من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
سليمان بن مهران
مولى بني كاهل أبو محمد المعروف بالأعمش الكوفي الإمام المشهور شهرة الأعلام، المذكور ذكر الروض للغمام، الدمث الأخلاق المنبعث انبعاث الشمس في الآفاق، المخضر عوده الرطيب، المفترّ ثغره الشنيب، المنهلّ ندى ورقاته، المخضلّ نديّ أوقاته للفاكهة تؤتي أكلها كل حين، وآداب لو تومي إلى الحنادس لمحين، مداعبه ألطف من كؤوس الأندرين، وأخفّ من وصل الحبايب إن درين .. قدم أبوه الكوفة وامرأته حامل بالأعمش، فولدته بها سنة ستين للهجرة، وقيل: إنه ولد يوم مقتل الحسين وهو يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وحضر أبوه قتل الحسين، وعدّه ابن قتيبة في المعارف في جملة من حملت به أمه سبعة
أشهر، ولا يعرف بغير الكوفي، وكان يقارن الزهري في الحجاز، ورأى أنس ابن مالك، وكلمه لكنه لم يرزق السماع عليه، وما يرويه عنه فهو إرسال، ولقي كبار التابعين، وروى عنه خلق كثير من جلّة العلماء، وقال أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوي علي، فأخذ القرطاس وأدخلها في فم شاة فلاكتها وقال لرسوله:
قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمّل عليه بإخوانه، فقالوا: يا أبا محمد خلّصه من القتل، فلما ألحوا عليه، كتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي مساوي أهل الأرض ما ضرّتك، فعليك بخويصة نفسك. وقال زائدة بن قدامة: تبعت الأعمش يوما، فأتى المقابر فدخل قبرا محفورا، فاضطجع فيه، ثم خرج منه وهو ينفض التراب عن رأسه/ (ص) ويقول: واضيق مسكناه. قال علي بن المديني: له نحو
ألف وثلاثمائة حديث، وقال ابن عيينة: كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وقال أبو حفص الفلاس: كان الأعمش يسمّى المصحف من صدقه، وقال القطّان: هو علاّمة الإسلام، وقال وكيع: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الحربيّ: ما خلف أعبد منه، وكان صاحب سنّة، وكان مع هذا كله مزّاحا جاء أصحاب الحديث يوما ليسمعوا عليه، فخرج إليهم وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إليّ منكم ما خرجت إليكم، وجرى بينه وبين زوجته يوما كلام، فدعا رجلا ليصلح بينهما، فقال لها الرجل: لا تنظري إلى عمش عينيه، وحموشة ساقيه، فإنه إمام وله قدر، فقال له الأعمش خزاك الله ما أردت إلا أن تعرفها
عيوبي، وقال له داود بن عمر الحايك ما تقول في الصلاة خلف الحايك؟ فقال لا بأس بها على غير وضوء، قال: ما تقول في شهادة الحايك، قال تقبل مع عدلين، ويقال: إن الإمام أبا حنيفة عاده يوما في مرضه، فطوّل القعود عنده، فلما عزم على القيام، قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك فقال: والله إنك لثقيل عليّ وأنت في بيتك، وعاده أيضا جماعة فأطالوا الجلوس عنده، فضجر منهم، فأخذ وسادته، وقام وقال: شفا الله مريضكم بالعافية، وله أخبار، وملح مشهورة. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة.
ومنهم
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع