَان خَليفَة الْخضر كَمَا قَالَ أَبُو تَمام فى نَفسه

خَليفَة الْخضر من يأوى إِلَى وَطنفى بَلْدَة فظهور العيس أوطانى) ثمَّ قَالَ
بِالشَّام قومى وبغداد الْهوى وَأَنابالرقتين وبالفسطاط إخوانى
وَمَا أَظن النَّوَى ترْضى بِمَا صنعتحَتَّى تُسَافِر بى اقصى خُرَاسَان

قَالَ القاضى ابو الْحسن على بن عبد الْعَزِيز أما الْخضر فَالنَّاس فى امْرَهْ فريقان مُنكر ومكذب ومقر ومصدق ومعظم أهل الشَّرَائِع والنبوات يثبت عينه وَإِن اخْتلف فى نَعته وَإِنَّمَا يُنكره خَواص من متكلمى الْإِسْلَام ومتخصصى الْملَل فَأَما عوام ملتنا والسواد الْأَعْظَم من أهل الكتابيين وَالْمَجُوس فهم على افْتِرَاق الْمذَاهب بهم فى اسْمه وَصفته وفى زَمَانه ومدته مطبقون على إِثْبَات عبد لله صَالح حى على الدَّهْر مَمْدُود لَهُ فى الْأَجَل جوال فى الأَرْض مغيب الشَّخْص عَن الْأَبْصَار وَرُبمَا تجَاوز جهال هَذِه الْأُمَم إِلَى تثبيت أُمُور هى أبعد من الْعُقُول وأذهب فى طَرِيق الاستحالة كاستتاره عَن الْعُيُون وَهُوَ حَاضر وقصورها عَنهُ وَهُوَ شَاهد وقطعه الْأَمْكِنَة الْبَعِيدَة فى الْأَزْمِنَة الْيَسِيرَة وتصوره عِنْد ذكر كل من ذكره ومثوله بِحَضْرَة كل من دَعَا باسمه وَإِن اخْتلفت بهم الْأَمَاكِن وَتَبَاعَدَتْ بَينهم الْمسَافَة حَتَّى إِنَّه ليَكُون فى أقْصَى الْمشرق وَعند مُنْتَهى الْعِمَارَة وفى مُنْقَطع الترب ومسقط الشَّمْس من آخر الْمغرب فى وَقت وَاحِد وَرُبمَا طوى مَا بَينهمَا فى قدر رَجَعَ الْبَصَر وزمان امتداد الطّرف إِلَى أكاذيب شنيعة وحماقات عَجِيبَة وَرب سَفِيه ماجن وخليع مارد قد استغوى ضعفه قوم فأعد لَهُم أثرا فى صَخْرَة أَو موطىء قدم على صفحة أَرض فَادّعى أَن رجلا حسن الْهَيْئَة والشارة جميل الرواء والسحنة عطر الثَّوْب وَالْبزَّة قد ظهر فى مَوضِع كَذَا أَو على جبل كَذَا ثمَّ أَرَاهُم ذَلِك الْأَثر فَلم يشك الْقَوْم أَن الْخضر ظهر لَهُ وَأَن نعْمَة من الله أهديت إِلَيْهِ وكرامه من كراماته أفيضت عَلَيْهِ فاتخذوا ذَلِك الماجن إِمَامًا وَتلك الْبقْعَة مشهدا ومثابا

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع