تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

مقام عيسى بالربوة

روى هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم، قال: «حدثنا الأوزاعيّ عن حسان بن عطية أن ملكا من بني إسرائيل حضره الموت، وأوصى بالملك لرجل حتّى يدرك ابنه. وكانوا يؤمّلون أن يدرك ابنه فيملّكوه. قال: فمات فجزعوا عليه. فلما خرجوا بجنازته، وفيهم عيسى بن مريم، دنا من أمّه فقال: أرأيت إن

أنا أحييت لك ابنك، أتؤمنين بي وتتبعيني؟ قالت: نعم فدعا الله. فجعلت أكفانه تتحلّل عنه، حتى استوى جالسا. فقالوا: هذا عمل ابن الساحرة. وطلبوه حتّى انتهى إلى شعب النيرب. فاعتصم منهم بقلعة على صخرة متعالية. فأتاه إبليس فقال: «جئتك، وما أعتذر إليك من شيء. هذا أنت لم تنافسهم في دنياهم ولا شبر من الأرض، صنعوا بك ما صنعوا. فلو ألقيت نفسك من هذا المكان، فتلقاك روح القدس فيذهب بك إلى ربك فتستريح منهم؟» فقال: «يا غويّ، الطويل الغواية! إني واجد فيما علمني ربي، ﷿، أني لا أجرّب ربّي حتّى أعلم أراض عني أم ساخط عليّ» فأقبلت أمّ الغلام، فقالت: يا معشر بني إسرائيل! كنتم تبكون وتشقّون ثيابكم جزعا عليه، فلما أحياه الله لكم أردتم قتله. قالوا: فما تأمرينا به؟ قالت: إيتوه فآمنوا به. فأتوه فقالوا: خصلة بيننا وبينك! إن أنت فعلتها، اتّبعناك. قال: وما هي؟ قالوا. تحيي لنا عزيزا قال:

دلّوني على قبره. فنزل عيسى معهم حتّى انتهوا به إلى قبره. قال: فتوضأ وصلّى ركعتين ودعا. فجعل قبره يتفرّج عنه التراب. فخرج قد ابياضّ نصف رأسه ولحيته وهو يقول: هذا فعلك يا ابن مريم! قال: لم أصنع بك. هذا فعل قومك.

زعموا أنهم لا يؤمنون لي ولا يتبعوني حتّى أحييك لهم. وهذا في هدى قومك يسير. قال فأقبل عليهم يعظهم ويأمرهم باتباعه. فقال له قومه: عهدناك وأنت أسود الرأس واللحية! فما لنصف رأسك ولحيتك قد ابيضّ؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أنها دعوة الداعية، حتّى أدركني ملك، قال: إنما هي دعوة ابن مريم. فانتهى الشيب إلى ما ترى». واختلف أهل التفسير في تعيينها.

وروي مرفوعا عن النبيّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾، قال تدرون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هي بالشام بأرض يقال لها الغوطة، مدينة يقال لها دمشق، هي خير مدائن

الشام.

وروي عن ابن عباس قال: الرّبوة أنهار دمشق.

وكذا قال سعيد بن المسيّب ويزيد بن شجرة، وقال كعب: أمر الله تعالى عيسى بن مريم وأمّه أن يسكنا دمشق، وهي إرم ذات العماد.

وقال الحسن في تفسير الآية: هي أرض ذات أشجار وأنهار. يعني أنها دمشق.

وعن الوليد بن مسلم عن بعض مشيخته أن بني إسرائيل همت بعيسى فأمره الله أن ينطلق إلى دمشق. وقال الحسن: ذات قرار ومعين، ذات معيشة تقوتهم وتحملهم. وماء جار: قال: هي الربوة، هي دمشق.

وقيل إن الربوة في القرآن هي الرملة. روي مرفوعا عن النبيّ ﷺ وزاد فيه:

«ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك. قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس».

وروى عبد الرزاق في تفسيره عن أبي هريرة قال: هي الرملة من فلسطين.

ويروى عن قتادة: هي بيت المقدس.

وقال زيد بن أسلم: هي الإسكندرية.

وقال وهب: هي مصر.

ويروى عن جابر الجحفي عن أبي جعفر: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ﴾، قال:

الكوفة، والمعين الفرات.

وقيل غير ذلك. والراجح عند الأكثر أنها ربوة دمشق.

وهذه الأقوال واهية. وإنما ذكرناها للتعجب، اقتداء بالحافظ أبي القاسم بن عساكر، ﵀!

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.