تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ديارات الأساقف

الصفحة ١ من ٢

قال الشابشتي: هذه الديارات بالنجف، ظاهر الكوفة، في أوّل الحيرة. وهي قباب وقصور، تسمى ديارات الأساقف، بحضرتها نهر يعرف بالغدير، عن يمينه قصر أبي الخصيب، وعن شماله السّدير، والديارات بين ذلك.

قال: وقصر أبي الخصيب هذا، من أحسن متنزهات الدنيا، مشرّف على النّجف والظهر كله. يصعد من خمسين مرقاة إلى سطح حسن، ومجلس مشرف، ثم يصعد من خمسين مرقاة أخرى إلى سطح أفيح ومجلس عجيب الصنعة. وهو منسوب إلى أبي الخصيب، مولى أبي جعفر المنصور.

وأنشد في هذه الديارات لعليّ بن محمد بن جعفر العلوي قوله:

كم وقفة لك بالخورنق لا توازى بالمواقف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
بين الغدير إلى السّدير إلى ديارات الأساقف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
فمدارج الرّهبان فيأطمار خائفة وخائف
دمن كأن رياضهايكسين أعلام المطارف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
وكأنّما غدرانهافيها عشور في مصاحف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
وكأنّما أنوارهاتهتزّ بالريح العواصف
تلقى أوائلها أواخرها بألوان الزّخارف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
بحريّة شتواتهابريّة فيها المصايف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

دير زرارة - وهو بين الكوفة وحمّام أعين، على يمين الخارج من بغداد، نزه، كثير الحانات والشراب. لا يخلو ممن يطلب اللهو واللعب، ويؤثر البطالة والقصف. قال الشابشتي: خرج يحيى بن زياد ومطيع بن

إياس حاجين. فلما قربا من زرارة، قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نقدّم أثقالنا، ونمضي إلى زرارة، ونشرب في ديرها ليلتنا، ونتزوّد من خمرها، ونستوفي من مردها ما يكفينا إلى العودة، ثم نلحق بأثقالنا؟ ففعلا. وسار الناس، وأقاما. ولم يزل ذلك دأبهما، إلى أن عاد الحاجّ. فحلقا رؤوسهما، وركبا بعيرين، ودخلا مع الحاجّ، على أنهما قد حجّا. وقال مطيع

ألم ترني ويحيى إذ حججناوكان الحجّ من خير التجاره؟
خرجنا طالبي خير ودينفمال بنا الطّريق إلى زراره!
فآب الناس قد غنموا وحجّواوأبنا موقرين من الخساره!

عمر مريونان: وهو بالأنبار، على الفرات، وهو عمر كبير، كثير القلايات والرهبان. عليه سور محكم البنيان، كالحصن العظيم. والجامع ملاصقه. وله

ظاهر حسن، ولا سيما في أيام الربيع. لأن صحاريه وسائر أرضه تكون كالحلل:

لكثرة نواره، وطرائف أزهاره. ونزله كل من اجتاز به من الخلفاء. وفيه يقول كشاجم

أغد يا صاحبي إلى الأنبارنشرب الراح في شباب النهار!
وأعمر العمر باللذاذة والقصف وحث الكؤوس والأوتار!
فاغتنم غفلة الزمان وبادروافترص لذّة الليالي القصار!
لا تفرّط فإنها خلس العيش وبادر بوادر المقدار!

وأنشد الشابشتي له فيه يصف عودا في يد محسنة:

جاءت بعود كأن نغمتهصوت فتاة تشكو فراق فتى!
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جاءت بعود كأن نغمته»
دارت ملاويه فيه واختلفتمثل اختلاف الكفين شبكتا
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جاءت بعود كأن نغمته»
يا حسن صوتيهما، كأنهماأختان في صنعة تراسلتا!
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جاءت بعود كأن نغمته»
وهو على ذا ينوب إن سكتتعنها، وعنه تنوب إن سكتا!
للشاعر كشاجم، من قصيدة «جاءت بعود كأن نغمته»

دير الأبلق: وهو بالأهواز. وحكى المداينيّ، قال: إنه اصطبح في دير الأبلق في جماعة من أصحابه، فلما سكر قال:

يومي بدير الأبلق الفردما أنت إلا جنّة الخلد!
به وأمثال له لم يزليجوز العيس أبو الهندي

عمر إتراعيل. والشاهد فيه مار ميخائيل

قال ابن المستوفي: بينه وبين كفر عزّى أقل من ميل. وهو عمار كبير وفيه رهبان كثيرة، وله نهر يجري على بابه وكرم وشجر في شرقيه، ورحى عامرة تطحن فوق الكرم. وبإزائه تلّ دير زارج، إذا صعده الزائر أيام الربيع أشرف على

سائر بلدة حزة. وفيه من ألوان الزهر وأنواع الأقاحي والشقائق وصنوف النور والزهر … يسرّ الناظرين ويقصر وصف الواصفين. وفي قلاليّ رهبانه جنينات حسان فيها آس مصر وشجر مريم وغير ذلك.

قال: وحدثني محمد بن حمد الأصم، قال: كنت بكفر عزى، فنزحت مع جماعة فيهم خير نلتمس موضعا نزها نجلس فيه ونقصف. فأجمع رأينا على قصد دير إتراعيل - وهو من كفر عزى على ميل - في أيام الربيع، فرأيناه في نهاية الحسن بما حوله وفيه، وهو مشرف على بلد حزة كله، فنزلناه وقصفنا فيه أياما متتابعة، وقلت فيه هذه الأبيات:

عمرنا عمر إتراعيل بالقصف وباللّعب!
بفتيان ذوي شرفوقدر وذوي لبّ
بغوا في كفر عزى نزهة تبعث للشّرب!
فوافوا جنّة من عمر إتراعيل عن قرب
وقد حفّ بكرم وبأشجار له غلب
وأنهار يحاكى جزيها مسلولة القضب
وروض راضه المزنفأضحى وهو كالعصب
رأوه كعروس جليت في حلل قشب
فحلّوا منه في منزل لهو مونق رحب
ودارت نجب الأبطال مجّت بحلى الشّرب
على أوجه أعمارعلى قضب على كثب
فما ظنّك بالعطشان عند المكرع العذب؟

قال فانصرفنا بعد أيام، وكلنا يود أن لا يزول منه: لطيبه وحسنه.

قال ابن المستوفي: وليس بهذا الدير الآن شجر ولا ماء على بابه. وفيه بيعة حسنة وقناة قديمة ورحاه باقية، والماء الذي يدير … بعيد عن الدير؛ وفي كل عيد من أعياد النصارى يقام به سوق وتخرج إليه جماعة من إربل ويزوره خلق من النواحي يكونون في مدة يومين أو أكثر وينصرفون عنه

دير باقوقا: ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل، قال: وهو إلى الآن باق، وفيه رهبان كثيرة. ذكر الشمشاطي أنه وراء الزابي وله مزرعة إلى جانب دارى وفيها بساتين وفيها تين أسود كبير. وبينه وبين الموصل سبعة فراسخ. وهو دير كبير. وكان أنشدني فيه أبو الحسين محمد بن ميمون الكاتب:

نزلت بدير باقوقا وفيهمن الرّهبان لي خدن مقيم
فألحقني بصهباء شموليفوح بعنبر منها النسيم
ونادمني برهبان ملاحوفيهم شادن حسن رخيم
وسرنا عنه والأهواء فيهوهل شيء من الدنيا يدوم؟

دير سعيد: وهو بالجانب الغربيّ من الموصل، مطلّ على دجلة، حسن

البناء. حوله قلالي كثيرة، حسنة العمارة، ظاهرة النضارة. في كلّ قلاية منها جنينات لرهبانه، فيها طرائف الرياحين وغرائب الشجر. كثير النرجس. وهو يقارب تل باذع. وتراه في الربيع كالوشى الملمّع، والحلي المرصّع. وهو منسوب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان. أصحّ ما قيل في نسبته إليه أنه ربما كان يتعهّده أيام إمارته بالموصل.

ويقال إن لترابه أثرا في دفع أذى العقارب، وإن ماءه إذا رشّ في دار، قلت العقارب بها.

وحكي أن رهبانه ألزموا في وقت بجباية، فقاموا بثلثمائة ألف درهم.

وللخالدي فيه شعر. منه:

ألا فاسترزق الرحمن خيراوسر بالكاس نحو السكر سيرا!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
فأيّام الهموم مقصّصاتوأيام السّرور تطير طيرا!
للشاعر كشاجم، من قصيدة «ألا فاسترزق الرحمن خيرا»

وله فيه:

سعدت صحبتي بدير سعيديوم عيد في حسنه ألف عيد!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
كم فتاة مثل المهاة، سلبناها صليبا من بين نحر وجيد!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وغرير مثل الغزال حللناعقد زنّار خصره المعقود!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وحططنا رحالنا بفناء الهيكل المونق البديع المشيد
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
والروابي مشهّرات كغلمان لنا في محبّرات البرود
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
فخدود مثل الشّقائق في اللّون تليها شقائق كالخدود
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وإذا ما الهزار غرّد في الغصن، حكته الأوتار في التغريد
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
من رآنا - ونحن في الأرض صرعى -قال: قوم موتى بغير لحود!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

وله فيه:

قامر بالنفس في هوى قمرونال وصل البدور بالبدر
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وافتضّ أبكار لهوه طربابين عشايا المدام والبكر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «قامر باللهو في هوى قمر»
من لم يدر في ربى الحدائق مندير سعيد، رحاه لم تدر
مسرّة كيلها بلا حشفولذّة صفوها بلا كدر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «قامر باللهو في هوى قمر»
قد ضربت خيمة الغمام لناورشّ خيش النسيم بالمطر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «قامر باللهو في هوى قمر»
وعنّدنا عاتقان حمراء كالشمس وأخرى صفراء كالقمر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «قامر باللهو في هوى قمر»
يا تاركا طيب يومه لغد!تبيع عين السّرور بالأثر؟
للشاعر كشاجم، من قصيدة «قامر باللهو في هوى قمر»

وقوله:

قد طفح القلب بالهموم فإنطفت بكأس، فهاتها تطفح!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
في جنح ليل ترى كواكبهوهي إلى الغرب، كلّها جنّح
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
نراك تنسى سرور يومك فيدير سعيد وظله الأفيح!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
على بساط من البنفسج قد ألقي من الورد فوقه مطرح!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وكأس راح يديرها قمرلحاظه في قلوبنا تجرح!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
قد كان فيما مضى يعرّض بالوصل، ولكن أراه قد صرح!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

وقوله:

فكم من روحة والشّمس لم تدن لتطفيل
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
إلى دير سعيد أوإلى دير مخائيل!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
بساق كمهاة مغزل أدماء عطبول!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
ترى في وجهه وجهك للرقّة من ميل!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
فأجراها كخلخالمن الياقوت مفتول
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
شربناها على أوجهـ حور كالتماثيل
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
إذا شئن تمنطقنجميعا بالخلاخيل
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

قال الخالدي: وأنشدني السري الرفّاء لنفسه فيه:

وقلالي الدير الذي لولا النّوىلم أرمها بقلى ولا بعقوق
محمرّة الحيطان ينفح طيبهافكأنّها مبنية بخلوق!
فمتى أزور بنات مشرفة الذّرىفأرود بين النّسر والعيّوق؟
وأرى الصّوامع في غوارب أكمهامثل الهوادج في غوارب نوق؟
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «أمحل صبوتنا دعاء مشوق»
حمر تلوح خلالها بيض كمافصّلت بالكافور سمط عقيق

وحكى ابن المستوفي في «تاريخ إربل»، في ترجمة أبى حفض عمر بن محمد بن الشّحنة الموصليّ النحويّ، أنه نقل من مجموع بخطه، قال: كنت في يوم من أيام الربيع بدير في ظاهر الموصل، يعرف بدير سعيد. وكان فيه راهب من النّبل، كنت آوي إليه إذا جئت الدير. فاتّفق في ذلك اليوم أنى خرجت من قلايته إلى بستان الدير ومعي جماعة من الكتّاب، كنت آنس بهم. ونحن على لذتنا، وإذا قد أتانا رجل، فجلس واندفع يغني، ويقول هذا الصوت في الموضع الفلانيّ، ليرينا أنه يعرف صنعة الغناء. فأبرمني وأبرم الجماعة، واستثقلناه. فسألني بعض الجماعة أن أقول فيه على طريق العبث شيئا. فعملت في الحال:

ثقيل يصمّ السمع من قبح صوتهوتعمى له أبصارنا والبصائر!
ولو لم يكن فوق البسيطة لم تزلمزلزلة بطنانها والظواهر!
تغنّى فقلنا: هاتف البين قد دعابفرقتنا أو ريب دهر مبادر!
فياليت أن الله لم يك خالقيويا ليته دارت عليه الدوائر!

الدير الأعلى: وهو بالموصل، في أعلى جبل، يطل على دجلة. يضرب المثل به في رقة الهواء، وحسن المستشرف تحته. والجزائر تتفرق خلجانها وغدرانها بإزائه.

ولم تزل الولاة تخرج إليه للطف الهواء، والنظر إلى الماء. ويقال إنه ليس للنصارى دير مثله. وظهر عنده معادن الكبريت، والمرقشيثا والقلقطار وأشياء من هذه الأنواع. ثم صانعت النصارى حتى أبطلت، خوفا من تثقيل السلطان.

قال جعفر بن محمد الفقيه: اجتاز بنا بعض السنين أبو الحسين بن أبي البغل، فنزل عليه، وخرجت في غد يوم نزوله إليه. فجعل يصف من طيب الهواء فيه وطيب قراءة رهبانه أمرا عظيما. ثم أنشدني لنفسه فيه شعرا، ولست أرضاه.

ومما قال الخالديّ فيه:

واستشرفت نفسي إلى مستشرفللدير، تاه بحسنه وبطيبه
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
متفرق آذيّ دجلة تحتهبغديره وخليجه وقليبه
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
فنعمت بين رياضه وغياضهوسكرت بين شروقه وغروبه
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
غنّى الجمال به فزاد الثّغر منتفضيضه، والخدّ من تذهيبه
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
واهتزّ غصن البان في زنّارهوأضاء جيد الرّيم تحت صليبه
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

وله:

فتكت! فلا تأخذن من فتكبما أخذ الجهل أو ما ترك!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
أدرها! ألست ترى الدير فيبدائع من حلل لم تحك؟
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وبين البكور وبين الغروبوبين الرّياض وبين البرك،
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
غناء تشدّ إليه الرّحال،بلحن تحلّ عليه التّكك!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

دير مار مخايل: وهو على ميل من الموصل، يركب دجلة في بقعة حسناء يطلّ على كروم وشجر. برّي بحري، سهلي جبلي. وبه قلاليّ كثيرة في غاية الظّرف، محفوفة بأنواع الشجر، وأصناف الزهر. وله عيد يكون قبل الشعانين بأسبوع. تخرج إليه النصارى بنسائهم وصبيانهم، ويمرّ لهم فيه يوم وليلة،

تتجاوب فيه ألحان الأغاني وقراءة الرهابين.

وحكي أنه أريد به حفر بئر في بعض قلاليه، فأفضى الحفر إلى صندوق من حجر. فكشف، فإذا فيه ميّت لم يتغير من جسمه شيء، وإذا ثيابه صحيحة. وعند رأسه صحيفة من صفر فيها كتابة قديمة لم يقفوا على قراءتها، ولكنهم علموا أن فيها ذكره. وقصد المسلمون انتزاعه منهم. ثم دارت النصارى حتى خلّي لهم، فردّوه إلى مكانه، وعفّوا أثره.

قال الخالدي: والذي يظنّ أنه كان ممن على دين المسيح ﵇، وأنه هرب بدينه، فمات في هذا الموضع، ودفن فيه.

قال: وبين هذا الدير وبين الموصل واد يعرف بوادي زمّار، عليه رابية تعرف برابية العقاب، تشرف على دجلة والبساتين والجزائر والنهر. وهي غاية في الربيع. وقال فيه:

ألست ترى التلّ يبدي لناطرائف من صنع آذاره؟
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وقد نقّط الزهر خدّ الثّرىبدرهمه وبديناره
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وكتّب في لازورد الدّجىبزنجفره وبزنجاره
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
فلا تلق كأسا بتأخيرهاولا يوم لهو بإنظاره!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

قال: وكان جحظة قد أنشدني لنفسه في دير العلث قوله:

سقيا ورعيا لدير العلث من وطن!لا دير حنّة من ذات الأكيراح!
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
أيام، أيام لا أصغي لعاذلة،ولا تردّ عناني جذبة اللاحي!
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

فاستحسنتها، وذكرت قول أبي نواس في دير حنّة، وهي في عروضها وقافيتها، فقلت:

محاسن الدّير تسبيحي ومسباحيوخمره في الدّجى صبحي ومصباحي!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
بسط البنفسجتبسّط في … صحون آس وخيريات تفّاح
بدائع لا لدير لعلث هنّ ولالدير حنّة من ذات الأكيراح
حتّى تخمّر خمّاري بمعرفتيوحيّرت ملحي بالسّكر ملاحي
للشاعر كشاجم، من قصيدة «محاسن الدير تسبيحي ومساحي»
أبا مخايال، لا تعدم ضحى ودجىسجال كلّ ملث الودق سحّاح!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
فإن أقم سوق إطرابي، فلا عجب!هذا بذاك إذا ما قام نوّاحي!

قال: وكان في هذا الدير خمّار، يقال له الحارث، ويكنّى أبا الأسد، معروف بجودة الشراب؛ وكان المجان من أهل الموصل يقصدونه. وكان له ابن حسن الوجه، مهفهف القوام، خفيف الروح، يقال له عبد المسيح، يسقينا ومعنا مغنّ مليح الغناء، غنّانا في شعر حسّان بن ثابت، قوله:

أنظر خليلي ببطن جلّق هلتؤنس دون البلقاء من أحد؟
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أنظر خليلي ببطن جلق هل»

وهو صوت معروف في الأغاني. فاستحسناه، وكان معنا كاتب، له عليّ اياد، فقال لي: أحبّ أن تعمل في عروض هذا الشعر شعرا تذكر فيه يومنا.

فقلت:

لا وجفون تنوس في العقدوحسن ثغر يلوح كالبرد!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
لا كنت ممن يضيع أدمعهبين الأثافي والنّؤي والوتد!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
أحسن من وقفة على طللقفر وزجر العيرانة الأجد،
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
كأس مدام جلا المدير بهاأمّ الليالي وجدّة الأبد
للشاعر كشاجم، من قصيدة «لا وجفون ينفثن في العقد»
نشربها شعلة بلا حرقونجتليها روحا بلا جسد!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
هل أحد نال مثل لذّتنا،يا با مخايال ليلة الأحد؟
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
سقيا لما خور حارث ولماخصّ به من محاسن جدد!
قلت له وابنه يطوف بهاعمرك فينا عمارة البلد!
للشاعر كشاجم، من قصيدة «لا وجفون ينفثن في العقد»
بابنك ذا في جمال صورتهصرت أبا الظبي لا أبا الأسد
للشاعر كشاجم، من قصيدة «لا وجفون ينفثن في العقد»
هات اسقنيها فإن سفكت دمي!فما بقتلي عليك من قود!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

فأقمنا يومنا ذلك، وبتنا. فلما أصبحنا، أراد الكاتب الموصليّ أن يذهب. وكان اليوم حسنا لرقة غينه، وملاحة صحوه. وكان للرجل غلام يحبّه، فأراد الركوب إلى ديوانه، فأنشدته أبيات شعر قلتها، فأمر بحطّ سروج بغاله، وأخذنا في شاننا.

ومنها:

بحمرة وجه لذاك الهلالوفترة مقلة ذاك الغزال!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
صل اليوم بالأمس، إنّي أرىله بالسّعود وجوه اتّصال
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
هواء صفا، وهوى مثلهكخمر دلال وماء زلال
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وغيم توهمه كالنّوىوصحو حقيقته كالمحال
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
ومثل اليواقيت زهر الرّبىوقطر النّدى بينها كاللآل
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
إذا ما دنت شمسه للذّبول، أشرق نوّاره كالذبال
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وذا الدير تسعى بغزلانهشعانينه في صنوف الجمال
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وصفراء بائعها خاسرولو حاز عن قدح بيت مال
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
أيابا مخايال أفدي ثراكبنفسي، ومالي، وعمّي، وخالي!
فكم سكرة لي قبل الأذان بين دواليبه والدّوالي!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
تجول خيول دواليبهافتملأ ما ورد ذاك المجال
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

وقوله فيه:

ببامخايال إن حاولتما طلبيفأنتما تجداني ثمّ مطروحا
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
يا صاحباي هو العمر الذي جمعتفيه المنى، فاغدوا للدير أو روحا!
برّ وبحر به يهدي نسيمهماللرّوح مسكّا بماء الورد منضوحا
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
يجرّ صيّاده الشّبّوط مضطرباحيّا، وقانصه اليعفور مذبوحا
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

وفيه يقول أبو حفص عمر بن الشّحنة الموصليّ النحوي، من قصيدة:

واعمد إلى مر مخائيل فإنّ بهمحاسنا لسرور النفس مفتاح!
كم فيه من أشعث باد شحوبتهتهفو له بنته تلك الأكيراح!

وفيه يقول أيضا:

يامر مخائيل، وإن بعد المدى،سقيت صوب سحائب وبوارق!
يا حبّذا نوّار روضك إذ غدايفترّ من دمع الغمام الدّافق!
مغنى خلعت به العذار تصابيافي غنج أحداق وزهر حدائق!
أيام أجري في ميادين الصّبامتخايلا جري الجموح السّابق!

وستأتي القصيدتان، إن شاء الله تعالى، في ترجمته مع النحاة. وبالله التوفيق!

دير متى: هو بالموصل، من الجانب الشرقي، على جبل شامخ، يعرف بجبل متّى. يشرف على رستاق نينوى والمرج. وهو حسن البناء، جيد الحصانة. وأكثر بيوته منقورة في الصخر، في نهاية الحسن والنظافة. ورهبانه لا يأكلون طعاما، إلا جميعا: في بيت للشتاء، وبيت للصيف.

ومتى جلس أحد في صحن هذا الدير، نظر إلى الموصل. وبينهما سبعة فراسخ. وله عدّة أبواب مفرطة في الكبر، وكلها من حديد مصمت. وبه صهريج عظيم يجتمع فيه ماء المطر، عمقه اثنا عشر ذراعا: لكل شهر ذراع من الماء.

ويفتح هذا الصّهريج من موضعين: في أعلاه وفي أسفله. فيخرج ماؤه من أسدين من صفر. وجملة أمره أنه عجيب عظيم في أمثاله. وحوله من الأشجار ومن سائر الثمار. وفي خارجه مغار في الجبل، فيها صناديق من صخر بأطباق

لموتاهم، فمتى امتلأت خرج رأس الدير مع رهبانه يقرءون أناجيلهم، ويجمعون العظام البالية منها. ثم تطرح في فجّ داخل هذا المغار.

قال [الخالدي]: وبتّ ليلة فيه، مع بعض الرؤساء على شرب ولعب، فقلت:

فلأشكرنّ لدير متّى ليلةمزّقت ظلمتها ببدر مشرق!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
حتى رأينا اللّيل قوّس ظهرههرم وأثّر فيه شيب المفرق!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

قال: وقرأت على باب دهليزه بيتين كتبا، وهما:

يا دير متّى سقت أطلالك الدّيمانهلّ فيك على سكّانك النّعم!
فما شفى غلّتي ماء على ظمإكما شفى حرّ قلبي ماؤك الشّبم!

دير الخنافس: وهو دير صغير بالموصل، بالجانب الشرقي، على قلّة جبل شامخ، يشرف على أنهار نينوى وضياعها. وفيه طلّسم ظريف: يجتمع له في وقت من السنة الخنافس الصغار اللواتي كالنمل، حتّى تسودّ حيطانه وبيته وسقوفه وأرضه، مدّة ثلاثة أيام. ثم لا توجد. ولهذا سمّي دير الخنافس.

قال الخالدي: وهذا معروف مشهور بالموصل. فإذا كانت تلك الأيام،

أخرج الرهبان أمتعتهم منه، هربا منها.

قال: ولا أعرف فيه شعرا إلا ما قاله بعض بني عروة الشّيباني يرثي أخا له، مات عنده، فدفن إلى جانبه. ومنه:

بقربك يا دير الخنافس حفرةبها ماجد رحب الذّراع كريم!
طوت منه همّام بن مرّة في الرّبىهلال ينير اللّيل، وهو بهيم!
سقاك وسقاه وسقى ضريحهأجشّ من الغر العذاب هزيم!
فيادير أحسن ما استطعت جوارهفإنّي غاد عنك، وهو مقيم!

قال: فنساء بني عروة جميعا تنوح عليه وعلى موتاهم بهذه الأبيات إلى اليوم؛ وإذا نزلت أحياؤهم به، نحروا عليه وأقاموا مآتم.

دير باعربا: وهو بين الموصل والحديثة، على شاطئ دجلة، من الجانب الغربىّ بإزاء جزائر كثيرة الشجر، قلّما خلت من سبع. وهو جليل عند النصارى، وفيه قبور يعظمونها. وبناؤه عجيب. وارتفاع حائط هيكله نحو المائة ذراع.

ما حوله بناء يسنده. وله مزارع. وفيه بيت ضيافة ينزله من يجتاز عليه.

قال الشيظمي: لما انحدر سيف الدولة إلى العراق، نزل دير باعربا، وضرب مضربه على شاطئ دجلة، وتغدّى ونام. فلما كان وقت العصر دخل الدير، وصعد سطحه. فرأى منظرا حسنا، من بره وبحره وعلوّ مشترفه.

فاستدعى شرابا، ودعا سقارة العوّاد، فغناه. وكان معه من الندماء أبو إسحاق اليسري. ثم استدعاني، وسقّارة يغني بشعر غثّ في وزن بارد. فأمرني بأن

أعمل في عروضه، فقلت بعد تمنّع، لكنه لا يجيء فيه الحسن:

شرفا يا دير عربآء ومجدابهما تعى مدى الدّهر وتعمر!
سترى ماءك هذا ماء ورد،وترى صحنك ذا مسكا وعنبر
إذ على سطحك سيف الدولة القرم الذي فات الورى عزّا ومفخر
والذي إن سار في العسكر فردافهو في إقدامه ألف عسكر!

دير القيّارة: وهو فوق دير باعربا، على جانب دجلة الغربي نسب إلى عين فيه ومعدن، يستخرج منه القير. وتحته حمّة عظيمة. يقصده من به علة أعيت الأطباء، فيقيم به خمسة أيام. مستنقعا في مائها، فيبرأ من علته. ويشفى من النقرس ويبسط التشنج، ويزيل الأورام الجاسية والرياح الغليظة، ويلحم الجراحات.

قال الخالدي: وسبيل من قصدها، أن يظلّ نهاره في مائها، ويأوى ليله هيكل ديرها، ويدهنه رهبانه بالطيبوث. فيشفى بإذن الله.

وفيه عيون يخرج منها النفط والقير. فتتقبّل من السلطان بألوف دراهم في

كل سنة. ومرافق هذا الدير كثيرة.

قلت: وسنلّم بذلك في موضعه.

دير بارقانا: وهو فوق الحديثة، على جانب دجلة الشرقي. راكب للماء، في موضع نزه حسن. وبناؤه محكم. وقلاليّه كثيرة الشجر والزهر. وله بساتين ومباقل. ويقال إنه ليس في سمك دجلة أسمن من سمك يصاد من شاطئه.

قال الخبّاز البلدي: اجتزت به، فرأيت من حسنه ونضارة شجره، ما دعاني إلى المقام به والقصف فيه. وسألت رهبانه عن الشرب، فدلّوني على راهب منهم. فرأيته ظريفا، وقلّايته مليحة، وشرابه صافيا جدّا. فابتعت منه.

وأقمت عنده نهاري وليلتي. وقلت:

ألا سقيا لرقّة بارقاناوهيكله المشيّد والقلالي!
فكم من سدفة باكرت فيهامعصفره كمثل دم الغزال!
للشاعر الخباز البلدي، اقرأ القصيدة
فكم عانقت غصنا في اعتدالبه، ولثمت بدرا في كمال!
للشاعر الخباز البلدي، اقرأ القصيدة
وجاد بما أحاول منه سكراوكان مما نعي طيف الخيال!
للشاعر الخباز البلدي، اقرأ القصيدة

دير أبي يوسف: وهو قريب من بلد. بينه وبينها نحو فرسخ. على شاطئ دجلة. وموضعه حسن معمور بالزيتون والسرو والآس والرياحين. مغروس الرّبى بالنرجس. وهيكله حسن البناء. وفيه عجائب من بدائع التصوير. ولرهبانه جدة ونعم. ولا يعوزه كلّ يوم قافلة تحطّ عنده لتأخذ خمرا، والمجّان تقصده للتنزه فيه بطنابيرهم وعيدانهم وسائر ملاهيهم.

قال الخالدي: خرجت في بعض السنين إلى بلد، مع كاتب لبعض أمرائنا.

فأحببت الشرب في دير أبي يوسف، فكتبت إليه:

بدير أبي يوسف خمرةتزيد على لهب البارق!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
ونرجسه كنسيم الحبيب عند محبّ له وامق!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
فماذا ترى فيه قبل استماعهماهم ناقوسه الناطق؟
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
لتقنص بكرا خلوقّيةتخبّر عن حكمة الخالق!
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

ففعل. وأقمنا به ثلاثة أيام في ألذّ عيش، وأصفى وقت. ثم انحدرنا منه.

دير الشياطين: وهو بالقرب من أوسل (بلد على قطعة من الجبل على دجلة) في موضع حسن. وهواؤه رقيق لطيف، وقلاليه عامرة كثيرة الأشجار. وأرضه كثيرة الرياض. وله سور يحيط به، ومشترف على سطح هيكله يشرف على دجلة والجبل.

وفيه يقول السري الرفاء:

عصى الرّشاد فقد ناداه من حينوراكض الغي في تلك الميادين!
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عصى الرشاد فقد ناداه من حين»
ما حنّ شيطانه العاتي إلى بلدإلا ليقرب من دير الشياطين!
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عصى الرشاد فقد ناداه من حين»
وفتية زهر الآداب بينهمأبهى وأنضر من زهر البساتين!
مشوا إلى الرّاح مشي الرّخ وانصرفواوالسّكر يمشي بهم مشي الفرازين!
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عصى الرشاد فقد ناداه من حين»
حتّى إذا أنطق الناقوس بينهممزنر الخصر رومي القرابين
للشاعر السري الرفاء، من قصيدة «عصى الرشاد فقد ناداه من حين»
فحث أقداحها بيض السّوالف فيحمر الغلائل في خضر الرّياحين
كأنّها وبياض الماء يقرعهاورد يصافحه أوراق نسرين

دير مر سرجس: وهو فوق بلد بثلاثة فراسخ، على قلّة جبل عال. يبين للناظر من عدّة فراسخ.

قال الخالدي: وعلى بابه شجرة لا يعرف أحد ما هي، لا يسقط ورقها عند سقوط ورق الشجر، ولها ثمرة تشبه اللوز. وفي جبله من الزرازير شيء عظيم، لا تفارقه صيفا ولا شتاء، لا يقدر على شيء منها، وفي شعاب جبله أفاع كثيرة، تمنع من صيد طيره ليلا.

قال: وفي أوديته حصى على شكل اللوز لا تغادره.

قلت: ولعلّ هذه الشجرة هي التي ذكرها ابن وحشية، وقال إنها في الدنيا واحدة لا ثاني لها.

وحكى الخالدي، قال: حدثنا الخبّاز البلدي، قال: تقلّد بلدنا رجل من آل الفرات، وكان أديبا شاعرا. فاستخصّني، فما كنت أفارقه. فرأى يوما هذا الدير وسألني عنه. فوصفته له. فأحبّ النظر إليه. فخرج وحملني معه. وكان ذلك في شتاء متصل المطر. فلما جئناه، رأينا في جبله من الغدران ما ملأ أفاويقه.

فلما صعدنا سطح الهيكل، فكر ساعة ثم أنشدني لنفسه:

وهيكل تبرز الدنيا لمشرفهحتّى يعاين منها السهل والجبلا
كأن صبّين باتا طول ليلهمايستمطران على غدرانه المقلا

دير صباعى: وهو على شاطئ دجلة الشرقي، فوق تكريت بقليل. وهو كثير الرهبان. وله مزارع وجنينات. ولرهبانه يسار وغنى. وفيه يقول بعض

لصوص بني شيبان:

ألا يا رب سلم برصباعاوزد رهبان هيكله اجتماعا!
فكم جئناه أمواتا سغاباورحنا منه أحياء شباعا!
فيا للقصف ما أسرى نبيذاألذّ طلا وأحسنه شعاعا!
لنعمته ومنّته عليناعمرناه وخربنا الضياعا!

عمر الزعفران: وهو على رأس جبل مطلّ على نصيبين وديار ربيعة من جانب، وعلى طور عبدين وقردى وبعض ديار بكر من جانب آخر؛ وبه كثير من الزعفران. وهو عجيب البناء، كثير الرهبان. وفيه جنّات لهم حسنة نضرة مملوءة بشجر البندق والفستق واللوز الفرك والزيتون والبطم. وماؤه من صهاريج يجتمع فيها ماء السماء. والصهاريج منقورة في صخور. والثلج به ممكن. ولما نزل المتقي نصيبين استعذب ماءه واختاره على مائها وماء دجلة.

قال الخالدي: ولهذا الدير بيوت للضيافة في علو الهيكل. وللسور تسوير عجيب، وعليه أبواب من حديد مصمت. قال: وسعر زعفرانه فائق. ومنه ومن العسل أكثر يسار رهبانه. قال: وكان الأمير أبو البركات يخرج إليه، وأخرج معه.

فيقيم به على شرب وسرور. وأمرني أن أعمل فيه شعرا. فقلت:

عطّلت دارسة المغانيوعمرت عمر الزّعفران
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وأقمت في غرف لديهـ كأنّها غرف الجنان
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
وترى قنانينا مفدمة بآس خسرواني
ومعانقي ظبي وبدر دجنة وقضيب بان
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
والراح أحصن جنةلك في مقارعة الزمان
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة
لا تأمنن صروفهفالدهر ليس بذي أمان
للشاعر أبو بكر الخالدي، اقرأ القصيدة

قال: وأنشدني الببغا لنفسه في هذا الدير:

صفحت لهذا الدّهر عن سيئاتهوعددت يوم الدير من حسناته
للشاعر الببغاء، من قصيدة «صفحت لهذا الدهر عن سيئاته»
وصبّحت عمر الزعفران بصبحةأعاشت سرور القلب بعد مماته
وأهيف فاخرت الرياض بحسنهفأذعن صغرا وصفها لصفاته
للشاعر الببغاء، من قصيدة «صفحت لهذا الدهر عن سيئاته»
فلما دجا الليل استعاد سنا الضّحىبراح نأت بالليل عن ظلماته
للشاعر الببغاء، اقرأ القصيدة
ونمّ إلينا دنّها بضيائهافكان كقلب ضاق عن خطراته
للشاعر الببغاء، من قصيدة «صفحت لهذا الدهر عن سيئاته»
وخوّفني منه، فخلت صليبهلشدّة ما نخشاه بعض وشاته!
للشاعر الببغاء، اقرأ القصيدة

وفيه يقول مصعب، الكاتب:

وقائل قال لي: أقصر! فقلت له:أما تراني بحب المرد مشغولا؟
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة
لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمنلكنني أعشق السّمر المهازيلا!
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة
فقال لي: أنت مجنون؟ فقلت له:لا تكثرن علي القال والقيلا!
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة
إني امرؤ أركب المهر المضمر فييوم الرهان، فدعني واركب الفيلا!
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة

وكذلك قال:

دببت أمشي على الكفين ألمسهكمشي مسترق للسمع أسرارا!
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة
فمرّ يمشق في قرطاسه قلميوالليل ملق على الآفاق أستارا!
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
فقال لما انجلى عن عينه وسنوقد رأى تكة حلت وأزرارا
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة
يا راقد الليل مسرورا بأولهإن الحوادث قد يطرقن أسحارا!
للشاعر مُصعَب الماجن، اقرأ القصيدة

دير بار بيثا: وهو بنينوى، بأرض الموصل، على نهر الخازر. وبه بيت ضيافة. وله عند النصارى قدر جليل.

قال الخالدي: رأيته في بعض السنين. وكان به راهب يقال له كوريال، من عبّاد النصارى فأضافنا أحسن ضيافة وأكرمنا أتم إكرام، بالطعام الكثير، والشراب العتيق الواسع، وعلف الدوابّ، وأكثر، فعظم في عيني، وعاتبته على الإسراف في فعله، فقال: هذا والله رسمنا مع كلّ من ينزل بنا!

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع