من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الآثار المشهورة
ومما نتبع به هذه الهياكل من الآثار المشهورة في الأرض مما بقي، لقى جسمه أو رسمه، ما يذكر:
- فمن ذلك صنم الخطا المحجوج في نهاية الشرق المتشامل. وهو قريب من السند.
- ومن ذلك قصر الدهاك. ما بين مدينة طغورا وبين مدينة باش بالق، شرقيّ طغورا وغربيّ باش بالق.
- ومن ذلك حائط القلاص. ويعرف بالحائط المحيط، ويعرف بحائط عبد الله ابن حميد جنوبى بلاد الغزّية وأسبيجاب.
- ومن ذلك مدينة إصطخر. وهي مدينة عجيبة البناء، من بناء سليمان، ﵇.
- ومن ذلك قصر سنداد. وهو بالعراق، قريب النيل، بأرض العذيب، على نهر سنداد. وكان مسكن آل محرق. وفيه قال الأسود بن يعفر.
ما ذا أؤمل بعد آل محرقتركوا منازلهم، وبعد إياد؟
أهل الخورنق والسّدير ومآربوالقصر ذي الشّرفات من سنداد
دار تخيرها لطيب مقيلهاكعب بن مامة وابن أم دؤاد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهمماء الفرات، يجيء من أطواد
جرت الرياح على محلّ ديارهمفكأنما كانوا على ميعاد!
- ومن ذلك قصور الحيرة، بين العراق والشام.
ومن ذلك الخورنق والسّدير. وهما من أشهر الآثار. بناهما شخص أسمه سنمّار للنّعمان بن [امرئ] القيس، وكمّله في عشرين سنة. فلما وقف عليه
النعمان، استجاده وأثنى على سنمار، فقال له سنمار: لو شئت أن أجعله يدور مع الشمس، لفعلت. فأمر به أن يطرح من أعلى شرفاته، فضرب به المثل، فقيل: "جزاه جزاء سنمار". وفي ذلك يقول الشاعر:
جزتني بنو قيس، وما كنت مذنباجزاء سنمار وما كان دا ذنب!
بنى القصر للنعمان عشرين حجّةيعل عليه بالقراميد والخشب
فلما استوى البنيان واشتدّ رصفهوآض كمثل الطود والشامخ الصعب
رمى بسنمّار على أم رأسهوذاك لعمر الله من أعظم الخطب!
ثم ترهب هذا النعمان في الجاهلية، وانخلع من ملكه، ولبس المسوح. وفيه قال عديّ بن زيد:
وتذكّر ربّ الخورنق إذ فكّر يوما وللهدى تفكير!
راقه ماله وكثرة ما يملك، والنهر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال: وما غبطة حيّ إلى الممات يصير؟
ومن ذلك قصر سنافاد.
ومن ذلك الرصيف الممتد بين صرخد والعراق، ممتدّ في البرية. يقال إنه من عمل سليمان بن داود، ﵉. وهو يتصل في مواضع وينقطع في أخرى. يتوصل السالك معه من الشام إلى العراق، ومن العراق إلى الشام في أقرب مدّة.
ومن ذلك مدينة تدمر بين العراق وبين الشام، وما فيها من عجائب البناء وكبار العمد.
ومن ذلك ملعب بعلبك. والباقي منه عمد بقلعتها الآن، وما في سورها من الأحجار العظام والصخور الراسية كالجبال. يقال إنه من بناء سليمان بن داود، ﵉.
ومن ذلك مدينة شهبة من بلاد حوران. بها من الأبنية الباقية والعمد العالية والآثار الدالّة ما هو من جلائل الآثار.
ومن ذلك مدينة جرش من بلاد حوران. يحكى الهول عن غرائب آثارها.
وقد أضحت خاوية على عروشها، خالية من أهلها وسكّانها، لا يحسّ بها حسيس، ولا يوجد بها أنيس.
ومن ذلك جبّ يوسف، وهو قرب قرية اسمها شورى.
ويدانيها جسر يعقوب، وهو معروف مشهور.
كلّ ذلك ببلاد صفد.
ومن ذلك منازل ثمود بين الحجاز والشام. وبيوتهم المنحوتة في الجبال باقية إلى الآن. وهي المعنيّة بقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ وبها البئران: بئر الناقة وبئر ثمود، المقسوم بينهما الشّرب، ولما مرّ رسول الله ﷺ بأرض ثمود، في غزوة تبوك، وجد بعض من سبق من أصحابه قد ملأ من بئر الحجر. فأمر بأن يراق الماء فقالوا: يا رسول الله قد عجنّا منه العجين. فأمر بأن يطعموه الإبل، وأن يشربوا من بئر الناقة. وهما معروفان هناك.
وهذه فائدة أردنا التنبيه عليها.
ومن ذلك (جبّ بابل، وهو الذي حبس به دانيال. ألقاه فيه بخت نصّر.
وألقى معه أسدين حتّى أتاه، بأمر من الله، نبيّ من أنبياء بني إسرائيل. فقال:
يا صاحب الجبّ! فأجابه دانيال: قد أسمعت! ما تريد؟ قال: أنا رسول الله إليك، لأستخرجك من موضعك، فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره!
والحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره! والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا! والحمد لله الذي يجزي بالإساءة غفرانا! والحمد لله الذي يكشف ضرنا عن كربنا؛ واستخرجه وإن الأسدين لعن يمينه وشماله يمشيان معه حتى عزم عليهما دانيال أن يرجعا.
وعن ابن عباس، قال: من قال عند كلّ سبع: اللّهمّ! ربّ دانيال وربّ الجبّ وربّ كل اسد مستأسد! احفظني واحفظ عليّ، "لم يضره السبع).
الأخدود. المحتفر لأصحاب الأخدود المذكورين في القرآن الكريم. وهو بنجران من اليمن.
ومن ذلك البئر المعطّلة والقصر المشيد، وهما قريب الفج الخالي بمشاريق اليمن.
ومن ذلك سدّ مأرب. وهو ببلاد سبأ من اليمن.
وبه قصر القشيب. كان لبلقيس.
ومن ذلك قصر غمدان بصنعاء اليمن، وهو من أشهر الآثار وأظهر المعالم.
كان مسكن التبابعة من حمير، ومنهم شمر بن مالك وأسعد أبو كرب. وكفى بذكرهما. طافا الأرض وبلغا الآفاق. وقصر غمدان هذا هو المذكور في الأشعار، والمشهور في الأخبار. وفيه يقول ابن أبي الصّلت:
اشرب هنيئا عليك التاج مغتبقافي قصر غمدان دارا منك محلالا!
تلك المكارم لاقعبان من لبنشيبا بماء، فعادا بعد أبوالا!
ومن ذلك بئر برهوت. ببلاد حضرموت من بلاد اليمن. وهو الذي لم يعرف عمقه، ولا علم أن إنسانا نزله.
ومن ذلك قصر ريدان. المشهور بمدينة ظفار باليمن. وكانت تسمّى قديما مدينة يحصب.
ومن ذلك قصر الشّاذياخ، وهو بباب نيسابور، من خراسان، كان دار السلطنة لبعض ملوكها، ولم نؤخر ذكره إلا لأنه شبّه ببناء غمدان، فكان كأن لذكره به تعلقا:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقابالشّاذياخ، ودع غمدان لليمن!
فأنت أولى بتاج الملك تلبسهمن هوّذة بن علي وابن ذي يزن!
(وعلى باب قصر الشاذياخ، صلب علي بن الجهم. فقال حين صلب، ارتجالا:
لم ينصبوا بالشاذياخ عشيّةالإثنين مسبوقا ولا مجهولا!
نصّبوا بحمد الله ملء قلوبهمشرفا، وملء صدورهم تبجيلا!
ما عابه أن بزّ عنه ثيابهفالسيف أهول ما يرى مسلولا!
ومن ذلك دار الأنماط. وكانت بفسطاط مصر، يباع بها قماش النساء، وفاخر اللباس والأمتعة. وتجلب إليها من كل أرض. وكان يجلس على حوانيتها أهل الفراغ واللهو. وكانت من عجائب المباني، وغرائب الآثار.
وحكى ابن ظافر أن ابن قلاقس جلس بمصر فيها مع جماعة، فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك. وهي شمس تحت سماء النقاب، وغصن في أوراق الشباب. فحدّقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب. فجعلت تتلفّت تلفّت الظبى المذعور، أفرقه القانص فهرب؛ وتتثنّى تثنّي الغصن الممطور، عانقه النسيم فاضطرب. فسألوه العمل في وصفها. فقال هذا يصلح أن يعكس فيه قول العطار الأزدي القيروانىّ:
"أعرضن لما أن عرضن فإن يكنحذرا، فأين تلفّت الغزلان؟ "
ثم صنع:
لها ناظر في ذرى ناضركما ركّب السّنّ فوق القناة
لوت حين ولّت لنا جيدهافأي حياة بدت من وفاة؟
كما ذعر الظبي من قانصفمر وكرر في الالتفات!
ثم صنع:
ولطيفة الألفاظ لكنّ قلبهالم أشك منه لوعة، إلا عتا
كملت محاسنها فودّ البدر أنيحظى ببعض صفاتها أو ينعتا
قد قلت لما أعرضت وتعرّضت:يا مؤيسا، يا مطمعا، قل لى متى؟
قالت: أنا الظبي الغرير وإنماولّى وأوجس خيفة فتلفتا
ومن ذلك الأهرام بمصر. وأجلّها الهرمان بجيزة مصر. وقد أكثر الناس القول في سبب ما بنيا له، فقيل: "هياكل للكواكب". وقيل: "قبور ومستودع مال وكتب" وقيل: "ملجا من الطوفان". وهو أبعد ما قيل فيها. لأنها ليست شبيهة بالمساكن.
وأقربها إلى الصحة - والله أعلم - أنها إما هياكل كواكب، وإما مواضع قبور. ولقد فتح أكبرها في زمان المأمون، حين قدم مصر. فلم يظهر منه ما يدلّ على ما وضع له. وعلى ألسنة الناس أنه وجد ذهبا فوزنه، وحسب مقدار ما أنفقه، فوجدهما سواء بسواء، لا يزيد أحدهما على الآخر بشئ، لعلمهم السابق أنه سينفق عليه مثل هذا المقدار. فوضع هذا المقدار بإزاء ما ينفق عليه.
ووجدت هذا في كثير من الكتب. فراجعت التواريخ الصحيحة والكتب
المسكون إليها، فلم أجد المأمون وجد به شيئا ولا استفاد زائدا عما يعلم الناس به علما.
وأدلّ الأدلة على أن أحدها هيكل بعض الكواكب، وأن الصابئة كانت تأتي حقيقة تحجّ الواحد وتزور الآخر، ولا تبلغ به مبلغ الأوّل في التعظيم. والله أعلم بحقيقة أمورها وجليّة أحوالها.
وهي أشكال لهبيّة. كأنّ كلّ هرم لهبة سراج. آخذة في أسافلها على التربيع مسلوبة في عمود الهواء، آخذة في الجوّ حتّى إلى التثليث. لولا استدارة سفل أبلوج السّكّر لشبهناها به. ويحتمل أن يكون هذا الشكل موضوعا لبعض الكواكب لمناسبة اقتضته.
ولقد أصعدت غير مرّة، مارّا على الأهرام بجميع بلاد الجيزة، ورأيت منها ما دثر بعضه، وما دثر كله. فإذا هي مصفحة البناء، شيئا على شيء، لا فسحة في أوساطها، كما تكون ساحات الدور بين الجدران. وإنما هي بناء ملتصق على بناء، بعضها فوق بعض. ووجدت بعض الأهرام مبنيّة بالطوب. وهذا أكبر دليل على أنها لم تتّخذ ملجأ من الطوفان.
فأما مقادر الهرمين المشار إليهما، في ارتفاعهما ومساحة أقطارهما، فإنه مذكور في الكتب ذكرا مستوعبا لم أحققه بالقياس. وأبى لي تحقيقي في هذا الكتاب أن أذكره بمجرّد التقليد، مع إمكان التحقيق، مع كثرة تردّدي عليها، وسكني بالقاهرة في جوارها. ولعذر مانع في وقت هذا التأليف، قعدت عن معاودتها بالنظر والتحقيق. على أن الهدم قد شرع في قلع هذه الآثار، ونقل أحجارها إلى الأبنية والمساكن. نبّه لها الدهر طرفا غافيا، وقلبا غافلا، فأصبحت
هاوية الأركان، تابعة السكان. فلقد صدق عليها المتنبيّ قوله:
أين الذي الهرمان من بنيانه؟من قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟
تتخلّف الآثار عن سكانهاحينا، ويدركها الفناء فتتبع!
وإن فيها لعبرة للمعتبر، وتذكرة للمدّكر، وآية لمن أناب، وتبصرة في الدنيا لمن يلد للفناء ويعمّر للخراب.
(وحكى ابن ظافر، قال: ذكر لي أن جماعة من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام، ليروا عجائب مبانيها، ويتأملوا غرائب ما سطّره الدهر من العبر فيها، فاقترح بعض من كان معهم العمل فيها. فصنع أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز [الداني الأندلسي]
بعيشك هل أبصرت أحسن منظراعلى ما رأت عيناك، من هرمى مصر؟
أنافا بأعنان السماء وأشرفاعلى الجوّ، إشراف السّماك أو النّسر
وقد وافيا نشزا من الأرض عالياكأنهما نهدان قاما على صدر
ومن ذلك أبو الهول. وهو اسم لصنم يقارب الهرم الكبير. في وهدة منخفضة تقع دونه شرقا بغرب. لا يبين من فوق سطح الأرض إلا رأس ذلك الصنم وعنقه. أشبه شيء برأس راهب حبشيّ، عليه غفّارية. على وجهه صباغ أحمر إلى حوّة، لم يحل على طول الأزمان، وقديم الآباد. وهو كبير. لو كان شاخصا كله، لما قصّر عن عشرين ذراعا طوله. في غاية مناسبة التخطيط.
يقال إنه طلسم يمنع الرمل عن المزدرع. وزاد تحسين هذا القول إليهم وتصويره لهم، أنه على نهاية الرمل إلى جهة المزدرع.
(وفي أبي الهول يقول [أبو منصور] ظافر الحدّاد:
تأمّل هيئة الهرمين وانظروبينهما أبو الهول العجيب!
كعمّاريتين على رحيلبمحبوبين، بينهما رقيب
وفيض البحر عندهما دموعوصوت الريح بينهما نحيب
وظاهر سجن يوسف مثل صبّتخلّف، فهو محزون كئيب
وأما سجن يوسف، فشمال الأهرام، على بعد منه، في ذيل خرجة من جبل في طرف الحاجر).
ومن ذلك حائط العجوز. وهو حائط يستدير بالديار المصرية، ممتدّا على جانب المزدرع بها، كأنه قد جعل حاجزا بين الرمل والمزدرع. على أنه غير عالي الذّرى.
مشيت معه إلى دندرا، من الصعيد الأعلى. ورأيته قد دثر غالبه، ومنقطعه أكثر من متصله. وهو مبنيّ من طوب. ليس بعريض السّمك ولا عالي الجدار.
ووقفت على الكتب المؤلفة في أخبار مصر أنه من بناء امرأة اسمها دلوك، وأنه يصل إلى ما بين العريش ورفح، منتهى الحدّ الفاصل بين مصر وبين الشام.
وليس له هناك أثر، بل ولا في اسافل أرض مصر.
ويذكر في تلك الكتب - بسبب بناء العجوز له - خرافة لسنا نرضى ذكرها.
ولا يعرف من بنى هذا الحائط حقيقة، ولا ما بني له عن يقين. ولكنا قلنا على الظن الغالب.
ومن ذلك شامة وطامة. وهما صنمان من حجر، على قاعدتين، ببلاد الصعيد.
ومن ذلك البرابي. بالصعيد، في أماكن منه.
وأشهرها برباة إخميم. من ورائها على شرقىّ النيل، حيث ينعطف الرمل
ملتفا على الريف.
رأيت بها مختلفات من صور الحيوان: من نوع الإنسان والدواب والوحش والطير. على صور مختلفة، وأشكال متباينة، مصبّغة بأنواع الأصباغ، مرسومة في الجدر والسقوف والأركان، من باطن البناء وظاهره، لم تنطمس رسومها، ولا حالت أصباغها: كأنّ يد الصانع ما فارقت صورها، وكفّ الصبّاغ ما مسح دهانها.
قال لي الحكيم المحقق شمس الدين محمد النقاش: إنه سافر قصدا إليها وأقام مدّة يردّد نظره فيها، ويجدّد نظره في أوضاعها. فرآها تشتمل على العلويّات المرصودة بأسرها، مما لا يعمل كلّ موضوع منها إلا برصد محرّر مما لا يسع زمان واحد بعضه. قال: فعلمت أنها ما عملت في زمان واحد، بوضع حكيم واحد: لقصر مدد الأعمار عن زمان يفي برصد تلك الهيئة الكاملة. قال:
وإنما تكون - والعلم لله - مما توارث عملها على حكم الأرصاد المحررة عدّة حكماء في أزمنة طويلة، حتىّ أستقلّ ذلك المجموع وتمت تلك الهيئة.
ومن ذلك عمود الصّواري. بظاهر الإسكندرية. وهو عمود مرتفع في الهواء تحته قاعدة، وفوقه قاعدة. يقال إنه لا نظير له من العمد في علوه ولا في استدارته. ويحكى عنه حكايات منها ما هو مسطّر في الصحف، ومنها ما هو مستفيض على الألسنة، مما لا نرى ذكره.
ومن ذلك المنارة بها، وشهرتها كافية. ولم يبق منها إلا ما هو في حكم الأطلال الدوارس، والرسوم الطوامس.
وقد كانت المنارة مسرح ناظر، ومطمح أمل حاضر؛ طالما جمعت أخدانا،
وكانت لجياد الخواطر ميدانا.
حكى ابن ظافر أن ابن قلاقس والوجيه [أبا الحسن عليّا] بن الذرويّ طلعا المنارة. والوجيه يومئذ في عنفوان [شبابه و] صباه، وهبوب شماله في الجنوب وصباه. وابن قلاقس مغرم به، مغرى بحبه، مكبّ على تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه. ولم تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة، فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة.
فقال [بديها]:
وسامية الأرجاء تهدى أخا السّرىضياء، إذا ما حندس الليل أظلما
لبست بها بردا من الأنس ضافيافكان بتذكار الأحبّة معلما
وقد ظللتنى من ذراها بقبّةألاحظ فيها من صحابى أنجما
فخيّلت أن البحر تحتي غمامة يوأنّى قد خيّمت في كبد السّما
فاشتدّ سرور ابن قلاقس وفرحه، وقال يصفها ويمدحه:
ومنزل جاور الجوزاء مرتقياكأنّما فيه للنّسرين أوكار
رأسى القراءة سامي الفرع في يدهللنّون والنّور أخبار وآثار
أطلقت فيه عنان النظم فاطّردتخيل لها في بديع الشّعر مضمار
ولم يدع حسنا فيه أبو حسنإلا تحكم فيه كيف يختار
حلّى المنارة لما حلّ ذروتهابجوهر الشعر بحر منه زخّار
ما زال يذكي بها نار الذكاء إلىأن أصبحت علما في رأسه نار
ومن ذلك الملعب بها. وقد كان له عيد يجتمعون إليه فيه، في كل سنة، وترمى به كرة. فمن وقعت في كمه، آل إليه الملك. وحضره عمرو بن العاص في الجاهلية، ووقعت الكرة في كمّه. فقالوا: أخرمت العادة؟ فإن مثل هذا لا يملّك. وهذه واقعة مشهورة، لا حاجة إلى الإطالة بها.
ومكان هذا الملعب عمّر بنو خليف القصر المنسوب إليهم.
وحكى ابن ظافر أن ابن قلاقس حضر يوما عند بنى خليف [بظاهر الإسكندرية] في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد يمزّق بمزاحمته أثواب السما. قد ارتدى جلابيب السحائب، ولاث عمائم الغمائم. وابتسمت ثنايا شرفاته، واتسمت بالحسن حنايا غرفاته. وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما أوتمنت عليه من ودائع أمطارها. والرمل بفنائه قد نشر تبره في زبرجد كرومه، والجوّ قد بعث بذخائر الطيب إليه لطيمة نسيمه. والنخل
قد أظهرت جواهرها، ونشرت غدائرها. والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد [غيظا] من عبث الرياح به. فسأله بعض الحضور أن يصف الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه. فجاشت لذلك لجج بحره، وألقت إليه جواهره لترصيع لبّة ذلك القصر ونحره، فقال
قصر بمدرجة النسيم تحدثتفيه الرياض بسرّها المستور
خفض الخورنق والسدير سموّهوثنى قصور الرّوم ذات قصور
لاث الغمام عمامة مسكيةوأقام في أرض من الكافور
غنى الربيع به محاسن وصفهفافترّ عن نور يروق [ونور]
فالدّوح يسحب حلّة من سندستزهو بلؤلؤ طلّها الموفور
والنخل كالغيد الحسان تقرّطتبسبائك المنظوم والمنثور
والرمل في حبك النسيم كأنماأبدى غصون سوالف المذعور
والبحر يرعد متنه فكأنهدرع تسنّ بمعطفي مقرور
وكأننا، والقصر يجمع شملنافي الأفق، بين كواكب وبدور
وكذاك دهر بني خليف لم يزليثني المعاطف في حبير حبور
ومن ذلك مدينة لبدة. وهي خراب يباب. بها صنمان عظيمان من الرّخام الأبيض، في زيّ امرأتين. وغالب بناء هذه المدينة - في جدرها وسقوفها وفرش دياراتها وأرضها - من الرخام الأبيض. وكان يجري إليها واد يصب إلى البحر الشاميّ وترسى السفن البحرية إليه. وطفّات الوادي ومجاري الماء مرصوفة بالرخام. فغلب عليها سافي الرمل، فقطع مدد الوادي، وأخلى أوطانها، وأجلى سكّانها. وهذه المدينة ببرقة، مما يقابل أطرابلس الغربية.
ومن ذلك المعلّقة. وهي مدينة بإفريقية. على ساحل البحر الشاميّ على نحو ستة عشر ميلا من تونس. يقال إنها كانت لابنة الملك الذي قال الله، وقوله الحق، في حقه: ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾. بها آثار عظيمة، وأحجار كبيرة، ومهاو بعيدة، وأسراب
عميقة. تظهر لمن تأملها العجب العجاب، واللّب اللباب. ومن عظيم ماحوته من الأحجار، أنه على طول المدد، وتراخى عنان الأبد، أنه ينقل من أحجارها إلى ما جاورها ولا ينقطع مددها، ولا يظهر نقص في كثرتها.
ومن ذلك مدينة شرشال. وهي مدينة تقابل مليانة، بالغرب الأوسط، على ساحل البحر الشاميّ. يقال إنها كانت مدينة الملك الغاصب للسفن، المعنىّ بقوله تعالى في سورة الكهف. وقد تقدّمت الآية عند ذكر ابنة هذا الملك، فيما قبل. وهي مدينة تزيد على الوصف، في اتساع الأفنية، وارتفاع الأبنية، وعظم القناطر المرفوعة، والأقبية المعقودة، والقواعد المشيدة، والجدر السميكة، مما يشهد له جوّال الأرض، وسفّار الآفاق، وسمّار الحديث، بأنه لا شبيه له في تخشين بنائها، وتحسين صناعاتها.
ومن ذلك صخرة سبتة. يقال إنها المعنية بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى اَلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ اَلْحُوتَ﴾. وهي مشهورة هناك.
ومن ذلك هيكل الزّهرة. بالأندلس، في ذيل الجبل الآخذ بين طليطلة ووادى آش في شرقية بشمال. مطلّ على البحر المحيط. وقد تقدّمت الإشارة إليه.
ومن ذلك باب الصّفر. في شرقي الأندلس يفصل بينه وبين الأرض الكبيرة. ذات الألسن العديدة من سكان الشمال. عمل الباب على نقب كان فتح في جبل حيث خرجت من البحر الشامي طريقا للأندلس إلى البر المتصل.
وقد رأيت أن أعقب ذكر هذه الآثار، بما هو مماثلها أو أبلغ في الاعتبار، وهو: قصر العبّاس. وهو بين سنجار ونصيبين. وهو وإن لم يكن في القدم من نسبة ما ذكرنا، فإنه في العبرة كما أشرنا. حكى قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن خلّكان في تاريخه قال: مر أبو الربيع قرواش بن المقلّد بن المسيب بقصر العباس بن عمرو الغنوي وكان مطلّا على بساتين ومياه كثيرة.
فتأمله، فإذا في حائط منه مكتوب:
يا قصر عباس بن عمّرو، كيف فارقك ابن عمرك؟
قد كنت تغتال الدّهور، فكيف غالك ريب دهرك؟
واها لعزّك بل لجودك بل لمجدك بل لفخرك!
وكتبه علي بن عبد الله بن حمدان بخطه سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
(وهذا هو الأمير سيف الدولة بن حمدان)
وتحته مكتوب:
يا قصر، ضعضعك الزمان وحطّ من علياء فخرك!
ومحا محاسن أسطرشرفت بهنّ متون جدرك!
واها لكاتبها الكريم وقدره الموفي بقدرك!
وكتبه الغضنفر بن الحسن بن علي بن حمدان بخطه سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
(وهذا هو عدة الدولة ابن الأمير ناصر الدولة أخي سيف الدولة)
وتحته مكتوب:
يا قصر، ما فعل الأولىضربت قبابهم بعقرك؟
أخنى الزمان عليهموطواهم لطويل نشرك!
واها لقاصر عمر منيختال فيك، وطول عمرك!
وكتبه المقلّد بن المسيب بن رافع بخطه في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (وهذا هو والد قرواش)
فكتب ولده قرواش تحته:
يا قصر، ما صنع الكرام الساكنون قديم عصرك؟
عاصرتهم فبذذتهموشأوتهم طرا بصبرك!
ولقد أثار تفجّعىيا ابن المسيّب رقم سطرك!
وعلمت أنّي لا حقبك دائب في قفو إثرك!
وكتبه قرواش بن المقلد بن المسيب بخطه في سنة إحدى وأربعمائة.
وعزم على هدمه، وقال: هذا مشؤوم. ثم تركه.
وباني هذا القصر العباس بن عمرو الغنوىّ من أهل تلّ سيّار، باني الرقة ورأس عين من حصن مسلمة بن عبد الملك بن مروان. وكان يتولّى اليمامة والبحرين.
وسيّره المعتضد لحرب القرامطة في عشرة آلاف فارس. فقتل الجميع، وسلم وحده وعمرو بن الصفار حارب إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان في خمسين ألف فارس فأخذوه وسلم الباقون. (وكذلك قصر البصرة. وكان قبل أن تختطّ البصرة منزلا تنزله الأكاسرة في متصيّداتهم، وتخرج إليه الأساورة في متنزّهاتهم. وتهدّم حتّى جدّده الحجاج، فعرف به، فقيل قصر الحجاج. وكان يعرف بقصر قباذ. وقال: قال أبو الغرّاف: قال الحجاج لجرير والفرزدق، وهو في قصره بالبصرة بالجزيرة: «إيتياني في لباس آبائكما في الجاهلية». فلبس الفرزدق الديباج والخزّ، وقعد في قبّة، وشاور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: "ما لباس آبائنا إلا الحديد". فلبس درعا وتقلد سيفا وتأبط رمحا وركب
فرسا، وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع. وجاء الفرزدق في هيئته. فتقاولا.
فقال جرير:
لبست سلاحي، والفرزدق لعبةعليه وشاحا حليه وخلاخله
أعدوا مع الخزّ الملاب؛ فإنّماجرير لكم بعل وأنتم حلائله!
ثم رجعا. فوقف جرير في معرّة بني حصن، ووقف الفرزدق بالمربد. وقد أبر جرير عليه.).
وكذلك قصر الكوفة. وقد هدم، فلم تبق منه باقية.
وله حكاية مشهورة. ولهذا ذكرناه.
قال عبد الملك بن عمير: كنت مع عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة، حين جيء برأس مصعب بن الزبير. فوضع بين يديه، فرآني قد ارتعدت فقال لي:
مالك؟ فقلت: أعيذك بالله، يا أمير المؤمنين! كنت بهذا القصر، في هذا الموضع، مع عبيد الله بن زياد، فرأيت رأس الحسين بين يديه. ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد، فرأيت رأس ابن زياد بين يديه. ثم كنت فيه مع مصعب بن الزبير.
فرأيت رأس المختار بين يديه. ثم ها أنا فيه معك، ورأس مصعب بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك. وأمر بهدم ذلك الطاق.
ولمناسبة هاتين الواقعتين، ذكرنا هذين القصرين، لما فيهما من العبرة لمن تفكر. فسبحان الله الباقي الدائم وكل شيء هالك، وما سواه ليس كذلك!
(ومنها قصر هرقل. وهو بالشّرف الأعلى الشمالىّ. ويعرف في زماننا بقصر شمس الملوك. ولم يبق منه اليوم إلا الجوسق والحمام. والجوسق الآن خانقاه للفقراء. ولم يزل منزلا للملوك ومنزها لأهل البلد، لإشرافه [على] نهر بردى والوادي، ونزله السلطان صلاح الدين.
وحكى ابن ظافر قال: دخل أبو خالد بن صغير القيسرانيّ على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نوربخت، أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفا، وجرّ النسيم عليها مارقّ من أذياله وضفا. وهو تارة يرشف رضابها، ويجعّد ثيابها، وتارة يسبكها مبردا، ويحبكها مسردا. فأمره بوصفها، فقال:
أو ما ترى طرب النسيم إلى الغدير إذا تحرّك؟
بل لو رأيت الماء يلعب في جوانبه، لسرّك!
وإذا الصّبا هبت عليهـ، أتاك في ثوب مفرّك
ومن ذلك ما ذكره الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر، في ترجمة إسماعيل بن أبي هاشم. قال: قرأت بخط أبي الحسن رشإ بن نظيف، وأنبأنيه أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الوحش سبيع بن المسلم، عنه: أخبرنا القاضي أبو عبد الله بن محمد بن الحسن بن عليّ بن محمد بن يحيى الدقاق: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن سلامة الصحاويّ: حدثنا إسماعيل بن أبي هاشم، قال: قرأت على قصر بدمشق لبني أميّة:
ليت شعرى! ما حال أهلك يا قصر وأين الذين عالوا بناكا؟
ما لأربابك الجبابرة الأملاك شادوك ثم حلّوا سواكا؟
الزّهد يا قصر فيك تحاموك ألا تبتنى ولست هناكا؟
ليت شعرى! وليتني كنت أدري!ما دهاهم، يا قصر، ثمّ دهاكا؟
ومن خلفه: «هذا جواب عنهم»:
أيّها السائل المفكر فيهم!ما إلى ذا السّؤال - قل لي - دعاكا؟
أو ما تعرف المنون إذا حلّت ديارا فلن تراعي هلاكا!
إنّ في نفسك الضعيفة شغلافاعتبر وامض فالمنون وراكا!
قال: وحدثني أبو الحسن بن الصحاويّ: حدثني ابن أبي هاشم قال: قرأت
بحلوان [مصر] على قصر لعبد العزيز بن مروان:
أين ربّ القصر الذي شيّد القصر، وأين العبيد والأجناد؟
أين تلك الجموع والأمر والنهى وأعوانهم وذاك السواد؟
أين عبد العزيز، أين ابن مروان وأين الحماة والأولاد؟
ما لنا لا نحسّهم ونراهم!أترى، ما الذي دهاهم، فبادوا؟
قال: وقرأت تحته: "هذا جواب عنهم:
أيّها السائل المفكّر فيهمكيف بادت جموعهم والسّواد
ثم في القصر والذين بنوهأسفا، حين فارقوه وبادوا
أيّن كسرى وتبّع قبل مروان ومن قبل تبّع شدّاد
أين نمرود؟ أين فرعون موسى؟أين من قبلهم ثمود وعاد؟
كلّهم في التراب أضحى رهيناحين لم تغن عنهم الأجناد!
إنّ في الموت يا أخي لك شغلاعن سواه، والموقف الميعاد!
ومما ينسحب على ذيل ذلك، أنني نزلت في مسجد بقنيّة السلار، من اليرموك بالشام (وكانت قديما منازل غسّان، ثم نزلها قوم من آل يسار، ثم صارت إلى بني السلار، وكانوا أمراء نبلاء، وسادة أجلاء، ثم أبادهم الحدثان) فقرأت على بعض جدران المسجد:
أرأيت أيّ منازل وديارأمست خلاء من بني السّلّار
العامرين مساجدا لإلههمالغامرين ندى ذوي الإعسار؟
وقد كتب آخر تحتها:
قلبي المشوق إلى بني السلّارأبدا يقلّب فوق جذوة نار!
قوم لحسن صنيعهم أحببتهمحبي لآل محمد الأطهار!
فكتبت تحتها:
لا تنكرن تنكّر الآثاروتغيّر الأوطان والأوطار!
يا من تعجّب للقنية إذ خلتمن ساكنيها من بني السّلار!
لا تعجبنّ فهم سلالة آدمأكل المنون وعرضة الأقدار!
إن تخل منهم، فهي من قبل خلتمن آل غسّان وآل يسار!
لا تعجبنّ من الفراق، فإنّهما هذه الدّنيا بدار قرار!
جاؤوا على آثار غيرهم وقدذهبوا كما ذهبوا على الآثار!
وسبيلنا لما أتينا بعدهمكسبيلهم في الورد والإصدار!
كلّ الذي حازوه عارية ولاعجب إذا ردّ المعار عواري!
قلت: ومن هذا النوع أنني مررت بعد حين من الدهر بمعاهد كنت آلفها أوّل عمري، والشيب ما عارض عارضي ولا عذري؛ وعقد الاجتماع منظوم، وأهلها أهلّة ونجوم. فوجدتها خالية بعد أهلها، ظامية بعد علّها ونهلها؛ قد أصبحت عارية من ريفها وظلّها، عادمة لكثرها وقلّها. وقد كتب عليها بعض من ولع:
هذه دارهم وماتوا جميعاهكذا هكذا يعادي الزمان!
فحرّكني هذا البيت، لسكان ذلك البيت، وأيامنا نحن وساكنه الميت، وتذكرت تلك الأيام الماضية، والعيشة الراضية، ثم ما غرت الحوادث، وسدّت من الأبواب والبواعث، فقلت ارتجالا:
أين دهر مضى لنا أوّل العمر وأين الزمان والإخوان؟
حدثت بعدنا عليهم أمور!هات شيئا ما اغتاله الحدثان؟
ذهب الكلّ في زمان تقضىكلّ شيء يأتي عليه الزمان!
ما تبقّى لنا من الكلّ إلاقولنا للتّذكار: كنّا وكانوا!
ثم أمرت من كتبها تحت البيت وانصرفت باكيا، وشكوت لو أنصف الدهر شاكيا.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع