من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ديارات الأساقف (٢)
الصفحة ٢ من ٢
وفيه يقول أبو علي حسن الغزّيّ:
يا حسن أيام قطعت هنيئةبالدير حيث التّين والزّيتون!
دير المصلّبة الرفيع بناؤهتفدي عبير ترابه دارين!
في ظلّ هيكله وأسراب الدّمىمجلوّة والمرمر المسنون
ومزنّرين إذا تلوا إنجيلهموتعطّفوا فحمائم وغصون
غزلان وجرة هم وبين جفونهملأسود بيشة إن عرضن عرين
نزعوا القلانس والمسوح فزخرفتمنهن عن غرر الشّموس وجون
وسعوا بكاسات المدام وما درواأن للكؤوس الدائرات جنون
فقضيت بينهم زمانا لم يزلعندي إليه تشوّق وحنين
تلك المنازل قد سفحن مدامعيلا مصر قاطبة ولا جيرون!
دير السّيق: قبلي البيت المقدّس. على نشز عال، مشرف على الغور، غور أريحا. يطلّ على البسائط الخضر ومجرى الشريعة. وبه رهبان ظراف أكياس، ولا يأتيهم إلا قاصد لهم أو مارّ في مزارع الغور. تحتهم وفوقهم الطريق الآخذة إلى الكثيب الأحمر. وقبر موسى ﵇ في القبة التي بناها عليه الملك الظاهر بيبرس.
وفي هذا الدير ومشترفه، وأطلال قلاليه وغرفه، قلت:
أرى حسن دير السّيق يزداد كلّمانظرت إليه والفضاء به نضر!
بنوه على نجد على الغور مشرفكتخت مليك تحته بسط خضر
وأشرق في سود الغمام كأنّماتشقّق ليلا عن جلابيبه الفجر
وقام على طود علىّ كأنمامصابيحه تحت الدّجى الأنجم الزّهر
وزفّت إليه الشمس من جنب خدرهاوناغاه جنح الليل في أفقه البدر
وألقت إليه الريح فضل عنانهاوأحنى عليها لا تبلّ له عذر
ولو كان كالنّسرين هان ارتقاؤهولكنّه قد حطّ من دونه النّسر
علا نهر ريحا والمجرّة فوقهفمن فوقه نهر ومن تحته نهر
دير الدّواكيس: شرقي القدس. وهو دير حسن البناء. له بين النصارى سمعة وذكر. ولا أعرف بانيه، ولا وقفت له على اسم، ولا على السبب الذي سمّى به بهذا الاسم. غير أن له وقفا يعود منه على الرهبان السكان جليل فائدة ونفع.
وقد مررت به غير مرة في أسفارى، وخرج إلىّ رهبانه بميسور ما عندهم.
وفيه قلت:
أنخ بليل على دير الدّواكيسوانصت إلى قرع هاتيك النّواقيس!
واحبس مع العيسوىّ الرّكب في طربطول الزمان ولا ترحل مع العيس!
وانظر مع الصّبح هاتيك الشّموس ضحىوخلّ عنك رباطات النواميس!
واسبأ من الدير خمرا كلّها ذهبكيلا نعدّك في حزب المفاليس!
وخلّ كلّ شحيح كنت تتبعه!فكّر تر الكيس في الإنفاق للكيس!
وانعم ولذّ بما قضّيت من وطروطر سرورا إلى تلك الطّواويس!
وقلت:
دير الدواكيس أم ريش الطّواويس؟أم الشّموس سنا تلك الشّماميس؟
مأوى المياسير لكن بعد أوبتهممنه يعدّون في حزب المفاليس!
فأنزل به وأقم فيما تريد وقلإملأ كؤوسي وفرّغ عندها كيسي!
واقدح زناد سرور من مدامتهفهذه النار من تلك المقابيس!
دير رمّانين: قال الخالدي: هو بالشام. ولا أدري في أيّ ناحية هو منها. ولكن قيل إنه كبير حسن عامر. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، قال: خرجت في بعض أسفاري إلى الشام، فدخلت أنطاكية. فبينا أنا في بعض أسواقها، إذ قبض علىّ بطريق من بطارقتها. ولم يكلمني حتّى أتى دارا فيها تراب وجندل. وإذا مسحاة وزنبيل. فقال: انقل هذا من ههنا إلى ههنا.
يشير في ذلك بيده. وتركني ومضى. فتقاصرت بي نفسي وخنقتني العبرة وقعدت، فلم أعمل شيئا. وكان أغلق علي باب الدار حين مضى. ثم عاد إلى بعد ساعة. وكان يوما شديد الحر. وإذا هو عريان، متّشح بسبنيّة يبين منها
جميع بدنه. فلما رأى التراب والجندل بحالهما، قبض علي وجمع يده وضرب بها لغدي، ضربة أقرح بها قلبي. فقلت: ثكلتك أمك، يا عمر! ما هذا
الاستخذاء للعلج؟ وأقبض عليه فأطرحه تحتي وآخذ المسحاة. فأضرب بها رأسه، ضربة فلقت بها دماغه. فمات. وبادرت هاربا من المدينة. وسرت من يومي وليلتي، فصبّحت ديرا، فدخلته. فلما رآني راهبه قال: أضيف أنت؟ قلت:
نعم. وكنت قد أعييت، فاضطجعت نائما ما شاء الله. ثم أيقظني الراهب وقال:
من أين أنت؟ قلت: من مكة. فصعّد نظره وصوبه. ثم قال: ما اسمك؟ قلت:
عمر. فأخرج كتابا عنده ونظر فيه، وأعاد في مرات. ثم وثب فقبل رأسي.
فقلت: ما حملك على هذا؟ فقال: هل ظهر عندكم رجل يذكر أنه نبي؟
وقد كان وقع لي شيء من خبر النبي، ﷺ. فقلت: قد سمعت بعض الناس يذكر ما سألت عنه. فقال: اعلم أنك وحق المسيح ستملك أكثر الأرض، وتخرج هرقل من الشام، وتغلب عليها. فاكتب لي أمانا، ولديري. فقلت: يا هذا! ما أدري ما تقول. فقال: هو ما أقوله لك، وأنت هو لا محالة. فجعلت أعجب منه وأدفع قوله، وهو يلحّ عليّ في سؤاله ذلك. فلما أطال، قلت: ما تريد؟ فقال:
كتابك. وأتاني بقطعة من أدم، فكتبت له ما أملاه عليّ من ترك الخراج والوصاة به. ولفّه مع كتابه ذلك. وأكرم مثوايّ. وبكّرت غاديا من عنده. فأسرج لي حمارة وقال اركبها. فإنك ما تمرّ بدير، فيراها راهبه إلا أكرمك. وإذا بلغت آخر دير يلي بلدك، فخلّفها عند سكّانه. وزودني وانصرفت.
فيقال إن عمر لما خرج إلى بيت المقدس، لقيه الراهب، وهو شيخ كبير، بكتابه وذكّره الأمر. فقال عمر: هذا كتبته في الجاهلية، وقد أتى الله بالإسلام.
ولا يحلّ لي تضييع فيء المسلمين. ولكنّي أقاطعك على خراجك بما فيه مصلحة لك ورفق بك. فقال: قد رضيت. فقاطعه على ما فيه رفق به.
قال الخالدي: ويقال إن الرهبان يتوارثون الكتاب إلى وقتنا هذا، وإن الولاة تمضيه لهم.
دير هزقل: قال الخالدي: هو بالشام، ولا أدري في قرب أي مدينة هو. وقد ذكره دعبل بن علي حين هجا أبا عبّاد، كاتب المأمون، فقال:
فكأنّه من دير هزقل مفلتحنق يجرّ سلاسل الأقياد
وحكى المبرّد قال: دخلت دير هزقل. وسألت رهبانه: هل فيه مجنون طيّب الكلام، نضحك أنا وصحبي منه؟ قالوا: هاهنا. وأومؤا إلى إيوان مرتفع في الدير. وقالوا: هم هناك. فإن أحببت النظر إليهم فامض ولا تدن من أحد.
ففعلت. ورأيت مراتبهم على قدر بلاياهم. وكان معي وقت دنوي منهم المتولي
على أمورهم. فلما رأوه معي امتثلوا. فرأيت شيخا منهم على حصير نظيف، ووجهه إلى القبلة، كأنه يريد الصلاة. فجاوزته إلى غيره. فقال: سبحان الله! أين السّلام؟ من ترى المجنون؟ أنا أم أنت؟ فاستحييت منه وسلّمت. فقال: لو كنت بدأتنا، لأوجبت علينا حسن الردّ. على أنا نعتذر لك أن للداخل على القوم دهشة. اجلس، أعزك الله عندنا!. وأومأ إلى موضع من حصيره فنفضه، كأنه يوسّع لي. وعزمت على الدنو منه، فمنعني قيّمهم. فوقفت أستجلب مخاطبته.
فسألني. فقال: من أين أنت؟ قلت: من البصرة. قال: أتعرف المازني؟ قلت:
نعم. قال: أتعرف الذي يقول فيه:
وفتى من مازنساد أهل البصره
أمّه معرفةوأبوه نكره!
قلت: لا أعرفه. قال: أفتعرف غلاما قد نبغ في هذا العصر، معه دين. وله حفظ. وقد برّز في النحو، وصار يخلف صاحبه في مجلسه، يعرف بالمبرّد.
قلت: أنا عين الخبير به. قال: فهل أنشدك من عبثات شعره؟ قلت: لا أعرفه قال شعرا. قال: بلى، هو القائل:
حبّذا ماء العناقيد بريق الغانيات!
بهما ينبت لحميودمي أيّ نبات!
أيّها الطالب شيئامن لذيذ الشّهوات
كلّ بماء الورد تفّاح الخدود الناعمات!
قلت: أما تستحيي من إنشاد مثل هذا الشعر في الدير؛ فقال: سبحان الله.
هل تستحيي أن تنشد مثل هذا، حول الكعبة، دع عنك هذا. إني سمعت
الناس يقولون في نسبه. ثمّ لم يزل بي حتّى عرفني. ثم قال: أحوجتني إلى الاعتذار إليك، ثم قام إليّ ليصافحني. فرأيت القيد في رجله قد شدّ إلى خشبة في الأرض. فأمنت غائلته. ثم قال لي: يا أبا العباس! صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع. فليس يتهيّأ لك كلّ وقت مصادفة مثلي على مثل هذه الحالة الجميلة! أنت المبرّد! أنت المبرّد! وجعل يصفّق، وقد انقلبت عيناه وتغيرت حليته، فبادرت مسرعا، وخرجت.
دير يونس: حكى رجل من أهل أنطاكية قال: حدّثني أبي قال: نزلت مع الفضل بن إسماعيل بن صالح بن عبد الله بن العباس في دير يونس، ونحن خارجون إلى ناحية الرملة. فرأى فيه جارية حسناء، ابنة لقسّ كان فيه. فخدمته مدّة مقامه ثلاثة أيام، وجاءته بشراب صاف عتيق. فلما أراد الانصراف أعطاها عشرة دنانير ورحل. وقال في طريقه:
عليك سلام الله يا دير من فتىبمهجنه سوق إليك طويل!
ولا زال من نوء السّماكين وابلعليك بما يروى ثراك هطول!
يعلّك منها برهة بعد برهةسحاب بإحياء الرياض كفيل!
إذا بل أرضا دمعه بان منظربها لعيون الناظرين جميل
كأنّ البروق الوامضات بجوهصفائح تبر في السماء تجول
ألا ربّ ليل حالك قد صدعتهوليس معي غير الحسام خليل
ومشمولة أوقدت منها لصحبتيمصابيح ما يخبو لهن فتيل
تعللني بالراح هيفاء غادةيخال عليها للقلوب كفيل
تجول المنايا بينهنّ إذا غدتملاحظّها بين القلوب تجول
أيا ابنة قس الدير قلبي مدلهعليك وجسمي مذ بعدت عليل!
وفيه يقول أبو شاس:
يا دير يونس جادت سرحك الدّيمحتّى ترى ناضرا بالنور يبتسم!
لم يشف في ناجر ماء على ظمإكما شفى حر قلبي ماؤك الشبم
ولم يحلّك محزون به سقمإلّا تحلّل عنه ذلك السّقم
أستغفر الله كم لي فيك ذو غنججرى عليّ به في ربعك القلم
ويقول أيضا:
لا تعدلن عن ابنة الكرمبأبي ففيها صحّة الجسم!
لو لم يكن في شربها فرجإلا تخلّص من يد الهمّ!
ويقول أيضا أبو شاس:
أعاذل ما على مثلي سبيلوعذلك في المدامة مستحيل!
اليس مطيّتي حقوي غلامورحل أناملي كأس شمول؟
إذا كانت بنات الكرم شربيوقبلة وجهي الوجه الجميل
أمنت بذين عاقبة اللياليوهان علي ما نقل العذول!
دير بصرى هو بالشام. وقيل هو الذي كان فيه بحيرا، الراهب.
حكى المازنيّ، قال: نزلت بدير بصرى. فرأيت في رهبانه فصاحة، وهم عرب متنصّرة من طّيي، من بني الصادر. أفصح من رأيت. فقلت لهم: ما لي لا أرى فيكم شاعرا، مع فصاحتكم؟ فقالوا: والله! ما فينا رجل ينطق بالشعر، إلا أمة لنا كبيرة السّن. فقلت: جيؤوني بها. فجاءت، فاستنشدتها.
فأنشدتني لنفسها:
أيا رفقة من آل بصرى تحمّلتتؤمّ الحمى لقيت من رفقة رشدا!
إذا ما بلغتم سالمين فبلّغواتحية من قد ظن أن لا يرى نجدا
وقولوا: تركنا الصادري مكبّلابكبل هوى من حبكم مضمرا وجدا
فيا ليت شعري هل أرى جانب الحمىوقد أنبتت أجراعه بقلا جعدا؟
وهل أردنّ الدهر ماء وقيعةكأن الصّبا تسدي على متنه بردا؟
فوهبت لها دريهمات. وبتّ في ديرهم وأكرموا ضيافتي.
دير الخمّان: وهو دير ببلاد أذرعات مبني بالحجارة السّود، على نشز من الأرض. يشرف على بركة الفوار وهو من البناء الرومي القديم. أتيت عليه في أسفاري غير مرّة. ورأيت مرّة به غلاما قد خرج من كنيسته، كأنه الظبي الكانس. فقلت:
يادير عزّة في ربى الخمّانذرّت عليك السّحب بالهملان!
وسقتك كلّ غمامة هتّانةتحنو مواطرها على الكثبان!
لم أنس في اللذّات ساعة منزلبرباك فوق صفائح الغدران!
والصبح تحت ملاءة مرقومةنشرت عليه غرائب الألوان
وهناك كلّ كحيل طرف فاترتعزى لواحظه إلى الغزلان
قمر مسيحيّ كأنّ جبينهبدر الدّجى في النصف من شعبان
في وجنتيه جنيّ ورد أحمرقد سيّجوه بأخضر الرّيحان
ما شدّ زنّارا له في بيعةإلا وحلّ عزائم الرّهبان!
يسقي الشّمول ولا كريقة ثغرهسكرى بها وبطرفه الفتّان!
دير صليبا: ويعرف بدير السائمة. وهو بدمشق، مطلّ على الغوطة.
ويليه من أبوابها، باب الفراديس. نزل دونه خالد بن الوليد، أيام محاصرة دمشق. وهو في موضع نزه، كثير البساتين. وبناؤه حسن عجيب. وإلى جانبه دير للنساء، فيه رهبان ورواهب. وإيّاه أراد جرير بقوله:
إذا تذكّرت بالديرين أرّقنيصوت الدّجاج وقرع بالنواقيس
قال الخالدي: ومما يدلّ على أنه يلي باب الفراديس، قول جرير في هذا الشعر:
فقلت للرّكب إذ جدّ النّجاء بهميا بعد يبرين من باب الفراديس!
وأنشد فيه قول الآخر، وهو:
يا دير باب الفراديس المهيج ليبلابلا بقلاليه وأشجاره!
لو عشت تسعين عاما فيك مصطبحالما قضى منك قلبي بعض أوطاره!
وحكي أن الوليد بن يزيد كان كثير المقام في هذا الدير. يخرج إليه، ومعه حرمه، استحسانا له؛ وأنه كان يجلس في أيام مقامه فيه في صحنه كلّ يوم ساعة من النهار؛ ثم يأكل ويشرب في مواضع منه: طيبة حسنة.
وحكى الخالدي عن أحد من كان ينادمه، أنه دعا يوما بطعامه، وأمرني بالغداء معه؛ وحضر ندماؤه، وكان فيهم حنين، المغني. فنحن على المائدة، إذ قال له: يا حنين! غنيتني البارحة في آخر المجلس - وقد أخذ الشراب منّي - بشعر صاحبكم، عدي بن زيد، فلم أستكمل الطرب، لأجل سكري. فأعده علي الساعة. قال: فأخذ حنين رقاقه ووقع عليها وغنّى:
يا لبينى أوقدي النارا!إنّ من تهوين قد حارا!
ربّ ناربتّ أرمقهاتقضم الهندي والغارا!
عندها ظبي يؤجّجهاعاقد في الخصر زنارا!
قال: فطرب طربا عظيما، وأخذ رقاقه، وقام وترك الغداء، وجعل ينقر عليها مع حنين. وأخذ كلّ من على المائدة رقاقه، وجعلوا ينقّرون عليها مثله. ومضى
يطلب باب الدهليز، وحنين والندماء حوله. والحاجب قد جلس ينتظر جلوسه.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع