من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ومن أعلام القراء أبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفة
واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة، ولد في حياة النبي ﷺ، ووجد له ما يحق له أن يتقدم، لقي جلّ الصدر الأول حتى كاد يعدّ منهم، وصدر ريان بما روى عنهم، قراءات تلقى عنهم حفظها، وتلقن منهم لفظها، عرضها مكررا، وعرفها تدبرا، بحسن إيراد كأنه جني النحل المشار، وذكاء فهم كأنه ذكاء الشمس، ولهذا كان مثل عثمان إذ سئل عن شيء إليه أشار.
قرأ القرآن وجوّده وبرع في حفظه، وعرضه على عثمان وعلي وابن مسعود، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وحدث عن عمر وعثمان. وأخذ عنه القراءة عرضا
عاصم بن أبي النجود، ويحيى بن وثاب وعطاء بن السائب، وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلي، وأبو عون محمد بن أيوب الثقفي والشعبي وإسماعيل بن أبي (خالد) خلد، وعرض عليه الحسن والحسين، وقال أبو مرثد تعلم أبو عبد الرحمن (ص) السلمي القرآن من عثمان، وعرضه على علي، قال أبو إسحاق السبيعي: كان أبو عبد الرحمن يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة.
وقال سعد بن عبيد: أقرأ أبو عبد الرحمن في خلافة عثمان إلى أن توفي في إمرة الحجاج. وقال أبو عبد الرحمن أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الآخر حتى يتعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يتجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز ههنا، ووضع يده على حلقه.
وجاء أبو عبد الرحمن إلى بيته فوجد فيه جلالا وجزرا، فقال: ما هذا؟ قالوا بعث بها عمرو بن حريث لأنك علمت ابنه القرآن. قال: ردوه إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرا.
وروى أبو عبد الرحمن عن عثمان أن النبي (قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) قال أبو عبد الرحمن فذلك الذي أقعدني هذا المقعد. وقال إسماعيل ابن أبي خالد: كان أبو عبد الرحمن: يعلمنا القرآن خمس آيات، خمس آيات. وقال أبو عبد الرحمن خرج علينا علي بن أبي طالب وأنا أقرئ، وكان أبو عبد الرحمن يسأل عثمان عن القرآن، وكان ولي الأمر، فشق عليه، فقال:
إنك تشغلني عن أمر الناس، فعليك بزيد بن ثابت، فأقبلت على زيد فقرأت القرآن عليه ثلاث عشرة سنة، وقال أبو عبد الرحمن: حدثني الذين كانوا يقرئوننا:
عثمان وابن مسعود وأبي بن كعب أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل. وقال عطاء بن السائب: دخلنا على أبي عبد الرحمن نعوده، فذهب بعضهم يرجّيه، فقال: أنا أرجو ربي قد صمت له ثمانين رمضانا. وحديثه مخرج في الكتب الستة. توفي سنة أربع وسبعين، (ص) وقيل سنة ثلاث وسبعين، وقيل في إمرة بشر على العراق، وقيل في أوائل ولاية الحجاج، والله أعلم. وأما قول بن قانع مات سنة خمس ومائة فغلط.
ومنهم
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع