تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

مسجد عمرو بن العاص

مسجد عظيم بمدينة الفسطاط. بناه عمرو بن العاص، موضع فسطاطه وما جاوره. وموضع فسطاطه منه، حيث المحراب والمنبر.

وهو مسجد فسيح الأرجاء، مفروش بالرخام الأبيض، وعمده كلها رخام (ووقف عليه نحو ثمانين من الصحابة وصلّوا فيه).

ولا يخلو من سكنى الصلحاء. معمور الأوقات بالذكر. وبعقب صلاة الصبح فيه أوقات مشهودة ومواسم خير لا تعدّ.

وحكى على بن ظافر [الأزديّ] قال: روي لي أن الأعز أبا الفتوح بن قلاقس و [نشو الملك عليّ بن مفرج] بن المنجّم اجتمعا في منار الجامع في ليلة فطر ظهر بها الهلال للعيون، وبرز في صفحة بحر النيل كالنون. ومعهما جماعة من غواة الأدب، الذين ينسلون إليه من كل حدب. فحين رأوا الشمس فوق بحر النيل غاربة، وإلى مستقرّها جارية ذاهبه، قد شمرت للمغرب الذيل، واصفرّت خوفا من هجمة الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق. فاقترحوا عليهما أن يصنعا في ذلك الوقت النزيه، على البديه.

فصنع ابن قلاقس:

أنظر إلى الشمس فوق النيل غاربةوانظر لما بعدها من حمرة الشفق
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «انظر الى الشمس فوق النيل غاربة»
غابت وأبقت شعاعا منه يخلفهاكأنّما احترقت بالماء في الغرق
وللهلال، فهل وافى لينقذهافي إثرها زورق قد صيغ من ورق؟
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «انظر الى الشمس فوق النيل غاربة»

وصنع ابن المنجم:

يا ربّ سامية في الجو قمت بهاأمدّ طرفي في أرض من الأفق
حيث العشيّة في التمثيل معركةإذا رآها جبان، مات للفرق
شمس نهاريّة للغرب ذاهبةبالنيل مصفرة من هجمة الغسق
وللهلال انعطاف كالسّنان بدامن سورة الطعن ملقى في دم الشّفق

وحكى عليّ بن ظافر أيضا. قال: أخبرني [أبو عبد الله] بن المنجم الصواف، بما معناه قال: صعدت إلى سطح الجامع بمصر في آخر شهر رمضان مع جماعة. فصادفت به الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس ونشو الملك عليّ بن مفرّج بن المنجم وابن مؤمن وشجاعا المغربيّ في جماعة من الأدباء. فانضفت إليهم. فلما غابت الشمس وفاتت، ودفنت في المغرب حين ماتت، وتطرز حداد الظلام بعلم هلاله، وتحلى زنجيّ الليل بخلخاله، اقترح الجماعة على ابن قلاقس وابن المنجم أن يعملا في صفة الحال. فأطرق كلّ منهما مفكرا، وميز ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متخيّرا. فلم يكن إلا كرجع الطّرف، أو وثبة الطّرف، حتّى أنشدا.

فكان ما صنعه نشو الملك:

وعشيّ كأنما الأفق فيهلازورد مرصّع بنضار!
قلت لمّا دنت لمغربها الشمس ولاح الهلال هذا الهلال للنّظّار:
أقرض الشرق صنوه الغرب دينارا فأعطى الرهين نصف سوار!

وكان الذي صنعه ابن قلاقس:

لا تظن الظلام قد أخذ الشمس وأعطى النهار هذا الهلالا
إنما الشرق أقرض الغرب دينارا فأعطاه رهنه خلخالا!

قال: وهذا مما تواردت في معناه الخواطر. وقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعزّ أبي الفتوح ابن قلاقس، لتنصيفه السوار. وعلى كل حال فقد أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.