من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ديارات الأساقف (٢)
الصفحة ١ من ٢
وقد ذكره أبو الفرج، وقال فيه الثرواني:
خليلي من تيم وعجل، هديتما!أضيفا بحث الكأس يومي إلى أمسي!
وإن أنتما حيّيتمانى تحيّةفلا تعدوا ريحان قلاية القس!
إذا مابه حيّيتمانى، فاخلواحميدين دوني بالخلوق وبالورس!
وإن قلتما: لا بدّ من شرب دائرولم تعذرانى في مطال ولا حبس
فمن قهوة حيريّة راهبيّةعتيقة خمس أو تزيد على خمس
تجرّ على قرع المزاج إزارهاوتختال منه في مصبّغة الورس
دير حنّة الكبير: قال الخالدي: هو بالحيرة في الأكيراح، غير دير حنة الذي قدّمنا ذكره. يقال إنه بنى حين بنيت الحيرة: وكان من أنزه الدّيرة، لكثرة بساتينه وتدفق مياهه.
حكى جحظة عن بعض أهل الحيرة، قال: اجتاز بنا عمر بن فرج الرّخجي، منصرفا من الحجّ. فتلقيناه وأعظمناه، وسرنا معه. فلما اجتاز بدير حنة، سألنا عنه فعرّفناه به. فقال، من ذا الذي يقول:
يا دير حنة من ذات الأكيراح!
فقال له الحسين بن هشام الحيري: هذا لأبي نواس. أفتحبّ أن أنشدك لشاعرنا الثّرواني شيئا يقرب من هذا المعنى، في هذا الدير؟ قال: قل.
فأنشده:
على الرّيحان والرّاحوأيّام الأكيراح
وإبريق كطير الماء في لجّة ضحضاح
سلام يسكر الصاحيوما فيه فتى صاح!
ومن لي فيه بالسّلوة عن وجه ابن وضّاح؟
غزال صيغ من فتنة أبدان وأرواح!
إذا راح إلى البيعة في أثواب أمساح
ففي كفّيه إفساديوفي كفّيه إصلاحي!
قال: فاستحسن الأبيات وأمر كاتبا معه بكتبها. وخلع على الحسين ابن هشام، وأجازه.
وحكى جحظة قال: زرت إبراهيم بن المدبر، وكان بالكوفة. فأكرمني وأنس بي. وأقمت عنده ثلاثة أشهر. فجرى يوما ذكر دير حنّة، فقال ابن المدبر: والله إني لأحبّ أن أراه وأشرب فيه، فقد ذكر لي حسنه! فأين هو من الحيرة؟ فدلّه إسحاق بن الحسين العلويّ عليه وقال له: في هذه الأيام ينبغي أن يقصد. لأنها أيام ربيع ورياض معتمّة بالزهر، والغدران. والبادية بقربه، فلن نعدم أعرابيا فصيحا يصير إلينا، ونحن فيه، فيهدي إلينا بيض نعام، ويجني لنا الكمأة.
فتقدّم ابن المدبر إلى غلمانه بإعداد ما يحتاج إليه. وخرج وخرجت حتى وافيناه. فإذا هو حسن البناء، والرياض محدقة به، ونهر الحيرة الذي يقال له الغدير بقرب منه. فضربت لنا خيم عنده. وخرج إلينا رهبانه، وحملوا إلينا مما عندهم من التّحف واللّطف. فأكلنا وجلسنا نشرب. وغنيته بشعر أبي نواس المتقدّم. فبينا نحن كذلك، إذا اجتاز بنا غلام حسن، عارضه كأنه بدر على غصن، معه مصحف من مصاحف النصارى، كامل العقل، ساحر اللحظ واللفظ. فشرب ابن المدبر على وجهه رطلا، وسقاه قدحا. واستأذنه الغلام في النهوض، وقال: معي مصحف لا تتمّ للرهبان صلاة إلا بحضوره. وهذا وقت صلاتهم، وقد ضربوا الناقوس منذ ساعة. وأخذ عليه العهد في الرجوع إليه وأمر له بمائة دينار. وعملت شعرا صنعت فيه صوتا. فما زال صوته طول مقامه.
وهو:
فديت من مرّ بنا مسرعايسعى إلى الدير بأسفاره!
خدمت ربّ الدير من أجلهحتّى كأنّي بعض أحباره
حذّرني النار ولم يدر مافي القلب والأحشاء من ناره
حيّرني تفتير أجفانهوحلّ عقدي عقد زنّاره
وأقمنا بمكاننا ثلاثة أيام، ثم عدنا إلى الكوفة وقد عملت في تلك الأيام وغنّيت فيه
وبالحيرة لي يومويوم بالأكيراح!
إذا عزّ بنا الماءمزجنا الراح بالراح!
وحكى الربيع عن بعض أهل الحيرة قال: كان في دير حنّة خمار يقال له مر عبدا، موصوف بجودة الخمر ونظافة الآنية وملاحة الحانة. فحكى مر عبدا قال:
ما شعرت يوما وقد فتحت حانوتي وجلست إلى جانب الهيكل، إلا بثلاثة فوارس قد أقبلوا من طريق السّماوة في البرّ، حتّى وقفوا علي، وهم متلثمون بعمائم الخزّ وعليهم حلل القصب. فسلّموا عليّ وأسفر أحدهم وقال: أنت مر عبدا، وهذا دير حنّة؟ قلت: نعم. قال: قد وصفت لنا بجودة الشراب والنظافة، فاسقني رطلا. فبادرت فغسلت يدي ثم نقرت الدّنان ونظرت أصفاها فبزلته.
فشرب، ومسح يده وفمه بالمنديل. ثم قال: اسقني آخر: فغسلت يدي وتركت ذلك الدّنّ وذلك القدح والمنديل ونقرت دنّا آخر. فلما رضيت صفاءه، بزلت منه رطلا في قدح، وأخذت منديلا جديدا. فناولته إياه فشرب كالأوّل. ثم قال:
اسقني رطلا آخر. فسقيته في غير ذلك القدح وغير ذلك المنديل. فشرب ومسح فمه ويده. وقال لي: بارك الله فيك! فما أطيب شرابك وأنظفك وأحسن أدبك! وما كان دأبي أن أشرب أكثر من ثلاثة أرطال. فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي إلى شرب رابع، فهاته! فناولته إياه على تلك السبيل. فشرب وقال: لولا أسباب تمنع من بيتك لكان حبيبا إليّ جلوسي يومي هذا فيه. وولّى منصرفا في الطريق الذي بدا منه. ورمى إلى أحد الراكبين اللذين كانا معه بكيس. فقلت وحق النصرانية! لا قبلته حتّى أعرف الرجل. فقال: هذا الوليد بن يزيد بن عبد الملك! وصفت له، فأقبل من دمشق حتّى شرب من شرابك ورأى ديرك والحيرة. ثم انصرف. فحللت الكيس فإذا هو أربعمائة دينار.
دير هند: (وهي بنت النعمان بن المنذر) بناه لها أبوها لتتعبد فيه. فلما فرغ منه، خرجت من قصر أبيها تريده. فأقامت في الطريق سنة تنزل المضارب في نزه وصيد. والمسافة بين قصر أبيها وبينه نحو الفرسخ. وشق له بشر بن مروان نهرا من الفرات. ولم يزل النهر يجري حتّى خرب الدير.
وحكي أن النعمان كان يصلي به ويتقرّب فيه، وأنه علق في هيكله خمسمائة قنديل من ذهب وفضة. وكانت أدهانها في أعياده من زنبق وبان وما شاكلهما من الأدهان، ويوقد فيه من العود الهنديّ والعنبر شيئا يجلّ عن الوصف.
وفيما حكى الكلبيّ أن النعمان دخله في بعض أعياده، فرأى امرأة تأخذ قربانا، أخذت بقلبه. فدعا الراهب الذي قرّبها وسأله عنها. فقال: هي امرأة حكم بن عمرو اللّخميّ. فلما انصرف النعمان دعا عدي بن زيد، كاتبه. وأوقفه على الخبر وقال له: كيف الحيلة؟ فقال له: إذا كان بكرة غد وحضر الناس الباب، فابدأ به في الإذن وأجلسه معك على سريرك. ففعل النعمان ذلك وأذن للناس بعده. فجعلوا يتعجبون. وانصرفوا. فقال النعمان لعديّ بن زيد: قد فعلت ما أشرت به، فمه؟ قال: إذا أصبحت فاكسه واحمله. ففعل. ثم قال:
اجعل حوائج العرب إليه. ففعل. ثم قال النعمان لعديّ بن زيد: قد طال هذا!
قال: إذا أصبحت، فإن عندك عشر نسوة، فطلق أبغضهنّ إليك. ثم قل له: قد طابت نفسي لك بما لم تطب به لولد ولا أخ. قد طلّقت لك فلانة، فتزوّجها.
ففعل ذلك. وخرج وهو لابس من حلل النعمان، ولديه ما حمله عليه. فجلس وحكم بين العرب، وعديّ بن زيد بالباب جالس. فقال له اللخميّ: ما أدرى ما أكافئ به الملك؟ فعل معي وفعل. فقال له عديّ: ما أقدرك على مكافأته! قال: وما هو؟ قال: طلق امرأتك كما طلق لك امرأته. قال: قد فعلت.
فأنفذها إلى النعمان. وفي ذلك يقول الشاعر:
علّقتها حرّة حوراء ناعمةكأنها البدر في داج من الظلم
ما في البريّة من أنثى تعادلهاإلا التي أخذ النّعمان من حكم!
وقد ذكره أبو الفرج وقال: هند بنت النعمان صاحبة هذا الدير، هي الحرقة. وهي التي دخلت على خالد بن الوليد. وآخر أمرها معه أنه أمر لها بمال ومعونة وكسوة. فقالت: مالي إليه حاجة. لي عبدان يزرعان مزرعة لي، أتقوّت بها ما يمسك رمقي. وقد اعتددت بقولك فعلا وبعرضك نقدا. فاسمع منّي دعاء أدعو به لك. كنا ندعو به لأملاكنا: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه!
قال: وهذا الدير يقارب دير بني عبد الله بن دارم بالكوفة، مما يلي الخندق.
وحكى الشابشتي: أن الحجاج قدم الكوفة فبلغه أن بين الحيرة والكوفة دير هند بنت النعمان، وهي متمكنة من عقلها ورأيها، فانظر إليها فإنها بقية.
فركب، والناس معه، حتّى أتى الدير، فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب:
فاطلعت من ناحية الدير. فقال لها: يا هند! ما أعجب ما رأيت؟ قالت: خروج مثلي إلى مثلك. لا تغترّن يا حجاج بالدينا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة لأبي:
رأيتك من تعقد له حبل ذمةمن الناس، يأمن سرجه حيثما ارتقى!
ولم نمس إلا ونحن أذلّ الناس وقلّ إناء امتلأ إلا انكفأ. فانصرف الحجاج مغضبا. وأرسل إليها من يخرجها من الدير، ويستأديها الخراج. فأخرجت، ومعها ثلاث جوار من أهلها. فقالت إحداهنّ:
خارجات يسقن من دير هندمعلنات بذلّة وهوان!
ليت شعري! أوّل الحشر هذاأم محا الدّهر غيرة الفتّيان؟
فشدّ فتى من أهل الكوفة على فرسه. فاستنقذهنّ من رسل الحجاج.
وتغيّب. فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى. فقال: إن أتانا، فهو آمن؛ وإن ظفرنا به، قتلناه! فأتاه. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الغيرة. فوصله وخلاه.
وكان سعد بن أبي وقّاص حين فتح العراق، أتى هندا، إلى ديرها.
فخرجت إليه وعرض عليها نفسه في حوائجها. فقالت: سأحييك بتحية كانت
ملوكنا تحيّا بها «شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا مسّتك يد استغنت بعد فقر، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا نزع عن كريم نعمة إلا جعلك سببا لردّها عليه!» قال: ثم جاءها المغيرة، لما ولاه معاوية الكوفة. فاستأذن عليها.
فقيل لها: الأمير على الباب! فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ فقال: لا. قالت: أفمن أولاد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ فقال: المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا.
قالت: والصليب! ما جئتني رغبة في مال، ولا شغفا بجمال. ولكن أردت أن تقول: نكحت ابنة النعمان. وإلا فأيّ فخر في اجتماع شيخ أعور وعجوز عمياء؟ اذهب! فبعث إليها فقال: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب. أمسينا وليس في العرب أحد إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض أحد إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت: اختصم إليه رجلان، أحدهما ينميها إلى إياد والآخر ينميها إلى بكر بن هوازن. فقضى بها للإيادىّ، وقال:
إنّ ثقيفا لم تكن هوازناولم تناسب عامرا ومازنا!
قال المغيرة: أمّا نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء!
دير اللّجّ وهو بالحيرة. مما بناه النعمان بن المنذر. وهو من أنزه دياراتها وأحسنها بناء: لما يطيف به من البساتين. وكان النعمان يأتيه يتعبّد فيه، ويستشفي به في مرضه. وفيه قيل:
يا ليلتي أطيب بها ليلةلو لم يكن قصّرها الطّيب!
بتنا بدير اللّجّ في حانةشرابها في الكاس مكبوب
يديرها ظبيّ هضيم الحشايحبّه الشّبان والشّيب
حتّى إذا ما الخمر مالت بناجرت أمور وأعاجيب
فما ترى ظنّك في شادنبات إلى جانبه ذيب
وقد ذكره أبو الفرج، فقال: كان النعمان يركب في كل أحد إليه، وفي كل عيد. معه أهل بيته خاصة من آل المنذر ومن ينادمه من أهل دينه. عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب، وفي أوساطهم الزنانير المحلاة بالذهب المفصصة بالجوهر. وبين أيديهم أعلام فوقها صلبان الذهب. فإذا قضوا صلاتهم، انصرف إلى مستشرفة على النجف. فيشرب فيه بقية يومه إلى أن يمسي، وخلع ووصل وحمل.
وكان ذلك أحسن منظر وأشرفه. وأنشد فيه قول الشاعر:
سقى الله دير اللجّ خيرا فإنّهعلى بعده منّي إلى حبيب!
قريب إلى قلبى بعيد مكانهوكم من بعيد الدار وهو قريب!
دير بني علقمة: وهو دير بناه علقمة بن عدي اللخمي، بالحيرة. وفيه
يقول عدىّ بن زيد، وفيه غناء:
نادمت في الدير بني علقماعاطيتهم مشمولة عند ما!
كأنّ ريح المسك في كأسهاإذا مزجناها بماء السّما
دير هند الأقدم: وهي هند الكبرى بنت الحارث بن عمرو بن حجر، الملك، أم عمرو بن المنذر، الملك.
وحكى محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي عن أبيه قال: دخلت مع يحيى ابن خالد، لما خرجنا مع الرشيد، إلى الحيرة. وقد قصدها ليتنزه بها ويرى آثار آل المنذر. فدخل دير هند الأكبر. وهو على طرف النجف: فرأى في جانب حائطه شيئا مكتوبا. فدعا بسلم فأحضر. وأمر بعض أصحابه بأن يصعد إليه، فيقرأه. فإذا فيه مكتوب:
إن بني المنذر عام انقضوابحيث شاد البيعة الراهب
تنفح بالمسك ذفاريهموعنبر يقطبه القاطب
والقزّ والكتّان أثوابهملم يجلب الصوف لهم جالب
والعزّ والملك لهم راهنوقهوة ناجودها ساكب
أضحوا وما يرجوهم طالبخيرا ولا يرهبهم راهب
كأنّهم كانوا بها لعبةسار إلى بين بها راكب
وأصبحوا في طبقات الثّرىبعد نعيم لهم راتب
شرّ البقايا من ترى منهم:قلّ وذلّ جدّه خائب!
فبكى الرشيد، حتى جرت دموعه على لحيته. وقال: هذه سبيل الدنيا وأهلها! وانصرف عن وجهه ذلك.
قبة الشّتّيق: وهي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاجّ. وبإزائها
قباب يقال لها السّكورة، جميعها للنصارى. وعيد الشعانين بها نزه. يخرج فيه النصارى من السكورة إلى القبة في أحسن زي، عليهم الصلبان وبأيديهم المجامر. والقسوس والشماسة على نغم واحد، متّفق في الألحان، إلى أن يقضوا بغيتهم. ثم يعودون على هيئتهم.
دير إسحاق: وهو بين حمص وسلمية. في موضع حسن نزه، على نهر جار. وحوله كروم ومزارع، إلى جانب ضيعة صغيرة، يقال لها جدر.
وهي التي ذكرها الأخطل في قوله:
عتّقتها حمص أو جدر
وفيه قال أبو عبد الرحمن الهاشمي السّلماني، من أهل سلمية:
وافق أخاك تجده خير رفيقإن كنت لست عن الصّبا بمفيق!
وإذا مررت بدير إسحاق فقل:جادتك غرّ سحائب وبروق!
دير يشبّه ماؤه بهوائهوهواؤه بلطافة المعشوق
وكتب أبو عبد الرحمن إلى أخيه من دير إسحاق:
أما طربت لهذا العارض الطّرب؟أما رأيت الصّبا والجوّ في لعب؟
تعانقا فكأنّ القطر بينهمامن فضة، وكأنّ الزهر من ذهب
ونحن في دير إسحاق ومجلسنايشكو مغيبك فاحضره ولا تغب
لنجعل اليوم عيدا في ملاحتهونقلب الهمّ بالأدوار في القلب
وقال فيه:
سلام على ليلة بالدّويرتقضّت كزائرة في الحلم!
أتتني في طيلسان الضياءولم تتقنّع بنور الظلم
يعارض فيها ابتسام البروقبروق دنان بها تبتسم
وصفراء لم تبق إلا النحيف منها الليالي وطول القدم
تمزّزتها في ثياب الدّجىإلى أن تجلّى الدّجى للهرم
نزلنا بها وسط مكسوّةمطارف من نسج أيدى الدّيم
سقاني ابن قسّيسها كأسهاعلى زورة من حبيب ألم
وقال فيه:
أتظما رياض الدير من صوب ماطرولم أقر ضيف الليل أجفان ساهر؟
وقلت: سقى الصحراء بين عواقصذوائبها في سفحه ونواشر!
رحيم بأطفال العروس يضمّهاإذا ما انثنت ضم الشّفيق المحاذر
فكم قلت للساقي، وقد فتح النّدىنواظرها: قم هاتها لا تناظر!
يحنّ إلى الدير اشتياقي كأنّمايريني الصّبا فيه بموقع ناظري
دير ميماس: وهو بين دمشق وحمص على نهر ميماس. وإليه نسب. وهو في رياض وبساتين، وعليه طواحين روميّة. ويزعم رهبانه أن به شاهدا من الحواريين.
وحكى العسقلاني أنه كان لديك الجنّ غلام يهواه، وكان شديد الوجد به.
فخدعه قوم ومضوا به إلى دير ميماس، وسقوه نبيذا. فبلغ ذلك الديك، فقلق.
وقال:
قل لهضيم الكشح ميّاسارتفع العهد من الناس!
يا طاقة الآس التي لم تمدإلا أذلّت قضب الآس!
وثقت بالكاس وشرّابهاوحتف أمثالك في الكاس!
في دير ميماس، ويا بعد مابين مغيثيك وميماس!
لا بأس مولاي على أنّهانهاية المكروه والباس!
فاله ودع عنك أحاديثهمسيصبح الذاكر كالناسي!
وحكي أن أبا نواس، لما دخل حمص مارّا بها، دعاه فتى من أدبائها إلى دير ميماس. ودعا معه أشجع السلمّي. فجلسوا يشربون، وأبو نواس ينشدهم، له
ولغيره. فقال أشجع
صبحت وجه الصّباح بالكاسولم تعقني مقالة الناس
ونحن عند المدام أربعةأكرم صحب وخير جلاس
ندير حمصيّة معتّقةعلى نسيم النّسرين والآس
ولم نرد مطربا ومنشدناأبو نواس في دير ميماس
دير محلّى: وهو بساحل جيحان، قريب المصيصة.
وحكى أبو نصر النحوي أن أبا خالد، الكاتب، اجتاز بهذا الدير، ومعه ابن أبي زرعة الدمشقيّ الشاعر. قال: فرأينا من حسن رياضه، وتدفّق مائه، وطيب هوائه، ونضرة أشجاره، منظرا حسنا. فقال ابن أبي زرعة: لقد حظر علينا أن نتجاوز هذا الموضع ولا نشرب فيه حتّى نموت سكرا. فقلت له: ويحك! أنا مبادر في مهمّ. فقال: ما قدّامك أهمّ من هذا. وثنى رجله، ونزل عن دابته.
فنزلنا. ثم أتانا الرهبان بتحايا الورد والياسمين والتفّاح. وأخرجوا إلينا شرابا عتيقا، في نهاية الصفاء والرقة، فابتعناه منهم. وأقمنا يومنا هناك في أنعم عيش وأحسنه. فلما أصبحنا، غدونا. فأنشدني ابن أبي زرعة لنفسه:
دير محلّى محلّة الطربوصحنه صحن روضة الأدب
والماء والخمر فيه قد سبكاللصفو من فضّة ومن ذهب
لا ودموع الغمام روّق ذاوتلك لم تعتصر من العنب
وورده في الغصون تيمنيحسنا وتفّاحه يبرّح بي
فلا تلمّني إذا جعلت إلىحاناته ما حييت منقلبي
رضيت أن أغتدي بلا نشبويغتدي وهو قد حوى نشبي
دير مار مروثا: وهو دير صغير، بظاهر حلب، في سفح جبل جوشن، على نهر العوجان
وكان سيف الدولة محسنا إلى أهله. وقلّما مرّ به إلا نزله، ووهب لأهله هبة كبيرة. وكان يقول: رأيت أبي في النوم يوصيني به. وله بساتين قليلة ومباقل. وفيه نرجس وبنفسج وزعفران. ويعرف بالبيعتين، لأنه فيه مسكنين: للرجال والنساء.
قال الخالدي وإياه عنى الصنوبري بقوله:
ما بال أعلى قويق ينشر منوشي الربيع الجديد ما أدرجْ؟
كأنما اختيرت الفصوص لهبين عقيق وبين فيروزج
أما ترى البيعتين أفردتابمفرد الأقحوان والمزوج؟
أثوابه المزن كيف ما اتصلتوناره البرق كيف ما أجج
دير الرّصافة: هو بالشام، قريب رصافة هشام بن عبد الملك. وموضعه حسن. وفيه قيل:
نراك جزعت يا دير الرّصافةغداة تحوّلت عنك الخلافة!
فلا تجزع وتذري الدّمع حزنافإنّ لكلّ مجتمعين آفة!
وحكي أن أبا نواس مرّ به، فبات فيه. فلما رحل عنه، قال:
ليس إلا دير الرّصافة ديرفيه ما تشتهي النّفوس وتهوى
بتّه ليلة فقضّيت أوطارأو يوما ملأت قطريه لهوا
وقد ذكره أبو الفرج وقال: إن ابن حمدون حكى أن المتوكل لما أتى دمشق، ركب يوما إلى رصافة هشام، يزور دوره وقصوره. ثم خرج فأتى الدير. وهو من بناء الروم، حسن البناء، بين مزارع وأنهار. فبينا هو يدور، إذ بصر برقعة قد ألصقت في صدره. فأمر بها أن تقلع ويؤتى بها. فقلعت وإذا فيها:
أيا منزلا بالدير أصبح خاليا!تلاعب فيه شمال ودبور!
كأنّك لم تسكنك بيض أوانسولم تتبختر في فنائك حور
وأبناء أملاك عباشم سادةأصاغرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فضراغموإن لبسوا تيجانهم فبدور
ليالي هشام بالرّصافة قاطنوفيك ابنه يا دير وهو أمير
إذ العيش غضّ والخلافة لدنةوأنت طرير والزمان غرير
وروضك فينان يذوب نضارةوعيش بني مروان فيك نضير
رويدك إنّ اليوم يتبعه غدوإن صروف الدائرات تدور!
فلما قرأها المتوكل، ارتاع وتطيّر. وقال أعوذ بالله من شرّ أقداره! ثم دعا بالدّيراني وقال: من كتب هذا؟ قال: والله لا أدري. لأني منذ نزل أمير المؤمنين هنا، لا أملك من أمور هذا الدير شيئا. يدخله الجند والشاكرية. وغاية قدرتي أنّي متوار في قلايتى. فهمّ بضرب عنقه وإخراب الدير. فلم يزل به الفتح بن خاقان حتّى كفّ. ثم ظهر أن الذي كتبها رجل من ولد روح بن زنباع، صاحب عبد الملك، وأمه مولاة لهشام.
دير حمطورا: هو في شرقي طرابلس، في جانب الوادي. الذي أسفل من
طرزيه والحدث. وهو بناء في سفح الجبل. من ذلك الجانب، قبالة الطريق السالك إلى طرابلس. وهو حصين جدّا. لا يسلك إليه إلا من طريق واحد. وظهر الجبل الذي له ممتنع.
دير البنات: وهو دير أبيض البناء، مشرف على أرض طرابلس. له ذكر.
حكي أنّ الطّيّبي أتاه في يوم شعشعت شموسه، وأترعت كؤوسّه. وكان الفصل ربيعا قد استطال فيه النبات، وطلّ الحسن تلك البنات. وفيهنّ كل عذراء تدهش المتحيّر، وتحيّر المتخيّر. وكان قد صحبه غلام ذو عذار أخصب به البلد الماحل، وقذف موج الخدّ منه العنبر إلى الساحل. وطافت عليه قطائع المدام، وأمن شنائع الملام، وتقلّب بين غلامة وغلام. فقال:
دير البنات الزّهر أنت المنى!وأنت من دون الأماني المرام!
لم أنس يوما فيك أذهبتهتالله بل ذهّبته بالمدام!
ونحن في غرّة أيّامناوالعيش مثل الطّيف حلو اللّمام
والدّوح ما جفّت له زهرةوالروض طفل ما جفاه الغمام
وبيننا خود كشمس الضّحىوأغيد قد فاق بدر التّمام
لولا نبات الشّعر في خدّهلم تدر أيّ الأغيدين الغلام
دير كفتون: وهو ببلاد طرابلس. مبنيّ على جبل. وهو دير كبير. وبناؤه بالحجر والكلس، في نهاية الجودة. وبه ماء جار. وله حوض كبير مملوء من شجر النارنج. يحمل نارنجه إلى طرابلس، يباع بها. ويرتفق بثمنه الرّهبان. وله مستشرف مطلّ على البلاد والمزارع. ومنه مكان يشرف، على بعد، على البحر.
ولهذا الدير صيت جائل وسمعة مذكورة. وبه رهبان كثير والعدد.
والنصارى تقصده، وتحمل إليه النذورة. ويقصده كثير من أهل البطالة واللهو للتفرج به والتنزه فيه.
وفيه يقول الطيّبيّ:
أدير كفتون تكفى كلّ نائبةمن الهموم وتلقى كلّ سرّاء!
من كلّ خضراء في الأشجار مائسةوكلّ صهباء في الكاسات حمراء
حللت في دير كفتون فلا عجبإذ متّ سكرا بحمراء وخضراء!
دير القاروس: على جانب اللاذقية، من شمالها. وهو في أرض مستوية. وبناؤه مربع. وهو حسن البقعة.
وفيه يقول أبو علي حسن بن علي الغزّيّ:
لم أنس في القاروس يوما أبيضامثل الجبين يزينه فرع الدّجى!
في ظل هيكله المشيد وقد بداللعين معقود السّكينة أبلجا
واللاذقيّة دونه في شاطئبلوره قد زيّن الفيروزجا
ولدي من رهبانه متنمّسأضحى لفرط جماله متبرجا
أحوى أغنّ إذا تردّد صوتهفي مسمع ردّ احتجاج ذوي الحجى
لا شيء ألطف من شمائله إذاحثّ الشمول ولفظه قد لجلجا
فله ولليوم الذي قضيتهمعه بكائي لا لربع شجاء
دير فيق: وهو في ظهر فيق، بينها وبين بحيرة طبرية. في لحف جبل يتصل بالعقبة. منقور في الحجر. وهو عامر بمن فيه وبمن يرد عليه. والنصارى تقصده وتعظمه.
قال الشابشتي: ويزعم أنه أوّل دير عمل وأن المسيح ﵇ كان يأوي إلى ذلك الموضع الذي عمل به هذا الدير، ويجلس إلى ذلك الحجر. وكل من دخل من النصارى ذلك الموضع، كسر من ذلك الحجر: تبركا به. وعمل في هذا الدير موضع على اسم المسيح، ﵇.
قال: ولأبي نواس قصيدة، يذكر فيها هذا الدير ويخاطب فيها غلاما نصرانيا كان يهواه. منها:
بمعمودية الدّين العتيقبمر طبليطها، بالجاثليق!
تخجّل قاصدا ماسرجسانفدير النّوبهار فدير فيق!
وبالصلب اللّجين وقد تبدّتوبالزنّار في الخصر الدّقيق!
وبالحسن المركّب فيك إلارحمت تحيّرى وجفوف ريقي!
أما والقرب من بعد التّنائييمين فتى لقاتله عشيق!
لقد أصبحت زينة كلّ بكروعيدا مع جفائك والعقوق!
دير الطور: والطور جبل مستدير، متسع الأسفل، لا يتعلق به شيء من الجبال، وليس له إلا طريق واحد، بين طبريّة واللّجّون. مشرف على الغور والمرج وطبرية. نزه. وفيه عين تنبع بماء غزير. والدير في القبلة، مبنىّ بالحجر. وحوله كروم كثيرة، يعترونها. ويعرف بدير التجلّي. لأنّهم بزعمهم أن عيسى تجلّى فيه لتلامذته، بعد أن رفع حتّى أراهم نفسه وعرفوه.
وللمهلهل بن يموت بن المزرّع فيه:
مضيت إلى الطّور في فتيةسراع النّهوض إلى ما أحب
كرام الجدود، حسان الوجوهكهول العقول، شباب اللّعب
فأيّ زمان بهم لم يسرّوأي مكان بهم لم يطب؟
أنخت الرّكاب على ديرهوقضّيت من حقّه ما يجب
وأنزلتهم وسط أعنابهوأسقيتهم من عصير العنب
وأحضرتهم قمرا مشرقاتميل الغصون به في الكثب
نحث الكؤوس بأهزاجهومرسوم أرماله بالعجب
وما بين ذاك حديث يروقوخوض لهم في فنون الأدب
فياطيب ذا العيش لو لم يزلويا حسن ذا السعد لو لم يغب!
وأنشد له الشابشتي في نحو من مثل هذا الأرب، وقد دعا نوار الربيع إلى شرب ابنة العنب:
قد أبانت لي الرياض من الزّهر غريب الصّنوف والألوان
وبدا النّرجس المفتّح يرنومن جفون الكافور بالزّعفران
وقف الطّلّ في المحاجر منهاثم ماست فانهلّ مثل الجمان
يا غلام اسقني فقد ضحك الوقت وقد تمّ طيب هذا الزمان!
أدن مني الدّنان! صبّ الأباريق! استحثّ الكؤوس! صفّ القناني!
بادر الوقت واغتنم فرص العيش ولا تكذبّن فالعمر فان!
وكذلك أنشد له قوله:
زمان الرّياض زمان أنيقوعيش الخلاعة عيش رقيق!
بهار بهير به غيرةعلى نرجس وشقيق شقيق
مداهن يحملن طلّ النّدىفهاتيك تبر وهذي عقيق!
فبادر بنا حادثات الزّمانفوجه الحوادث وجه صفيق!
وقوله في مثله:
قد قدّمت للسرور أثقالوحثّ شهر الصّيام شوّال
وأقبل الليل لابسا حللامسكيّة ما لهنّ أذيال
واهتزّ عود وحنّ من طربشوق وغنّت بالراح أرطال
فاغتنموا فرصة الزّمان ولاتفرّطوا فالزّمان مغتال!
دير المصلّبة: وهو بظاهر مدينة القدس الشريف، في شامها بغرب. وهو دير رومي قديم البناء، بالحجر والكلس. محكم الصنعة، مونق البقعة. في بحيرة
من أشجار الزيتون والكروم وشجر التين؛ بإزاء قرية، تجري على الدير بمرسوم السلطان.
وهذا الدير دخلت إليه ورأيته. وفيه صور يونانية في غاية من محاسن التصوير، وتناسب المقادير. وصعدت إلى سطحه، فرأيت له حسن مشترف وسعة فضاء. ورهبانه من الكرج.
وقد كان أخذ هذا الدير، وجعل مسجدا للمسلمين، وأعلن فيه بالأذان وأقيمت الصلاة. ثم أعيد ديرا للنصارى، وضرب فيه بالناقوس وأظهرت فيه كلمة الكفر وتوصّل إلى هذا بكتاب أحضر من ملك الكرج، وأعانه عليه قوم آخرون.
ورأيت عند الحافظ العلامة أبي سعيد العلائي وعند سائر العلماء والصلحاء ببلاد القدس، من إعادته إلى النصارى ما هو قذى عيونهم إلى أن يتخلى، وشجى حلوقهم إلى أن يستردّ. وعليّ لله نذر إن وصلت يدي إلى
هذا لارددتها حتّى يردّ! ولهذا القصد، شهد الله العظيم، قصدته.
وحدثني رهبانه بأن على ديرهم وقوفا في بلادهم، منها خيول سائمة تحمل أثمان نتاجها إليهم، وأنه يجيء منها في كل سنة قدر جليل، وأنها تنفق في مصالح الدير وابن السبيل.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع