تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

بيوت النيران

وأما بيوت النيران، فأوّل من ذكرها أفريدون. قال: لأنه زعم أنها من جنس الكواكب النورية. وبالنور صلاح العالم. لأنها عندهم أصل كل حيّ ومبدأ كل تمام. لأنها تجذب الحيوان إليها كالفرّاش الطائر بالليل، وما يصاد بالليل بالسّرج من الوحش والطير والسمك كما يصاد في البصرة بإيقاد السرج في الزواريق، فيطلع السمك من الماء حتّى يقع في الزواريق. ويبطل أقوال المجوس في اجتذاب النار للحيوان أن الحيوان ينام الليل لاحتباسه عن الإسفار، فإذا رأى النّار ظنّه فرجة إلى النهار، فقصده.

وليس هذا موضع ذكر شبهتهم والأجوبة عنها. وإنما ذكرنا هنا ما هو لائق به.

وبيوتهم المشهورة خمسة:

- فأوّلا، بيت بطوس.

- وثانيها، بيت بخارا، بناهما أفريدون.

- وثالثها، بيت دارا بجرد في أرض فارس.

كان زرادشت نبيّ الفرس، على ما زعموا، قد أمر يستاسف الملك أن يطلب نارا كان يعظمها جمّ، الملك؛ فوجدت بخوارزم. فنقلها يستاسف إلى دارابجرد. قال البكري: والمجوس تعظم هذه النار، وهي أكرم نيرانهم.

- ورابعها، بيت بإصطخر، من فارس. ويقال إنه كان مسجد سليمان، ﵇.

وقال المسعودىّ وقد دخلته. وهو على نحو فرسخ من مدينة إصطخر.

فرأيت بنيانا عجيبا وهيكلا عظيما، وفي أعلاه صور من الصخر محكمة، عظيمة المقادير من الخيل وسائر الحيوان. يحيط بذلك كله سور من الحجر، فيه صور الأشخاص، قد شكّلت وأتقنت. ويزعم من جاور هذا الموضع أنها صور الأنبياء، ﵈. وفي جوف هذا الهيكل الريح غير خارجة منه في ليل ولا نهار: لها هبوب وحفيف. يذكر من هناك من المسلمين أن سليمان حبس الريح فيه، وأنه كان يتغدّى ببعلبك، من أرض الشام، ويقيل بمدينة تدمر، في الملعب المتّخذ فيها (وهي في البرّيّة بين العراق ودمشق من أرض الشام. وبين تدمر والشام ستة أيام) ثم يتعشّى بهذا المسجد.

وبتدمر خلق من العرب من قحطان.

- وخامسها، بمدينة جور التي يضاف إليها الماء ورد. بيت نار بناه أردشير له يوم عيد. وهو على عين هناك، عجيبة. وإليه متنزهاتهم. وفي وسط جور بنيان كانت تعظمه الفرس، يعرف بالطربال. خربه المسلمون.

وإنما فضل ماء وردهم، لصحة التربة وصفاء الهواء.

وألوان سكانها في غاية الحسن، من اعتدال الحمرة والبياض.

وبين جور وشيراز (وهي قصبة فارس) عشرون فرسخا.

فسبحان الذي منّ علينا بالإسلام، وهدانا إليه وعلّمنا ما لم نكن نعلم، وفضّلنا على كثير من خلقه، تفضيلا!

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.