من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
نافع بن عبد الرحمن الليثي أبو رويم المقرئ
نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم أبو رويم المقرئ المدني، أحد السبعة الأعلام، وأوحد من له أثر في الإسلام بقراءة حرر مناهجها، وحقق بأداء الحروف مخارجها، وكان أخضر الجلدة من بيت العرب، مسكي الطينة إذا فاح طيبه، لا عجب كان ذا سواد آذن بسؤدده، وأتباع تدل كثرتها على تفرده، وروي أنه كان يتضوع شذا المسك من كلمه، ويفوح طيبا وما مسه سوى أن رأى النبي ﷺ يقرأ في فمه، وحسبه به طيبا لا يحادثه الدهر بغيره، وروية رآها بعين بصيرته لما فاته أن يراها بعين بصره. قرأ على طائفة من تابعي
أهل المدينة.
قال أبو قرة: سمعته يقول: قرأت على سبعين من التابعين. وأقرأ الناس دهرا طويلا، وقرأ عليه خلق كثير، منهم من قرأ عليه، ومنهم من أخذ عنه الحروف.
قال مالك بن أنس: قراءة نافع سنّة، وهو إمام الناس في القراءة. روى أبو خليد الدمشقي عن الليث بن سعد أنه قدم المدينة سنة عشر فوجد نافعا إمام الناس في القرآن لا ينازع. والمحفوظ عن الليث أنه قال: قدمت المدينة سنة ثلاث عشرة.
وقال أحمد بن هلال المصري: قال لي الشيباني: قال لي رجل ممن قرأ على نافع: إن نافعا كان إذا تكلم شمّ من فيه رائحة المسك. فقلت له: يا أبا عبد الله أو يا أبا رؤيم: أتتطّيّب كل ما قعدت تقرئ؟ قال: ما أمس طيبا، ولكني رأيت النبي ﷺ وهو يقرأ في فيّ. فمن ذلك الوقت أشم من فيّ هذه الرائحة.
وقال نافع: قرأت على هؤلاء فنظرت إلى ما (ص) اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته حتى ألفت هذه القراءة. وقال قالون:
كان نافع لا يهمز همزا شديدا، ويمد ويحقق القراءة، ولا يشدد، ويقرب
بين الممدود وغير الممدود. وقال نافع إنّ هذا القرآن لعظيم جاء من عند عظيم، فإذا قرأت فلا تشتغلنّ بغيره، وانظر من تخاطب، وإياك أن تملّ منه أو تؤثر عليه غيره، فإني لم أزل أتردد إلى الأعرج حتى قلت: حسبي. وقال نافع: أرسل إليّ بعض الخلفاء مصحف عثمان لأصلحه، فقلت له: إن الناس يقولون إن مصحفه كان في حجره حين قتل فوقع الدم على قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اَللّهُ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ﴾ قال نافع: فنظرت عيني الدم على ذلك. ولما حضرت نافعا الوفاة قال له أبناؤه أوصنا قال: ﴿فَاتَّقُوا اَللّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الآية.
وتوفي سنة تسع وستين ومائة وهو معدود في صغار التابعين، وأصله من أصبهان، وكان أسود اللون حالكا صاحب دعابة وطيب أخلاق.
ومنهم
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع