من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ديارات الأساقف (٣)
وقد حضر وجوه العرب. فلما رآه الحاجب على تلك الحال، صاح بالناس: الحرم! الحرم! انصرفوا! انصرفوا! فخرجوا. فقال له: يا أمير المؤمنين! وفود العرب تنتظر جلوسك، وأنت تخرج إليهم على تلك الحال! فقال: ثكلتك أمّك! أدخل.
ودعا له برطل. فحلف أنه ماذاقه قط. فقال: والله! لتشربنّ معي حتّى أسكر.
ولم يزل يسقيه، حتى مات سكرا وانصرف محمولا.
قلت: وهذا الدير اليوم لا عين له ولا أثر، وإنّما صار دورا وأبنية ومساجد ومدافن. وهي بناحية محلة حمّام النحاس. والله أعلم: وبهذه المحلة داري التي بنيتها ومساكني وهنّئتها!
دير بونّا: وهو بجانب غوطة دمشق. ليس بكبير، ولا رهبانه بكثير.
ولكنّه في رياض مشرقة، وأنهار متدفّقة. ويقال إنه من أقدم ديرة النصارى. بني بعد المسيح ﵇ بقليل. واجتاز به الوليد بن يزيد، فرأى حسنه وطيبه. فأقام فيه أياما في تخرّق ومجون. وقال فيه:
حبّذا يومنا بدير بونّاحيث نسقى براحه ونغنّى!
واستهنا بالناس فيما يقولون إذا خبروا بما قد فعلنا!
قلت: وهذا الدير لا وجود له. قد أقفرت الأرض منه من رسم وطلل، ومضى وحادث كل دير بعده جلل.
دير سمعان: قال الخالدي: هو بنواحي دمشق، بالقرب من الغوطة. على قطعة من الجبل، يطلّ عليها. وحوله بساتين وأنهار. وموضعه حسن جدّا. وهو من كبار الديرة. وعنده دفن عمر بن عبد العزيز، بظاهره.
قلت: وهذا غلط من الخالدي. وهكذا ذكره أبو الفرج. وغلط أيضا. فإنّ هذا الدير في قرية تعرف بالبقرة، من قبلي معرّة النعمان. وبه قبر عمر بن عبد العزيز، مشهور لا ينكر. وليس يسمع بدمشق لهذا الدير نابسة، ولا يعرف لمكانه في غوطته خضراء ولا يابسة.
عدنا إلى ما ذكره الخالدي. قال: ذكروا أنه دخله جرير في يوم عيد. فرأى النساء والصبيان يقبّلون الصلب ويسجدون لها، فقال:
رأيت بدير سمعان صليباتقبله الشّوادن والظّباء
تعظّمه القسوس وتحتويهفترشفه ويخنقها البكاء
فقلت لهم: مه! هل غير عودتملّكه اعوجاج واستواء؟
وذكر أن الوليد بن يزيد خرج متنزّها فيه. فأقام يصطبح ويغتبق معه ندماؤه ومغنّوه. فخرج يوما، غبّ سحاب. فنظر في صحن الدير غدران ماء، فاستحسنها. فنزل على أكبرها وأكثرها ماء. وقال: والله! لا أبرح حتّى أشرب هذا كله، مزاجا لكأسي. وشرب حتّى نام. فقال بعض أصحابه لبعض: لئن أقام حتى يفني الغدير، طال علينا مقامنا. فجعلوا يحملون ماءه بالليل ويصبّونه في الرمال. فخرج بعد يومين أو ثلاثة، فنظر إليه وقد فني ماؤه. فقال: أنا أبو العباس! وأمر بالرحيل إلى دمشق. ومما سمعته من والدي، لأحمد بن هلال، في صفة دير سمعان، مما مدح السيّد الرضي عمر بن عبد العزيز
يا ابن عبد العزيز لو بكت العين فتى من أميّة، لبكيتك!
أنت نزّهتنا عن السبّ والشّتم! فلو يمكن الجزا، لجزيتك!
قبر سمعان، لاعدتك الغوادي!خير ميت من آل مروان ميتك!
وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ تسبّب في إبطال السب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وأثبت في الخطبة، موضع السبّ، ﴿إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي اَلْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ اَلْفَحْشاءِ وَاَلْمُنْكَرِ وَاَلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
وقد ذكر أبو الفرج أن صاحب دير سمعان دخل على عمر بن عبد العزيز بفاكهة يطرفه بها في مرضه. فقبلها منه، وأمر له بدراهم. فأبى أن يأخذها. فما
زال حتّى أخذها. وقال: يا أمير المؤمنين! إنما هي من ثمر شجرنا. فقال عمر ﵀ وإن كان من ثمر شجركم! ثم قال: يا صاحب دير سمعان! إني ميت من مرضي هذا. فحزن وبكى. ثم قال له عمر: بعني موضع قبري من أرضك، سنة، فإذا جاء الحول، فانتفع به. وهذا الذي حكاه أبو الفرج مؤكد لقولنا.
دير مرّان: وهو بالقرب من دمشق، على تل في سفح قاسيون وبناؤه بالجصّ الأبيض. وأكثر فرشه بالبلاط الملوّن. وكان في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني. وقلاليّه دائرة به. وأشجاره متراكبة. وماؤه يتدفّق.
وحكي عن المبرد أنه قال: وافيت الشام - وأنا حدث في جماعة أحداث - لأكتب الحديث وألقى أهل العلم. فاجتزت بدير مرّان. فأحببت النظر إليه. فصعدناه، فرأيت منظرا حسنا. وإذا في بعض بيوته كهل مشدود حسن الوجه عليه أثر النعمة. فدنونا منه وسلّمنا عليه فردّ السّلام. وقال: من
أين أنتم، يافتيان؟ قلنا: من أهل العراق. قال: بأبي! ما الذي أقدمكم هذا البلد الغليظ هواؤه، الثقيل ماؤه، الجفاة أهله. قلنا: طلب الحديث والأدب. فقال:
حبّذا! أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا: فقال:
الله يعلم أنّنى كمدلا أستطيع أبثّ ما أجد!
روحان لي: روح تقسّمهابلد وأخرى حازها بلد!
وأرى المقيمة ليس ينفعهاصبر وليس يصونها جلد!
وأظنّ غائبتي كشاهدتيبمكانها تجد الذي أجد!
ثم أغمي عليه. فأفاق فصاح بنا فقال: أتنشدوني أم أنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا. فقال:
لما أناخوا قبيل الصبح عيرهمورحّلوا فتنادت بالهوى الإبل
وأبرزت من خلال السّجف ناظرهايرنو إليّ ودمع العين منهمل
فودّعت ببنان حمله عنمفقلت: لا حملت رجلاك! يا جمل
ويلي من البين ماذا حلّ بي وبهامن بارح الوجد! حلّ البين فارتحلوا!
إنّي على العهد لم أنقض مودّتهم!فليت شعري، لطول العهد ما فعلوا!
فقال له فتى من المجّان الذين كانوا معي: ماتوا. قال: فأموت؟ فقال له: مت. فتمطّى وتمدّد. وما برحنا حتّى دفنّاه. وللصنوبري فيه، من شعر يقوله:
أمرّ بدير مرّان فأحياوأجعل بيت لهوي بيت لهيا
صفت دنيا دمشق لمصطفيهافليس يريد غير دمشق دنيا!
مظلّلة فواكههن أبهىوأنضر في نواظرنا وأهيا!
فمن تفّاحة لم تعد خدّاومن رمانة لم تعد ثديا!
وقد ذكره أبو الفرج وقال: هو على تلعة مشرفة على زعفران ورياض حسان، نزله الرشيد وشرب فيه ونزله المأمون بعده. وكان الحسين بن الضحّاك مع الرشيد، لما نزله، فأمره أن يقول فيه شعرا، فقال:
يا دير مرّان، لا عرّيت من سكن!قد هجت لي حزنا، يا دير مرّانا!
حثّ المدام فإن الكاس مترعةمما يهيج دواعي الشوق أحيانا!
وأمر عمرو بن بانة، فغنّى فيه لحنين.
وحكي عن إبراهيم الموصلي أنه قال: مرّ الرشيد بدير مرّان فاستحسنه ونزله. وأمر أن يؤتى بطعام خفيف. فأتي به، فأكل؛ وأتي بالشراب والندماء والمغنّين. فخرج إليه صاحب الدير، وهو شيخ كبير هرم. فوقف بين يديه، ودعا له، واستأذنه في أن يأتيه بشيء من طعام الديارات. فأذن له فأتاه بأطعمة نظاف، وإدام في نهاية الحسن والطّيب. فأكل منها أكثر أكل. وأمره بالجلوس، فجلس معه يحدثه، وهو يشرب. إلى أن جرى ذكر بنى أميّة، فقال له الرشيد:
هل نزل بك أحد منهم؟ قال: نعم. نزل بي الوليد بن يزيد، وأخوه الغمر.
فجلسا في هذا الموضع، فأكلا وشربا وغنّيا. فلما دبّ فيهما السكر، وثب الوليد إلى ذلك الجرن فملأه وشربه، وملأه وسقى أخاه الغمر. فما زالا يتعاطيانه، حتى سكرا، وملآه لي دراهم. فنظر إليه الرشيد، فإذا هو عظيم لا يقدر على أن يقلّه، ولا يقدر على أن يشرب ملأه. فقال: أبى بنو أميّة إلا أن يسبقوا إلى اللذات سبقا لا يجاريهم أحد فيه. ثم أمر برفع النبيذ، وركب من وقته.
قلت: والناس في اختلاف: أين كان دير مرّان؟ فمن قائل إنه كان بمشارق السّفح، نواحي برزة. والأكثر على أنه كان بمغاربه، وأن مكانه الآن المدرسة المعظمية؛ وأما الذي كان بمشارق السّفح، فهو دير السائمة المسمّى دير صليبا.
وقد ذكرناه.
دير صيدنايا: وهما اثنان: أحدهما يقصده النصارى بالزيارة. هو في دمنة القرية. والآخر على بعد منها، مشرف على الجبل، شماليّها بشرق. وهو دير مار شربين ويقصد للتنزه. من بناء الروم بالحجر الجليل الأبيض. وهو دير كبير. وفي ظاهره عين ماء سارحه. وفيه كوى وطاقات تشرف على غوطة دمشق وما يليها، من قبليّها وشرقها. وفيها ما يطلّ على بواطن ما وراء ثنيّة العقاب.
ويمتدّ النظر من طاقاته الشماليّة إلى ما أخذ شمالا عن بعلبك.
وأما الذي في القرية، فمن بناء الروم بالحجر الأبيض أيضا. ويعرف بدير
السيدة. وله بستان. وبه ماء جار، في بركة عملت به. وعليه أوقاف كثيرة. وله مغلات واسعة. وتأتيه نذور وافرة. وطوائف النصارى، من الفرنج. تقصد هذا الدير وتأتيه للزيارة.
وكنت أراهم يسألون السلطان في أن يمكنهم من زيارته. وإذا كتب لهم زيارة قمامة ولم يكتب معها صيدنايا، يعاودون السؤال في كتابتها لهم. ولهم فيها معتقد.
والنصارى تزعم أنّ بها صدعا يقطر منه ماء، يأخذونه للتبرك. ويدعونه في أوان لطاف من الزّجاج، ويكسونها من فاخر الثياب. ولهم فيه أقوال كثيرة.
وسمعت نصرانية، كانت معروفة بينهم بالعلم، تقول: إن ذلك الماء إذا أخذ على اسم شخص وعلّق في بيته ثم ازداد مقداره عنده عما أخذه، دل على زيادة ماله وجاهه؛ وإذا نقص، دلّ على نقص ماله وجاهه وقرب أوان موته.
ورأيت هذا الماء، وله دهنيّة تشبه الشّيرج أو الزيت الصافي، وليس بهما وجاءت مرّة كتب ريدفرنس وكتب الأذفونش على أيدي رسلهم. ومما سألوا فيها تمكين رسلهم من التوجه إلى صيدنايا للتبرك بها. فأجاب السلطان سؤالهم وحمل الرسل على خيل البريد إليها.
ومما قلته فيه:
في جانب الدّير لنا منزلومنهل عذب به ننّهل
وشادن قد جاءنا أحورفي كفّه كأس له تشعل
وروضة تشرق أنهارهاقد شقّها في وسطها جدول
ومطرب تطرب ألحانهكأنّه إسحاق أو زلزل
فدونك الراح ففي دنّهاشهد في الطّعم بها فلفل
وافى بها في الكأس لكنّهاعذراء من خطّابها تخجل
دير شقّ معلولا: وهو بباطن جبّة عسّال. وهو بناء روميّ بالحجر الأبيض.
معلّق بسقيف. وبها صدع فيه ماء ينقط، نحو الذي بصيدنايا. ويأخذه النصارى للتبرك، معتقدين فيه نحو اعتقادهم في الآخر. وإنّما الاسم للذي بصيدنايا.
دير بلودان: وبناؤه قديم بديع الحسن. وافر الغلّة، كثير الكروم والفواكه
والماء الجاري. بقرية بلودان. وهي محاذية لكفر عامر، تطلّ من مشترفها على جنّة الزّبدانيّ، ببلاد دمشق. وبه رهبان نظاف، وغلمان من أبناء النصارى ظراف.
مررت عليه، ونزلت إليه. ورأيت به غلاما يفوق الظبي حسنا، ويشبه البدر
أو أسنى. بخصر نحيل، وطرف كحيل. قد قطع الزنار بين خصره وردفه، ونفث السحر بين جفنه وطرفه. ثم ما كان بأعجل مما استتر بدره، ولاح ثم خفي فجره.
فقلت فيه:
حبّذا الدير من بلودان داراأيّ دير به وأيّ نصارى!
فيهم كلّ أحور الطرف أحوىفائق الحسن في حياء العذارى!
وغلام رأيته كهلالمابدا للعيون حتّى توارى!
بقوام إذا تمايل نشوانا فألحاظ مقلتيه سكارى!
ناحل الخصر حلّ عقد اصطباريعند ما شدّ خصره الزّنارا!
قبل رؤياه ما رأيت غزالابات يسقي من مرشفيه العقارا!
دير نجران: وهو باليمن. وتسميه العرب كعبة نجران. وهو لبني الحارث بن كعب. وسيأتي ذكره في موضعه. ويقال إن بناءه أعجب بناء وأحسنه. على نحو عمارة غمدان، القصر المشهور. كان محجوجا. وبه الراهبان اللذان ذكرهما بعض شعراء العرب، في قوله:
أيا راهبي نجران، ما فعلت هند؟أقامت على عهدي؟ وأنّى لها عهد؟
إذا بعد المشتاق، رثت حبالهوما كل مشتاق يغيره البعد!
ولهذين البيتين غناء حسن.
وقد ذكره أبو الفرج الأصبهاني وقال: إنه كان لآل عبد المدان، سادة بني الحارث. قال: وكان أهل ثلاثة بيوت من اليمن نصارى، يتبارون في البيع وزيها وحسن بنائها: آل المنذر بالحيرة، وغسان بالشام، وبنو الحارث بن كعب بنجران، فتكون دياراتهم في المواضع الكثيرة الشجر والرياض والغدران، الشامخة البناء.
ويجعلون آلاتها من الذهب والفضّة، وستورها من الديباج. ويجعلون في حيطانها الفسافس، وفي سقوفها الذهب. وكان بنو الحارث على ذلك، إلى أن جاء الإسلام وفي كعبتهم هذه قال الأعشى:
وكعبة نجران حتم عليك حتّى تناخي بأبوابها!
نزور يزيد وعبد المسيحوقيسا، وهم خير أربابها!
إذا الحبرات تلوّت بهموجرّوا أسافل هدّابها،
وشاهدنا الجل والياسمين والمسمعات بقصّابها
وبربطنا معمل دائبفأيّ الثلاثة أزرى بها؟
قال: وفي هذا الشعر غناء حسن أخذه جحظة عن بنان. ولهذا الدير أخبار كثيرة، ليس هذا مكانها.
بيعة أبي هور: وهي بسر ياقوس. عامرة برهبانها، مسربة بفضة قناديلها وذهب صلبانها. كثيرة القلالي، مذهبة بالوقود جنح اللبالي. ولها أعياد مقصودة الأوقات، منتظرة الميقات.
حكى الشابشتي أن به - على ما ذكره أهله أعجوبة. وهي أنه من كانت به خنازير وقصد هذه البيعة للمعالجة، أخذه رئيسها وأضجعه. وجاءه بخنزير وأرسله على موضع العلة. فيلحس الخنزير موضع الوجع جميعه، ويأكل الخنازير التي فيه، لا يتعدّى ذلك إلى الموضع الصحيح. فإذا نظف الموضع، ذر عليه من رماد خنزير فعل مثل فعل الأوّل من قبل، ومن زيت قنديل البيعة فيبرأ. ثم يؤخذ ذلك الخنزير فيذبح، ويحرق، ويعدّ رماده لمثل هذه الحالة.
وقال: وهو إلى الآن كذلك، كما ذكروه. قال: ولهذه البيعة دخل عظيم ممن يبرأ من هذه العلة. وفيه خلق من النصارى.
دير يحنس: وهو بسنهور، من أعمال مصر. وهو عامر برهبانه، ناضر بسكّانه. قال الشابشتي: وقد ذكر بعض المتقدّمين أنه إذا كان يوم عيده، أخرج الرئيس الذي في الدير الشاهد في تابوته. ويسير التابوت على وجه الأرض، فلا يقدر أحد يمسكه، ولا يحبسه، حتى يرد البحر فيغطس فيه، ويرجع إلى مكانه.
وقال: كذلك قول المتقدّمين على أنه على هذه الحالة.
قلت: وهذه حكاية مكذوبة، لا صحة لها.
وإنّما الذي بلغني، وأنا بمصر تلك المدد الطويلة، أنه إذا كان أوان تحرّك النيل، يخرج تابوت، يقال إن فيه إصبع الشهيد، ويرمى في البحر. وذلك لوقت معلوم، يسمونه عيد الشهيد. ويكون الذي يرميه بعض أعزّاء كبراء القبط. عادة كنت أسمعها، لا تتغير. ويظنّ القبط أن رمي الإصبع سبب الزيادة. وإنّما هو بمشيئة الله وقدرته.
دير مريحنّا: وهو على شاطئ بركة الحبش. قريب البحر، إلى جانب بساتين الوزير. وهي التي أنشأ بعضها تميم بن المعزّ وأنشأ به مجلسا على عمد.
وقريب هذا الدير عين ذهبت بها الرمال.
قال الشابشتي: وهذا الموضع من معادن اللّعب والشّرب والطرب، نزه في أيّام النيل، وزيادة البحر، وامتلاء البركة. وكذلك هو في أيام الزرع. لا يكاد يخلو من المتنزهين. وقد ذكرته الشعراء. وفيه قال ابن عاصم:
يا طيب أيام سفحت مع الصباطوع الهوى فيها بسفح المنظر!
فالبركة الغناء فالدير الذيقد هاج فرط صبابتي وتفكّري
فاحثث كؤوسك يا غلام وأعفنيفلقد سكرت وخمر طرفك مسكري
وأرى الثريّا في السماء كأنّهاتاج تفصّل جانباه بجوهر
فاشرب على حسن الرياض وغننيوانظر إلى الساقي الأغن الأحور
فلعلّ أيّام الحياة قليلةولعلّني قدّرت ما لم يقدر
دير نهيا: ونهيا بالجيزة، وديرها هذا من أطيبها موضعا، وأجلها موقعا.
عامر برهبانه وسكّانه.
وله في النيل منظر عجب، لأنّ الماء يحيط به من جميع جهاته، ويزيد في حسن متنزّهاته. فإذا تصرّف الماء [وزرع] أظهرت أرضه غرائب النّوّار، وعجائب الزهور المشرقة الأنوار. وله خليج ينساب انسياب أرقم، وعليه شطوط كأنّها بالديباج ترقم.
وقال الشابشتي: وهو متصيّد ممتنع. وأنشد فيه لابن البصري:
أتنشط للشّرب يا سيديفيومك هذا دقيق الدّروز؟
فعندي لك اليوم مشويتانسرقتهما من دجاج العجوز!
أتنشط عندي على نبقتينعلى لوزتين، على قطر ميز؟
ونقصد نهيا وديرا لهابه منبت الورد والمرمحوز؟
ونشرب فيها برطل وجاموطاس وكأس وكوب وكوز؟
فعندي خشف رخيم الدّلالنشا في النّعيم ولبس الخزوز!
دير القصير: هو في أعلى الجبل، على سطح قنيّة من بلاد الفتح. وهو حسن البناء، نزه البقعة. وله بئر منقورة في الحجر.
وفي أعلاه غرفة بناها خمارويه بن طولون، تطلّ من كل جهة. وكان كثير الغشيان لهذا الدير.
والطريق إليه من جهة مصر صعب، ومن قبليّه سهل.
وإلى جانبه صومعة، لا تخلو من حبيس.
وإلى جانبه قرية تعرف بشهران. يقال إن أمّ موسى ﵇ منها ألقته
في التابوت، في البحر.
وبها دير آخر يعرف بدير شهران. وهو المعروف الآن بشعران.
قال الشابشتي: ودير القصير أحد الديارات المقصودة، والمتنزهات المطروقة:
لحسن موقعه وإشرافه على مصر وأعمالها. وفيه يقول محمد بن عاصم المصري:
إن دير القصير هاج ادكاريلهو أبامنا الحسان القصار
وكأني إذ زرته بعد هجرلم يكن من منازلي ودياري
إذ صعودي على الجياد إليهوانحداري في المنشآت الجواري
منزلا لست محصيا ما بقلبيولنفسي فيه من الأوطار!
منزلا من علوّه كسماءوالمصابيح حوله كالدراري
كم شربنا على التّصاوير فيهبصغار محثوثة وكبار
صورة من مصور فيه ظلّتفتنة للقلوب والأبصار
لا وحسن العينين والشفة اللمياء منها وخدها الجلناري
لا تخلّفت عن مزاري ديراهي فيه، ولو نأى بي مزاري
فسقى الله أرض حلوان فالنجد فدير القصير صوب العشار
كم تنبهت من لذاذة نوميبنعير الرّهبان في الأسحار
والنواقيس صائحات تنادي:حيّ يا نائما علي الابتكار!
وقال ابن ظافر: مضيت أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين (يعني ابن مجاور) والقاضي الأعز بن المؤيد في جماعة من أصحابنا إلى الدير المعروف بالقصير إيثارا لنظر تلك الآثار، فلما تنزهنا في حسن منظره تعاطينا العمل فيه على عادة الشعراء الذين قطعوا طريق الأعمار، بطروق الأعمار، وضيّعوا العين والعقار، في تحصيل العين والعقار. فقال الشهاب:
سقى الله يومي بدير القصيرقصير العزالي طويل الذّيول!
محلّ إذا لاح [لي] لم أقفبصحبي على حومل فالدّخول
فقلت:
فكم فيه من قمر في دجىّعلى غصن في كثيب مهيل!
بودّ صحيح وطرف سقيموروح خفيف وردف ثقيل!
فقال الأعزّ:
قطعت به العيش مع فتيةصباح الوجوه كرام الأصول!
بكلّ كريم قصير المراء حاز الّمعالي بباع طويل!
فقال الشهاب:
إذا قسّه سلّ سيف المدامفكم من سليب وكم من قتيل!
فقال الأعزّ:
وكم من خليع كريم الفعاليجدّد بالجود غيظ البخيل!
فقلت:
يوافيه ذا ذهب جامدفيفنيه في ذائب للشّمول
ثم صنع الشهاب:
على عمر القصير قطعت عمريوصنت خلاعتي وأرلت وفري!
فقال الأعزّ:
ولم أسمع لعمرك قول زيدإذا ما لامني أو قول عمرو
فقلت:
ظفرنا فيه من شفة وكأسبمشروبين: من ريق وخمر
فقال الشهاب:
ودافعنا يقين الرأي فيهبمظنونين: من خمر وخصر
فقال الأعزّ:
كسوت به الكؤوس البيض حمرامن القمص اشتريناها بصفر
فقلت:
وظلت بمأزق للهو أتلوبهزّ البيض فيه عناق سمر!
دير شعران: هو في حدود طرا، من ضواحي القاهرة القبليّة، في لحف الجبل الأحمر، المعروف بالمقطّم. وبناؤه بالحجر واللّبن. وعليه نخل. وبه جمائع من الرهبان. وهو من ديارات اليعاقبة.
حكي أن السّراج الورّاق مرّ عليه، فنزل به. فرأى به جماعة من أودّائه على راح. تقدح لهم أقداحها، وتهدى إليهم أفراحها. وكان السراج قد طفئت فتيلته من شعلة ذلك اللّهب، ونكرت قافيته صفرة ذاك الذهب. فأتاه بها الساقي فردّها، وواصلته في الكاس فصدّها. هذا حين نكّس الكبر صعدته، وأنفد العمر مدّته. وذكر بجلسائها فقد إخوانه، وذهاب زمانه. فلامه من حضر إذ صدّ الكاس، وقال: أمالك أسوة بهؤلاء الجلّاس؟ فقال:
عجب الساقي لردّي القدحاولأمر في التّصابي قدحا!
وأتانا بحميّا كأسهحيث جئنا دير شعران ضحى
قلت: باقرة عيني ربماغض طرف بعد ما قد طمحا!
لم أكن أول ولهان سلالا ولا أول نشوان صحب!
أشرب الراح أرجى فرحافيستبح الحظ منها ترحا!
سوء حظي لو رمى الصبح دجاأو رمى ليل عدار وصحا!
وخمول منطق بالشنم ليمن أرى دهرى له ممندحا؟
زاد في سبي إلى أن خلتهشهد الله به قد سبحا!
أنا ما ذنبي لحا الله امرألام في التوبة مستلي ولحا!
يا نديمي أنت للرّاح فدعنيأنزح الدمع إلى أن ينزحا!
هي أوقات وكلّ آخذمن صفا أوقاته ما سمحا!
حكى أن السّراج الوراق وأبا الحسين الجزار خرجا في عهد صباهما، والشباب أعقد حباهما، يريدان النزهة. فوجدا غلاما زامرا، يتمنّى منه اللقاء، ويجتمع فيه الغصن والورقاء. يتلفّت بصفحة القمر المنير، ويطرب كأنما زمره مما أوتى آل داود من المزامير. فلفتاه إليهما لأمر، وظنّا أنه ستلينه لهما الخمر. فأتيا به دير شعران، وصعدا إليه، فوجدا راهبا يصدع حبّه الفؤاد، ويطلع قمره ولا شيء أحسن منه في ذلك السواد. فزاد سرورهما بحصول الزامر والراهب، وأيقنا ببلوغ المآرب. فلما حميت فيهما سورة الحميّا، وظن كلّ منهما أنه قد حصّل له فراشه وتهيّا، فطن الزامر والراهب لمرادهما فتركاهما ومضيا قبل
التمام، وتركاهما وكلّ واحد منها يشكو ضجيعا لا ينام. فقال السراج:
في فخّنا لم يقع الطائرلا راهب الدير ولا الزامر
فقال أبو الحسين الجزار:
فسعدنا ليس له أولونحسنا ليس له آخر!
فقال السراج:
فالقلب في إثرهما هائم،
فقال الجزار:
والقلب من أجلهما حائر
وحكي أن السّراج الورّاق كان يغشى راهبا بدير شعران وافر العقل، كامل الفضل. فخرج إليه في جماعة من أهل الأدب وشعبان قد بقي على أقلّ من نصفه، وبدره قد أخذ يتقهقر إلى خلفه. وشهر رمضان قد آن له أن تغلّ فيه شياطين الأنام، ويختم فيه على الأفواه بالصيام. فألفوا الراهب وقد لبس مسحه وساح، وعزل الدير فما هبّت فيه رائحة راح. فلما رأوا أن دين رمضان قد حان حلول أجله، وأنّ وجه الدير الوقاح ما دبّت فيه من الخمر حمرة خجله، خافوا أن يأتي الصيام، وما تشعشع سوى قنديل سحوره الذي بان. ولا ملك مدام يأتي منه أوائل ورد في أواخر شعبان.
فندب السّراج إليه راهبا من شباب الدير ليتبعه، وكتب معه:
أبلغ الفاضل الرئيس السّلاماشقّ عن زهره الصباح كماما
قل له: أيّها الحكيم الذي فيدين عيسى قد برهن الأحكاما
كم رقبناك كالهلال إلى أنلحت للناظرين بدرا تماما!
يا أبا الملّة المسيحيّة ارحممعشرا مذ ظعنت عنهم يتامى
فطموا من رضاع كأس الحميّاوهي أنكى للمرضعين فطاما
واستحلّوا وضع الصليب عن الراووق من بعد حمله أعواما!
عدموا راحة النّفوس من الراح، فدارك بالأنفس الأجساما!
وأطالوا حبس المدامة في الدّنّ ويكفي حبس المدامة عاما!
ودعا الديك للصّبوح فهبّواكالمحبّين لا يعون الملاما!
فاسقهم من سلافة تطرد الهمّ وعجّل لهم بذاك اهتماما!
وعسى قائل يقول لحظّيونصيبي: أطلت في ذا الكلاما!
كذب المدّعي وآخر شعبان يناديني الصيام الصّياما
دير البغل. هو شمالي دير شعران. وبناؤه مثل بنائه في لحف جبل المقطّم وعليه نخل. وبه جمائع من الرهبان اليعاقبة.
قالو: وسمّى بدير البغل لأنه كان به بغل لسقي الماء، تعوّد هذا وألفه.
وكانوا إذا أطلقوه، أتى مورد الماء، وهناك من يملأ عليه. فإذا حمله أتى الدير بالماء.
خرج إليه السّراج الورّاق مع أبي المفضّل بن العسّال في جماعة من أهله.
وأقاموا به أياما في لهو يجرّون أعطاف الزّهو. وكان بالدير غلام لا يتعدّاه أمل المقترح، ولا يحاكي ذوابل عيونه إلا النرجس المتفتح. فألفه السراج الورّاق وهو إلى وصل منه محتاج. فلما عادوا، قال السراج يذكر أيامه ويمدح أبا المفضّل، ويذكر شيئا كان عليه به قد تفضّل:
أجناك من عارض في خدّه لاحاريحانة جاورت من ريقه راحا
وما كفاه الشّذا المسكيّ بينهماحتى جلا من خضيب الخد تفّاحا
عيني رأته بدير البغل في ملإقد قام فيهم مع الأسحار نوّاحا
مقرطق ترك النّدمان من يدهصرعى وقد حثّ أقداحا وأقداحا
عاطيته كأسها والشهب ما جنحتإلى مغاربها والديك ما صاحا
والنّجم حيران لولا ما رفعت لهمن كأسها تحت جنح الليل مصباحا
حتى إذا أدنت الصّهباء خطوتهورحلت يده عن راحه الراحا
وبات طوعى فلم أزدد على قبلإذ لا أبيت لباب العار فتّاحا
أغالب النفس عمّا تشتهي كرماجدّا فلا تحسبني ثمّ مزاحا
وقد يروقك لفظي الحلو لا سيماإذا لقيت بني العسّال مداحا
القوم جادوا ولم أسأل، وهم منحواوما غشيتهم والله ممتاحا!
وشاد مجدهم بيتا يبيت لهطرف المجرّة مما طال طمّاحا!
من كلّ أزهر لولا في تطلّعهمطالع الصّبح! زاد الصبح إيضاحا،
صحبتهم نحو دير البغل مطلبناصهباء جرّت بطوق الليل فانزاحا
أبا المفضّل، لم أبلغ مداك ولوطارحت في مذهب الشعر الطّرماّحا!
إن رمت إخفاء ما تعطي فقد نطق المعروف عنك بما تخفي وقد باحا!
لا تبغ للجود كتمانا فتظلمهإنا رأينا نسيم الجود فيّاحا!
دير طمويه: ويعرف المكان الآن بطمّوه، وهو في الجانب الغربيّ، بإزاء
حلوان. والدير راكب على البحر. تحفّ به الكروم والبساتين والأشجار. وهو عامر الأوطان. آهل بالرهبان. وحين تخضر الأرض يكون بين بساطين من البحر والزرع.
قال الشابشتي: وهو من المتنزهات المذكورة، والمواضع الموصوفة. وأنشد فيه لابن عاصم قوله:
وأشرب بطمويه من صهباء صافيةتزري بخمر قرى هيت وعانات!
على رياض من النّوار زاهيةتجري الجداول منها بين جنّات!
منازلا كنت مشغوفا بها كلفاوكنّ قدما مواخيري وحاناتي
إذا لا أزال ملحّا بالصّبوح علىضرب النواقيس صبّا بالديارات
كنيسة الطّور: قال الشابشتي: وهذا الطّور هو طور سينا، الذي صعق عليه موسى، ﵇. والكنيسة في أعلى الجبل. مبنيّة بحجر أسود. عرض حصنه سبعة أذرع. وله ثلاثة أبواب من الحديد. وفي غربيّه باب لطيف. وقدّامه حجر لقيم. إذا أرادوا رفعه رفعوه، وإذا قصدهم متغلب أرسلوه، فانطبق. فلا
يعرف أحد مكان الباب. وداخلها عين ماء، وخارجها عين أخرى.
قال: زعم النصارى أن بها من أنواع النار الحديدة التي كانت ببيت المقدس: يقدون منها في كل عشيّة السراج. وهي بيضاء ضعيفة الحرّ، لا تحرق.
ثم تقوى إذا هم أرادوا أن يوقدوا منها.
وهو عامر بالرهبان. فلا يخلو من أحد من أهل البطالات للتفرّج فيه والتبرّك - على رأيهم - به.
وهو من الديارات الموصوفة والأماكن المقصودة. ومما وصفه ابن عاصم. قال فيه:
يا راهب الدّير، ماذا الضوء والنّورفقد أضاء بما في ديرك الطّور؟
هل حلّت الشمس فيه دون أبرجهاأو غيّب البدر عنه فهو مستور؟
فقال: ما حلّه شمس ولا قمر،لكن يقرّب فيه اليوم قوريرا!
دير طرّا: وموقعه قبلي القرافة ومصر. يلى بركة الحبش، وبساتين الوزير.
يقصده أهل مصر للفرجة والتنزه. ويؤتى إليه على ظهر البرّ والنيل. وله إشراف على النيل،. ولا يخلو من قصف وشرب. ولأمراء الديار المصرية إليه إفضاء في الفضاء ومنتهى الركوب. وفيه أقول:
يوم طرا وديرهاوما أتى من حيرها
وأبيض من يومهاوأحمر من ميرها
مدامة تسري بنامجدة في سيرها
لم أنس هيف نخلهاويومنا في حيرها
وأكلنا من حوتهاووحشها وطيرها
هذا إلى فاتنةمليحة في ديرها
فلا تقل لي: غيرهاما أربي في غيرها!
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع