من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
مسجد قرطبة
مسجد عظيم ليس في مساجد المسلمين مثله بنية وتنميقا، وطولا وعرضا.
وطول هذا الجامع مائة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعا. ونصفه مسقّف، ونصفه
صحن للهواء.
وعدد قسي مسقّفه تسعة عشر قوسا. وفيه من السواري (أعني سواري مسقّفه بين أعمدته وسواري قبلته - صغارا وكبارا - مع سواري القبة الكبرى وما فيها) ألف سارية.
وفيها ثريات كبيرة للوقيد. منها واحدة يوقد فيها ألف مصباح. وأقلها تحمل اثني عشر مصباحا.
وسقفه كله سماوات خشب مسمرة في جوائز سقفه. وجميع خشب هذا الجامع من عيدان الصنوبر الطرطوشي. ارتفاع الجائزة منها شبر في عرض شبر إلا ثلاثة أصابع. وطول كل جائزة سبعة وثلاثون شبرا. وبين الجائزة والجائزة غلظ جائزة. والسماوات المذكورة كلها مسطحة: فيها ضروب صنائع من الضروب المسدّسة والمدرّب وهو صنعة الفص وصنعة الدوائر. والمداهن لا يشبه بعضها بعضا بل كل سماء منها كتف بما فيه من صنائع قد أحكم ترتيبها وأبدع تلوينها بألوان حمرة الزنجفرية والبياض الإسفيداجيّ والزرقة اللازوردّية والزرنوق الباروتيّ والخضرة الزنجارية والتكحيل النّقسي. تروق العيون وتستميل النفوس: بإتقان ترسيمها، ومختلفات ألوانها وتقسيمها.
وسعة كل بلاط من بلاط مسقفه ثلاثة وثلاثون شبرا. وبين العمود والعمود خمسة عشر شبرا.
ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة. وقد عقد بين العمود والعمود على أعلى الرأس قسيّ عليها قسيّ آخر، على عمد من الحجر المنحوت، متقنة.
وقد جصّص الكلّ منها بالجص والجيّار. ورتبت عليها نجور مستديرة، ثابتة بينها ضروب صناعات الفص بالمغرة. وتحت كل سماء منها إزار خشب.
ولهذا المسجد الجامع قبلة تعجز الواصفين أوصافها. على وجه المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد طول كل قوس منها أشفّ من قامة، وكل هذه القسيّ مزجّجة بصنعة القوط. قد أعيت الروم والمسلمين بغريب أعمالها ودقيق تكوينها ووضعها. وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران، واثنان زرزوريان. لا تقوّم بمال.
ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعة خشبه آبنوس وبقس وعود المجمر. ويحكى في كتب تواريخ بني أمّية أنه صنع في نجارته ونقشه سبع سنين. وكان عدد صنّاعه ستة رجال، غير من يخدمهم ويتصرف لهم. ولكل صانع منهم في اليوم نصف مثقال محمدّيّ.
وعن شمال المحراب بيت فيه عدّد وطسوت ذهب وفضة وحسك. وكلها لوقيد الشمع في ليلة سبع وعشرين من رمضان.
وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان، لثقله. فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان الذي خطه بيمينه، وفيه نقط من دمه.
ولهذا الجامع عشرون بابا، مصفحة بصفائح النحاس وكواكب النحاس، وفي كل باب منها حلقتان في نهاية الإتقان.
وفي الجهة الشمالية منه الصومعة، الغريبة الشكل والصنعة، الجليلة الأعمال الرائقة. ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشي: منها ثمانون ذراعا إلى الموضع الذي يقف عليه المؤذن بقدميه، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعا.
ويصعد إلى أعلى المنار بدرجتين: أحدهما من الجانب الغربيّ والثاني من الجانب الشرقيّ. إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة، لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى.
والذي في الصومعة من العمد بين داخلها وخارجها ثلثمائة عمود: بين صغير وكبير. وفي أعلى الصومعة على القبة التي على بيت المؤذنين ثلاث تفّاحات: واحدة من ذهب، واثنتان من فضة. تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلا من الزيت.
ويخدم الجامع كله ستون رجلا.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع