تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي

أبو محمد المقرئ النحوي اللغوي، عرف باليزيدي لاتصاله بيزيد بن منصور خال المهدي مؤدّب ولده، ويهدّب سؤدده، وكان فصيح اللسان، صريح الإحسان، صحيح القصد في تصانيفه الحسان. علم هداية لا يضلّ من به اهتدى، ولا يضر من به اقتدى، قرأ عليه أعيان القراء، وكان له اختيار خالف

فيه أبا عمرو، ولم يعدل عن الطريقة الغراء. جوّد القرآن على (ص) أبي عمرو، وحدّث عنه وعن ابن جريج، وقرأ عليه الدوري والسوسي، وطائفة، وله اختيار كان يقرئ به أيضا، خالف فيه أبا عمرو في أماكن يسيره، وهو الذي خلف أبا عمرو في القيام بالقرآن بعده. قال ابن مجاهد إنما عولنا على اليزيدي وإن كان سائر أصحاب أبي عمرو أجل منه، لأنه انتصب للرواية عنه، وتجرد لها ولم يشتغل بغيرها، وهو أضبطهم. قال الفضل: كان اليزيدي معلما على باب أبي عمرو، وكان يخدمه في حوائجه، وربما أمسك المصحف على أبي عمرو فقرأ عليه، وكان أبو عمرو يدنيه، ويميل إليه لذكائه، وكان صحيح الرواية. واتصل اليزيدي أيضا بالرشيد وأدّب المأمون، وكان ثقة علامة فصيحا مفوّها بارعا في اللغات والآداب، أخذ عن الخليل وغيره، حتى قيل إنه أملى عن أبي عمرو خاصة عشرة آلاف ورقة،

وأخذ عن الخليل من اللغة شيئا كثيرا، وكتب عنه العروض في ابتداء وضعه له، إلا أنّ اعتماده كان على أبي عمرو أكثر لسعة علمه باللغة، وصنف عدة تصانيف وله النظم الجيد، وشعره مدون. قال: الأثرم: دخل اليزيدي يوما على الخليل بن أحمد وهو جالس على وسادة فأوسع له وأجلسه معه، فقال له اليزيدي: أحسبني ضيقت عليك. فقال الخليل: ما ضاق موضع على اثنين متحابين، والدنيا لا تسع متباغضين. وسأل المأمون اليزيدي شيئا فقال: لا وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين. فقال: لله درك ما وضعت الواو قط في موضع أحسن من موضعها في لفظك هذا ووصله وحمله. وقال اليزيدي:

دخلت على المأمون يوما والدنيا غضّة وعنده نعم تغنيه، وكانت من أجمل أهل دهرها فأنشدت:

وزعمت أني ظالم فهجرتنيورميت في قلبي بسهم نافذ
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «وزعمتِ أني ظالمٌ فهجرتنيِ»
ص) فنعم هجرانك فاغفري وتجاوزيهذا مقام المستجير العائذ
هذا مقام فتى أضرّ به الهوىقرح الجفون بحسن وجهك لائذ
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «وزعمتِ أني ظالمٌ فهجرتنيِ»
ولقد أخذتم من فؤادي أنسهلا شلّ ربي كف ذاك الآخذ
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «وزعمتِ أني ظالمٌ فهجرتنيِ»

فاستعادها المأمون الصوت ثلاث مرات، ثم قال: يا يزيدي أيكون شيء أحسن مما نحن فيه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فما هو؟ قلت: الشكر لمن خوّلك هذا الإنعام الجليل العظيم، فقال: أحسنت وصدقت ووصلني، وأمر أن يتصدّق بمائة ألف، وكأني إلى البدر وقد أخرجت، والمال يفرق.

توفي اليزيدي سنة اثنتين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة، وكان له عدة أولاد فضلاء علماء، أخذوا عنه، وأخذ عنه أيضا ابن ابنه أحمد بن محمد.

ومنهم

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.