من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
البيوت المعظمة عند الأمم
وأما غير ذلك مما هو لطوائف الأمم:
فأول ذلك ما كانت عبّاد الكواكب تعظمه.
وهي سبعة بيوت في الأرض. يرون أن كلا منها هيكل كوكب من الكواكب السبعة السيارة: لاعتقادها أن الكواكب أجسام حيّة ناطقة، تجري بأمر الله في كل ما يحدث في العالم. فقرّبوا إليها القرابين، لتنفعهم. فلما رأوها تخفى في النهار وبعض أحايين الليل، عملوا لها تماثيل، وبنوا لها البيوت والهياكل: ظنّا أنهم إذا عظموا تلك التماثيل الموضوعة لها، تحرّكت الأجسام العلوية بمرادهم.
وقد قال الله تعالى، حكاية عن قوله: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اَللّهِ زُلْفى﴾. والأبيات السبعة التي كان إليها حجّهم:
أوّلها البيت الحرام. كان يأتيه منهم من يتقرّب بزحل.
قلت: وإن صح قولهم من قصد هؤلاء البيت الحرام بالتعظيم، فلا عجيب.
فإنه ما زال معظما في الإسلام وقبل الإسلام، تحجّ إليه طوائف الأمم في كلّ الأوقات. زاده الله إبقاء وأدامة، ووصل شرفه بيوم القيامه!.
وثانيها بيت فارس، على رأس جبل أصفهان. وبينهما ثلاثة فراسخ.
كان يأتيه منهم من يتقرّب بالمشترى. ثم جعله يستأسف - لمّا تمجّس - بيت نار. فعظمه المجوس.
وثالثها بيت مندرسان، ببلاد الهند كان يأتيه منهم من يتقرّب بالمرّيخ. وقد ذكره أبو عبيد البكرىّ وقال: إن من القوى الدافعة والجاذبة والمنفرة، أوصافا لا يسع ذكرها. ثم قال: وهو بيت مشهور من أراد البحث عنه، فليبحث.
ورابعها بيت كاوسان. بناه كاوس الملك، بمدينة فرغانة. كان يأتيه منهم من يتقرّب إلى الشمس. قال أبو عبيد البكريّ: وهدمه المعتصم. ولهدمه خبر ظريف ذكر في «كتاب أخبار الزمان».
وخامسها بيت غمدان. بناه الضحاك بمدينة صنعاء. كان يأتيه منهم من يتقرّب بالزّهرة. وخرّبه عثمان بن عفان، ﵁. والآن مكانه
بركة. وآثاره كالجبل الضخم. وكان الوزير عيسى بن الجراح. لما نفي إلى اليمن احتفر به بئرا وبنى عليه سقاية. قال البكري: وزعم أهل اليمن أنه سيبنى على يد غلام يخرج من بلاد سبأ، يؤثّر في هذا العالم تأثيرا عجيبا.
وسادسها بيت بأعلى بلاد الصين. بناه ولد عامور بن سوبل بن يافث ابن نوح. يأتيه منهم [من] يتقرّب لعطارد خاصة، ولسائر الكواكب السبعة السيارة عامة. وهو سبعة أبيات، في كل بيت سبع كوى، يقابل كل كوّة صورة على صورة كوكب من الخمسة والعشرين. ولهم فيه أسرار بزعمهم.
وسابعها بيت النّوبهار. بناه منوشهر الهنديّ بمدينة بلخ. وكان يأتيه من الصابئة من يتقرّب بالقمر. وكان يسمّى المتوليّ لسدانته "برمك". وكانت ملوك الفرس تعظمه وتعظم متوليه. وآلت ولايته إلى أبى خالد البرمكيّ، فلهذا قيل "خالد بن برمك" ولهذا قيل "البرامكة". وكان من أعلى المباني تشييدا.
وكان يلبّس بالحرير الأخضر، تنشر عليه شقاق منه. طول كل شقّة مائة ذراع.
فيقال إن الريح حملت بعض تلك الشّقاق فرمت به على مسيرة خمسين فرسخا.
وهذا يدل على علوه الزائد. وكان قد كتب على باب النوبهار بالفارسية: "قال سوراشف الملك: أبواب الملوك تحتاج إلى ثلاث خصال: عقل، صبر، ومال".
ثم لما ملك الإسلام مدينة بلخ، كتب تحت هذه الكتابة بالعربية: "كذب سوراشف. الواجب على الحرّ إذا كان معه واحدة من هذه الخصال أن لا يلزم باب السلطان".
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع