من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عاصم بن أبي النجود بهدلة الأسدي
مولاهم الكوفي القارئ الحناط الإمام أبو بكر، أحد السبعة، وواحد الكل
في السمعة، ما قرأ عليه من حرم، ولا آوى منه إلى عاصم من أمر الله إلا من رحم.
من حاج به أسلت مخاصما، ومن حادّ به كان له من الخطأ عاصما، ذو همز ومد في القرآن لا يجاري البحر مده، ولا يستطيع البرق من الهمز ما عنده، ولم يكن مثله في نسك، شمّر له إزراره، وزهد غض بصره عن النهار الواضح فلم يرض فيما فضّض الضحى لجينه (ص) ولا فيما ذهب الأصيل نضاره، مع ميل إلى المساجد حيث مر بها عاج بركابه، وانصرف حتى يكون سرا يحني عليه أضالع محرابه، حميت منه أسد بليث عرينها، وغيث قرينها، وناسك حيها الذي تصيب سهام دعائه، ما أخطأته رواشق النبل أعين عينها.
قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وحدث عنهما وعن غيرهما، وقرأ عليه أبو بكر بن عياش، وأبو عمر البزار وخلق،
واختلفوا اختلافا كبيرا في حروف كثيرة، وتصدى لإقراء كتاب الله تعالى، وانتهت إليه الإمامة في القراءة بالكوفة بعد شيخه أبي عبد الرحمن السلمي، وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن. وقال أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت أحدا أقرأ من عاصم بن أبي النجود، وقال حسن بن صالح: ما رأيت أحدا قط كان أفصح من عاصم بن أبي النجود، إذا تكلم يكاد يدخله خيلاء. وقال عاصم:
ما قدمت على أبي وائل من سفر إلا قبل كفي. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم فقال: رجل صالح، خيّر، ثقة، فسألته أي القرّاء أحب إليك؟ قال: قراء أهل المدينة فإن لم يكن، فقراء عاصم. وقال عاصم: مرضت سنتين، فلما قمت قرأت القرآن فما أخطأت حرفا وكان عاصم صاحب همز ومد وقراءة شديدة، وسنة ونسك. قال ابن عياش: كان إذا صلى ينتصب كأنه عود وكان عابدا خيرا، أبدا يصلي ربما أتى حاجة فإذا رأى مسجدا قال: مل بنا إليه فإن حاجتنا لا تفوت، ثم يدخل فيصلي، قال:
ودخلت عليه فأغمي عليه ثم أفاق، فقرأ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللّهِ مَوْلاهُمُ اَلْحَقِّ، أَلا لَهُ اَلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ اَلْحاسِبِينَ﴾ فهمز فعلمت أن القراءة سجية منه.
وقال عاصم: من لم يحسن من العربية إلا وجها واحدا لم يحسن شيئا.
وقال حفص بن سليمان: قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها فهي القراءة التي قرأتها على أبي (ص) عبد الرحمن السلمي، وما كان من القراءة التي أقرأت أبا بكر بن عياش فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود.
وقال ابن عياش لم يكن عاصم يعد (ألم) آية ولا (حم) آية، ولا (كهيعص) آية، ولا (طه) ولا نحوها آية.
توفي في آخر سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل سنة ثمان وعشرين ومائة، فلعله في أولها. وكانت وفاته في الكوفة ﵀.
ومنهم
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع