تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

ابن عربي محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله: الشيخ محيي الدين، أبو بكر الطائي، الحاتمي، الأندلسي، المرسي

صاحب المصنّفات، سيف يفري النوائب، ويفلي لمم الخطوب الممتدة الذوائب، ليصرف سلم إليه خاتمه، ونسي به طيء الكريم وحاتمه.

سكن دمشق مذ حلّها، ومدّ ببحره الزاخر محلها، وكان فيها ما به مهرعا، وسحابه مكرعا، وجنابه محصنا ممرعا، وله أمور تحمل على محامل، وخوارق لا يجامله فيها مجامل، على اتضاع نفس، وإيضاع في العلا إلى أن حلّ الرمس، ولم يمت حتى كثرت مصنفاته كثرة أمت الأقلام وأخفتها، وغطت الأيام وأحفتها.

ولد ﵁ في رمضان سنة ستين وخمسمائة، بمرسية، وسمع بها وبقرطبة

من ابن بشكوال، وبإشبيلية، ومكة، وبدمشق، والموصل، وبغداد، وسكن الروم مدة.

قال أبو عبد الله الدبيثي: أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة، ثم حج ولم يرجع، وسمع بتلك الديار، وروى عن السلفي بالإجازة العامة، وبرع في علم التصوف، وله فيه مصنّفات، ولقيه جماعة من العلماء، وأخذوا عنه.

قال ابن نقطة: سكن قونية، وملطية مدة، وله كلام وشعر غير أنه لا يعجبني شعره.

والناس فيه على قولين:

قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: حدّثني شيخنا ابن تيمية الحرّاني، عن جماعة حدّثوه، عن أبي الفتح ابن دقيق العيد، أنه سمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول في ابن العربي: هذا شيخ سوء، كذّاب، يقول بقدم العالم، ولا يحرّم فرجا

وحمل بعض تصانيفه إلى شيخنا ابن الفركاح فتأملها، ثم قال: الذي فهمته من كلامه مليح لا انتقاد عليه فيه، والذي لم أفهمه لا أحكم عليه فيه بشيء.

وحكي مثل هذا عن الشيخ الموفّق.

وسئل عنه ابن الفركاح فقال: أرجو أن يكون من أهل الخير.

وسئل عنه قاضي القضاة البارزي، فقال: كان من العلماء.

وسألت عنه شيخنا ابن الزملكاني، فقال: صحّ أنه مسلم، ولم يصح غير ذلك.

قلت: كان قاضي القضاة محيي الدين أبو الفضل ابن الزكي كثير الصحبة له، والخصوصية به، ودفنه في تربته بسفح قاسيون تبركا بمدفنه.

وحكى صاحبه شمس الدين إسماعيل بن سودكين التوزري قال: قال لي الشيخ محيي الدين بن عربي: كنت في بعض سياحاتي، فدخل في إصبعي شوكة، فمنعتني عن المشي، فقعدت، وأخذت رجلي في حجري أنظر إليها، وقلت: إلهي لو أن معي إبرة، أو ملقطا

لتسببت. إلهي! وأنت تعلم عقيدتي أنني أعتقد أن الإبرة والملقاط ما لهما إبراء البتة، فلا تحتجب عني بهما".

قال: فنوديت في باطني: نعم، الأمر كذلك، ولكن إليهما ركون. فقلت: إلهي! ولا ركون. وإذا بالشوكة قد نفرت بحدة من رجلي، وضربتني بقوة في إصبع يدي المسبحة اليمني، وسقطت على الأرض، فقمت ومضيت لسبيلي بفضل الله تعالى.

وحكي عن ابن عربي أنه قال: لي إلى مكة تردد، فما حججت لنفسي إلا حجة الإسلام، ولا اعتمرت سوى عمرة الفريضة، والباقي لمن شاء الله تعالى، لكني ما أهدي ذلك إلا لمن لا يكاد يرجى له خير.

وحكي عنه أنه قال: ذهب بعضهم إلى أن قوله ﵊: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين)، إنما هو لئلا يبلغوا حد الخرف، الذي يفارق فيه النفوس على حالة الجهل.

وحكى شيخنا أبو الثناء الحلبي: أن رجلا كان في زمانه يجيد الخط، وأن بعض ملوك دمشق أعطاه مصحفا بخط ابن البواب لينقل له منه، فبينما هو مفتوح قدامه في ليلة من الليالي، والسراج يقد، وهو يكتب، إذ سقط السراج، فتبدد زيته على المصحف، فأيقن الرجل بالبلاء، والصبر للقتل والجلاء، وبات بشرّ ليلة تكون.

فلما أذن للصباح، أتى المسجد الجامع ليصلي، فرأى ابن عربي إلى جانبه، فلما قضى ركعتي المسجد، التفت إليه ابن عربي بوجهه، وقال له: ما صناعتك؟. قال: أنسخ. فقال له: فإن وقع السراج وتبدّد زيته على شيء قدّامك مضنون به، ما تصنع به حتى يذهب الزيت؟. فأكبّ على يديه يقبّلها، ويقول: هذا والله! جرى لي البارحة، وقصّ عليه قصّته، فضحك الشيخ، وقال: لا يهمّك، خذ عظام الأكارع الصغار، فاحرقها، واسحقها، واسحاق

معها من السكر النبات، واخلطهما، ثم افتح الأوراق، وذرّ ذلك بينهما، ثم أطبق الكتاب، وثقّله، ودعه يوما وليلة، ثم افتحه، وانفضه، فإنه يذهب الزيت، ويعود إلى حاله الأول.

قال: ففعلت، فكان كما قال.

وحكى شيخنا الكندي عنه أنه كان يقول: " اللهم! ارزقني شهوة الحب، لا الحب، حتى أكون منعّما أبدا ". قال: وفي هذا يقول:

ولما رأيت الحب يعظم قدرهوما لي به حتى الممات يدان
تعشقت حب الحب فيه ولم أقلكفاني الذي قد نلت منه كفاني

وحكى عن بعض أشياخه أنه قال: بلغني في عموم الأخبار أنه من قرأ اثني عشر ألف مرة سورة الإخلاص بسبب أسير فرّج الله عنه، وفكّ أسره.

فنزلت مرة في مركب، وفيه ملاّح، فسمعني أذكر هذا الخبر، وكان ولده مأسورا، ولم أعلم ذلك، ثم فارقته، وبقيت مدة، وجئت إلى النهر لحاجة عرضت.

فلما رآنا قام، وقدّم مركبه، وقال: هذا لك. تركب أنت ومن معك بغير أجرة، فسألته عن موجب إكرامه، فقال: ما تذكر لما ذكرت في ذلك الحديث الذي ورد في تلاوة سورة الإخلاص اثني عشر ألف مرة، بسبب المأسور؟.

فقلت: نعم.

فقال لي: كان ولدي هذا مأسورا حينئذ، وإني فعلت ذلك، فلم أشعر بعد أيام إلا وولدي داخل علي، وكان قد قطع عليه حملة كثيرة كنت أعجز عن بعضها، ويئست من خلاصه، فلما رأيته سررت بخلاصه، وشكرت الله، ثم سألته عن السبب في خلاصه؟.

فقال: ما أعلم سببا، إلا أني كنت في اليوم الفلاني - ثم ذكر ذلك الوقت الذي كملت فيه التلاوة - قاعدا، وإذا بالقيد سقط من رجلي، بإذن الله، فلما رأيت قمت، وانصرفت، فلم يعارضني أحد، فاختفيت نهارا، وسرت ليلا حتى وصلت إليكم بحمد الله. وهذا ببركة ركوبك في مركبي، فكيف لا أرعى حقك علي؟.

وكتب ابن عربي على هذه بخطه: " صح، صح، صح".

ومن كلامه المأثور، ودرّه المنظوم، قوله:

من ظنّ أن طريق أرباب العلىقول فجهل حائل وتعذّر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
إن السبيل إلى الإله عنايةمنه بمن قد شاءه وتعزر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
لا يرتضى لحقيقة ذو عزةإلا إذا ضم السنابل بيدر
الحال يطلبه بشرط مقامهفإذا ادّعاه فحاله لك يشهر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
يتخيل المسكين أن علومهاما بين أوراق الكتاب تسطّر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
هيهات بل ما أودعوا في كتبهمإلا يسيرا من أمور تعسر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
لا يقرأ الأقوام غير نفوسهمفي حالهم مع ربهم هل يحصر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
فترى الدخيل يقيس فيه برأيهليقال هذا منهمو فيكبّر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
وتناقضت أقواله إن لم يكنعن حاله فيما تقدم يخبر
للشاعر محيي الدين بن عربي، من قصيدة «منْ ظنَّ أنَّ طريقَ أربابِ العلى»
علم الطريقة لا ينال براحةومقايس فاجهد لعلك تظفر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
عزت علوم القوم عن إدراك منلا يعتريه صبابة وتحير
وتنفّس مما يجنّ وأنّةوجوى يزيد وعبرة لا تفتر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
وتذلل وتولّه في غيبةوتلذّذ بمشاهد لا تظهر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
وتقبّض عند الشهود وغيرةإن قام شخص بالشريعة يسخر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
وتخشّع وتفجّع وتشرّعبتشرّع لله لا يتغير
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
هذا مقام القوم في أحوالهمليسوا كمن قال الشريعة مزجر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
ثم ادّعى أن الحقيقة خالفتما الشرع جاء به ولكن تستر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
تبّا لها من قالة من جاحدويل له يوم الجحيم يسعّر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
أو من يشاهد في المشاهد مطرقاليقال هذا عابد متفكّر
للشاعر محيي الدين بن عربي، اقرأ القصيدة
هذا مرائي لا يلذّ براحةفي نفسه إلا سويعة ينظر
للشاعر محيي الدين بن عربي، من قصيدة «منْ ظنَّ أنَّ طريقَ أربابِ العلى»
لكنه من ذاك اسعد حالةوله النعيم إذا الجهول يفطر
للشاعر محيي الدين بن عربي، من قصيدة «منْ ظنَّ أنَّ طريقَ أربابِ العلى»

ومنه قوله:

يا نائما كم ذا الرّقادوأنت تدّعي فانتبه
كان الإله يقوم عنك بمادعا لو نمت به
لكن قلبك غافل عما دعاك ومنتبه
في عالم الكون الذييرديك مهما مت به
فانظر لنفسك قبل سيركأن زادك مشتبه

ومنه قوله:

لما انقضى ليل الشباب ولاح لي صبح المشيب

أضربت عن خوض السفاهة بالتبتل للحبيب

نفسي أخاطب، وإياي أعاتب، أيها المرسل عنان شهواته، الجائل في ميدان لذاته، السابق في حلبة هفواته، إلى كم ذا الاغترار بالعمر القصير؟، كأنك ما علمت أن إلى الله المصير!، فبادر إلى التوبة لعلّك تقال، وألق عن ظهرك أوقار الأوزار الثقال، يصح لك ما أمّلت في العقول، في حضرة القبول، فقد قال قيّوم السماوات والأرض: ﴿وَهُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئاتِ﴾ وأمر به في كتابه المبين: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اَللّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ﴾، ثم رغّب فيما يحبه للمذنبين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلتَّوّابِينَ وَيُحِبُّ اَلْمُتَطَهِّرِينَ﴾.

فيا أيها الناس! اعلموا أن كل من ظهرت منه حوبة؛ فإن لله عليه توبة، فمن عظمت حوبته، جلّت توبته، فتوبة عالم الشهادة من الأعمال، وتوبة النفوس من الآمال، وتوبة

الأرواح من الوقوف مع حضرات الجمال، وتوبة الأسرار من معاينة غين الكمال، وتوبة أسرار الأسرار مما لا ينال، والسر الواحد الجامع، عدم رؤية الثواب النافع، وهذا باب يدق وصفه، ويمنع كشفه، فألق سمعك أيها المغتر بحياته!، المحجوب على الحقيقة بمشاهدة صفاته، وخذ خطاب الحق، من حضرة الفرق بلسان الصدق، فيا محلّ العدم! عليك بالبكاء والندم، ويا محلّ التمحيص والاختبار! عليك بالافتقار والاعتذار، ويا محل الاطلاع! عليك بالنزوع والإقلاع، فشمّر الذيل، واقطع بالتلاوة زمان الليل، وطهّر ثيابك قبل انسلاخك عنها، واعرف قدر جنايتك وتب إلى الله ﷿ منها، وإياك والخديعة، باسترسال الطبيعة، وأقم ميزان العدل بين حجبك وجنايتك، وكحّل بميل الاعتبار عين بصيرتك، لتعرف قدر ظلام عمايتك، واعلم أنك على ما فرّطت في جنب الله نادم، وعلى ما قدّمت بين يديك قادم، وأدنى مرامي أفعالك وأقصاها في كتاب: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلّا أَحْصاها﴾

فطوبى لمن غدا تائبا منيباذليلا لربّ جليل
تراه إذا جنّ ليلهكثير الأنين كثير العويل
قريح الفؤاد حليف السهاد يراعي النجوم بطرف عليل
إذا الدمع سال على خدّهمحا أثر الدمع حر الغليل

وقوله من خطبة: " فلا يقع بصر إلا عليه، ولا يخرج خارج إلا منه، ولا ينتهي قاصد إلا إليه، فيا أولي الألباب!، أين الغيبة والحجاب:

ومن عجب أني أحنّ إليهموأسأل شوقا عنهم، وهم معي
للشاعر أبو مدين التلمساني، من قصيدة «تملكتموا عقلي وطرفي ومسمعي»
وتبكيهم عيني وهم في سوادهاويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

ومنه قوله: "أيها الغافل عن مواقعة الحساب، والمتعامي عن مناقشة ما في يديه من الاكتساب، كأنك ما قرأت ما في الكتاب المبين: ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾، فاعلم - أيقظك

الله من سنة الغفلة -: أن المحاسبة في هذه الدار على قدر المحاسب، فمنهم معاقب، ومنهم مغالب، ومنهم معاتب، ومنهم محاسب. فمحاسبة الإحساس معاقبة، والأنفاس مغالبة، والأرواح معاتبة، والأسرار مخاطبة. فحاسب نفسك - يا أخي! - في مهل الأنفاس، قبل حلول الأرماس، ومثّلها كعامل خراج بين يديك من قبل أن ينعكس الأمر عليك، فكأني بك في ذلك اليوم تدعو فلا تسمع مجيبا إلا: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾.

ومنه قوله: " أما بعد - يا أخي! - عصمنا الله وإياك من نتائج الغفلات، وآمنا من روعة البيات، فإن الله - سبحانه - لما أوضح المنهج إليه، وبيّن الأمر المزلف لديه، حمل من اصطفاه من عباده عليه، وعدل بمن حرمه إلى أحد جانبيه، فهنيئا لمن حمل على الجادة، وبؤسا لعبد قطعت عنه العناية الربانية والمادة. ونحن - يا أخي! - من هذا كله على بصيرة، مع قبح سيرة وسريرة، فتدارك أخاك بدعوة ترقيه إلى موقف الاختصاص، وتلحقه بأهل الصدق والإخلاص، قبل أن يفجأه الموت، وينقلب بحسرة الفوت؛ فقد طال الأمل، وساء العمل، وترادف الكسل، ولم تعظنا بمرورها الأيام، ولا زجرتنا حوادث العلل والآلام، فأسأله سبحانه أن يطهّر الذوات بأحمد الصفات، والسلام".

ومنه قوله: " أما بعد - يا أخي! - فالقدر سابق، والقضاء لاحق، ولا يغرّنّك ما أنت عليه من سنيّ الأعمال، وزكيّ الأحوال، ما دام رسنك مرخى، وحبلك على غاربك ملقى، فإن الخاتمة أمامك، ولا تدري بما يرسل الحق إليك أيامك، فخذ الكرامة على أدب، وأعرض عن الاشتغال بها وجدّ في الطلب، فكم مريد كانت حظ عمله لما كانت غاية أمله، ومن الله نسأل عصمة الأحوال، في السابقة والمآل، والسلام".

وحكى الشيخ شمس الدين إسماعيل بن سودكين عنه أنه كان يقول: "ينبغي للعبد أن يستعمل همّه في الحضور في مناجاته، بحيث يكون حاكما على خياله، بصرفه بعقله نوما كما كان يحكم عليه يقظة، فإذا حصل للعبد هذا الحضور، وصار خلقا له، وجد ثمرة ذلك في البرزخ، وانتفع جدا، فليهتم العبد بتحصيل هذا القدر فإنه عظيم الفائدة بإذن الله تعالى".

وقال: "إن الشيطان ليقنع من الإنسان بأن ينقله من طاعة إلى طاعة ليفسخ عزمه بذلك".

وقال: "وينبغي للسالك متى خطر له أنه يعقد على أمر ما، أو يعاهد الله تعالى عليه، أن يترك ذلك الأمر إلى أن يجيء وقته، فإن يسّر الله فعله فعله، وإن لم ييسّر الله فعله يكون مخلصا من نكث العهد، ولا يتّصف بنقض الميثاق".

وقال: "إن الحق - سبحانه - جعل الطريق إلى معرفته أسهل الطرق وأوضحها، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ﴾، وهو أصل المعارف كلها.

وقال: " بلغني في مكة عن امرأة من أهل بغداد أنها تكلمت فيّ بأمور عظيمة، فقلت:

هذه قد جعلها الله سببا لخير وصل إليّ، فلأ كافئنها. وعقدت في نفسي أن أجعل جميع ما أعتمر في رجب يكون لها، وعنها؛ ففعلت ذلك؛ فلما كان الموسم استدل عليّ رجل غريب، فسأله الجماعة عن قصده، فقال: بالينبع في الليلة التي بت فيها كأن آلافا من الإبل أوقارها المسك والعنبر والجوهر، فعجبت من كثرته، ثم سألت لمن هو؟، فقيل لمحمد ابن عربي، يهديه إلى فلانة، وسمى تلك المرأة، ثم قال: وقيل لي: هذا بعض ما يستحق.

قال ابن عربي: فلما سمعت الرؤيا واسم المرأة ولم يكن أحد من خلق الله علم مني ذلك، علمت أنه تعريف من جانب الحق، وفهمت من قوله: أن هذا بعض ما يستحق، أنها مكذوب عليها. قال: فقصدت المرأة، وقلت: اصدقيني! [فقالت: كنت] قاعدة قبالة البيت وأنت تطوف، فشكرك الجماعة التي كنت فيهم، فقلت في نفسي: اللهم إني

أشهدك أني قد وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الاثنين وفي يوم الخميس، وكنت أصومهما، وأتصدق فيهما. قال: فعلمت أن الذي وصل منها إليّ بعض ما تستحقه، فإنها سبقت بالجميل، والفضل للمتقدم.

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.