تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو بكر محمد بن علي بن جعفر الكتاني

ملك في زي بشر، وفلك لا ينكر نجومه ذو بصر، فرد رأى الدنيا تشيح عارضها، وتمد

بارضها، وسحبها محلولة الخيوط، وبروقها موصولة الخطوط، فخاف أن يصير القطر سيلا، والفجر ليلا، فحلّ بذروة لا يبلغ مرقاها، ولا يصل إليها المقصر إذا انبعث أشقاها، فسلم دينه، وأوتي كتابه بيمينه، وحق له الإعتاب، وغلبه المتاب، وسرّ بعمله وقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اَللّهُ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْكِتابَ﴾.

أصله من بغداد. صحب الجنيد، والنوري، وأبا سعيد الخراز. أقام بمكة، وجاور بها إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.

وكان أحد الأئمة المشار إليهم في علوم الطريقة.

وكان المرتعش يقول: " الكتاني سراج الحرم. "

ومن كلامه: -

"إن لله تعالى ريحا تسمى الصبيحة، مخزونة تحت العرش، تهبّ عند الأسحار، تحمل الأنين والاستغفار، إلى الملك الجبار ".

وقال: " إذا سألت الله التوفيق، فابتديء بالعمل ".

وروي: إنه نظر إلى شيخ كبير أبيض الرأس واللحية، يسأل الناس! فقال: " هذا رجل أضاع أمر الله في صغره، فضيّعه الله في كبره ".

وقال: " الشهوة زمام الشيطان؛ فمن أخذ بزمامه كان عبده ".

وقال: " الغافلون يعيشون في حلم الله، والذاكرون يعيشون في رحمة الله، والصادقون يعيشون في قرب الله ".

وقال: " من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء: نومه غلبة؛ وأكله فاقة؛ وكلامه ضرورة. "

وقال: " لولا أن ذكره فرض عليّ ما ذكرته، إجلالا له؛ مثلي يذكره ولم يغسل فاه بألف توبة متقبلة عند ذكره؟!. "

وأنشد - في المعنى -:

ما إن ذكرتك إلا همّ يغلبنيقلبي وسرّي وروحي عند ذكراكا
حتى كأن رقيبا منك يهتف بي:إياك! ويحك والتذكار! إياكا!

وقال: " كنت في طريق، في وسط السنة، فإذا أنا بهميان ملآن يلمع دنانير، فهممت أن أحمله لأفرّقه بمكة على الفقراء، فهتف بي هاتف: إن أخذته سلبناك فقرك!.

قال: فتركته ".

وقال: رأيت في الشام شابا لم أر أحسن منه، قلت: من أنت؟ قال: أنا التقوى. قلت:

فأين تسكن؟. قال: في كل قلب حزين!.

قال: ثم التفت فإذا امرأة سوداء، كأوحش ما يكون!. فقلت: من أنت؟. فقالت:

الضحك!. قلت: فأين تسكنين؟. قالت: في كل قلب فرح مرح.

قال: فانتبهت، واعتقدت أن لا أضحك إلا غلبة.

وقال: "العبادة اثنان وسبعون بابا؛ أحد وسبعون منها في الحياء، وواحد في أنواع البر. "

وقال: "وجدنا دين الله مبنيا على ثلاثة أركان: الحق، والعدل، والصدق. فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول".

وحكى عن نفسه أنه بقي عشرة أيام لم يأكل شيئا، فشكا إلى بعض إخوانه الجوع.

قال: ثم مررت ببعض الأزقّة، فنظرت إلى درهم مطروح، عليه مكتوب: أما كان الله تعالى بجوعك عالما حتى قلت: إني جائع؟.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.