من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت ابن شنبوذ البغدادي.
شيخ الإقراء بالعراق مع ابن مجاهد، ذو الرحلة التي وسعت الدنى حتى لم يجد مركنا، ودعت إليه علنا، ورعت حقه حين صوبت إليه أسنة الأعداء ألسنا، كان رجلا متبحرا، وعالما متكثرا، إلا أنه ما سلم من عثرة راعى له فيها دينه، فأقيلت، وزلة لم يكن قصدها، فإنها قيلت.
قرأ القرآن على عدد كثير بالأمصار، وكان يرى جواز الصلاة بما جاء في
مصحف أبي، ومصحف ابن مسعود، وبما صح في الأحاديث، ويتعاطى ذلك، وكان ثقة في نفسه صالحا ديّنا، متبحرا في هذا الشأن، لكنه كان يحط على ابن مجاهد، ويقول: هذا العطشي لم تغبّر قدماه في طلب العلم - يعني أنه لم يرحل من بغداد -، وليس الأمر كذلك، قد حج وقرأ على قنبل، ولكن أين هو من سعة رحلة ابن شنبوذ، ولقيّه الأعيان في الأقطار؟
وكان ابن شنبوذ إذا أتاه رجل من القراء، قال له: هل قرأت على ابن مجاهد؟ فإن قال: نعم، لم يقرئه.
قال أبو عمرو الداني: حدّثت عن إسماعيل بن عبد الله الأشعري، حدثنا أبو القاسم بن زنجي الكاتب الأنباري قال: حضرت مجلس أبي علي بن مقلة -
وزير الراضي - وقد أحضر ابن شنبوذ، وجرت معه مناظرات في حروف حكي عنه أنه يقرأ بها، وهي شواذ، فاعترف بها بما عرف، مما عمل به محضر بحضرة (ص) أبي علي بن مقلة، وأبي بكر بن مجاهد، ومحمد بن موسى الهاشمي، وأبي أيوب محمد بن أحمد - وهما يومئذ شاهدان مقبولان -.
نسخة المحضر:
سئل محمد بن أحمد المعروف بابن شنبوذ عما حكي عنه أنه يقرؤه، وهو:
(فامضوا إلى ذكر الله) فاعترف به، وعن (تجعلون شكركم أنكم
تكذبون) فاعترف به، وعن (كل سفينة صالحة غصبا) فاعترف به، وعن (اليوم ننحيك ببدنك) فاعترف به، وعن: (تبت يدا أبي لهب وقد تب)، فاعترف به، وعن (فلما خرّ تبينت الأنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين) فاعترف به، وعن (الذكر والأنثى) فاعترف به، وعن: (فقد كذب الكافرون فسوف يكون
لزاما)، وعن: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَأُولائِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ﴾، وعن ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ فاعترف بذلك.
وفيه: اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي، وكتب ابن مجاهد بيده يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
ونقل ابن الجوزي - وغير واحد - في حوادث سنة ثلاث هذه أن ابن شنبوذ أحضر، وأحضر عمر بن محمد بن يوسف القاضي، وابن مجاهد، وجماعة من القراء، ونوظر، فأغلظ للوزير في الخطاب، وللقاضي، ولابن مجاهد، ونسبهما إلى قلة المعرفة، وأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، فأمر الوزير بضربه سبع درر وهو يدعو على الوزير بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، ثم
أوقف على الحروف التي يقرأ بها، فأهدر منها ما كان شنعا، وتوبوه عن التلاوة بها غصبا، وقيل: إنه أخرج من بغداد، فذهب إلى البصرة.
(ص).
ثم إن ابن مقلة عزل بعد نكبة الشيخ بسنة واحدة، فجرى عليه من الإهانة بالضرب، والتعليق والمصادرة أمر عظيم، ثم آل أمره إلى قطع يده ولسانه.
وابن شنبوذ ما كان مصيبا فيما ذهب إليه، لكن خطأه في واقعة لا يسقط حقه من حرمة أهل القرآن والعلم، وكان الرفق أولى به من إقامته مقام الذعّار والمفسدين، وكان اعتقاله والإغلاظ له كافيا.
وذكر ابن خلكان أن ابن شنبوذ كتب بخطه ما صورته:
يقول محمد بن أحمد بن أيوب - المعروف بابن شنبوذ - ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي، واعتقادي، وأشهد الله ﷿، وسائر من حضر على
نفسي بذلك، وكتب بخطه، فمتى خالفت ذلك، أو بان مني غيره، فأمير المؤمنين في حل من دمي وسعة، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة أدام الله توفيقه.
وكلم أبو موسى السمسار الوزير أبي علي في أمره، وسأله إطلاقه، وعرفه أنه إن صار إلى منزله قتلته العامة، وسأله أن ينفذه في الليل سرا إلى المدائن.
وتوفي ابن شنبوذ يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر سنة ثمان وعشرين، وثلاثمائة. وفيها هلك ابن مقلة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع