من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أحمد بن عطاء الله أبو العباس
هبّ للمعارف رخّا، ووهب الدنيا لأهلها سخّا، وتألق نجما للمريد، ورخما للمزيد، وكان عالما معلّما، وعارفا يؤخذ عنه العرفان مسلما، إلى وقوف على الأسرار، ووقوف على قدم في الأسحار، وحضور قلب وشعور، ولب من الكلم كأنه شذور، وموارد حقيقية ورد مناهلها، وشعب طريقة توقى مجاهلها، فلم تزل به قدم، ولم يزل له في الإملاء قلم.
قال ابن عربي: سمعته يقول: ما ينبغي للذاكر أن يشتغل بمعاني الذكر، بل بالذكر، ويجعله تعبدا لا يعقل معناه، ويقول: هذه عبادة أمرت بها، وأنا ممتثل الأمر، فإذا اعتقد
الذاكر ذلك، كان الذكر يعمل بخاصيته، وما تقتضيه حقيقته".
وأنشد:
أهوى هواه وبعدي عنه يغيبهفالبعد قد صار لي في حبه أربا
فمن رأى دنفا صبّا أخا شجنينأى إذا حبة من أرضه اقتربا
وقال: الذكر حجاب عن المذكور، ولكونه بمنزلة الدليل، والدليل متى أعطاك المدلول سقط عنك لتحققك بالمدلول، فمتى كنت مع المذكور فلا ذكر، ومتى رددت الباب وجب الذكر عليك، والذكر للقلب بمنزلة الصقال للمرآة، ليتحقق بالحق صفاؤه وجلاؤه.
وقال: " مثل الذاكر اللاهي كمثل من ينادي شخصا فإذا أجابه اشتغل عن سماعه، وكذلك الذاكر يأتيه المذكور فلا يجده حاضرا، وإنما الأصل المراقبة للمذكور، فمتى أجابك كنت معه، وهذا هو الأصل، والله أعلم".
وقال في معنى الحديث: (ما اتخذ الله وليا جاهلا): إن معناه أن الله ﷾ إذا اختصّ له وليا نوّر قلبه، فكان على بصيرة من ربه".
وقال في معنى قوله: ﴿إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ قال: قيل لي في المنام: تدري ما الواحدة؟. إنما أعظك بنفسك والباء ها هنا باء السبب.
وقال: "لما كان المدعي في الشرع عليه البينة بشاهدين، نظرنا في الحقيقة التي انبعث عنها هذا الحكم، فوجدناها في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اَللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ وَاَلْمَلائِكَةُ وَأُولُوا اَلْعِلْمِ﴾ فالملائكة وأولو العلم هما الشاهدان. ولما كان يحكم أخر الشاهد واليمين، وجدنا ذلك في شهادته تعالى وقسمه، قال تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ اَلسَّماءِ وَاَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع