من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أفلاطون
رجل ترى النجوم لديه أسافل، والخصوم بين يديه جوافل، والغيوم معتذرة إليه إذا أتته حوافل، يطأ الأراقم، ويطاول الخطب المتفاقم، ويكف بعقله النوازي، وتقصر رؤية الأفكار إذا ارتجل، وتقصى إذا ارتحل، وتقدم النظراء إليه ثم لا ترى إلا مبلسة، وتقدم الآراء ثم لا تنفذ إلا وسهامها مرسلة.
قال ابن جلجل: " هو من [أهل] مدينة أثينا، رومي فلسفي، يوناني، طبي، عالم بالهندسة وطبائع الأعداد، وله في الطب كتاب بعثه إلى طيماوس
تلميذه، وله في الفلسفة كتب وأشعار، وله في التأليف كلام لم يسبقه أحد إليه، استنبط به صنعة الديباج، وهو الكلام المنسوب إلى الخمس النسب التأليفية التي لا سبيل إلى وجود غيرها، ثم استشرف إلى علم العالم كله، وعرف موانع الأجزاء المؤتلفات الممتزجات باختلاف ألوانها، وأصباغها، وائتلافها على قدر النسبة، فوصل إلى علم التصوير، [فوضع أول حركة جامعة لجميع الحركات ثم صنفها بالنسبة العددية، ووضع الأجزاء المؤتلفة على ذلك فصار إلى علم تصوير التصويرات] فقامت له صناعة الديباج، وصناعة كل مؤتلف به.
وله في الفلسفة كلام عجيب. وكان قد أخذ في أول أمره في تعلم علم الشعر، واللغة، فبلغ من ذلك مبلغا عظيما، إلى أن حضر يوما سقراطيس، وهو يثلب صناعة الشعر، فأعجبه ما سمعه منه، وزهد فيما كان عنده منه، ولزم سقراط وسمع منه خمس سنين، ثم مات سقراط، فقصد مصر للقاء أصحاب فيثاغورس. وكان يتبع سقراط في الأشياء المحسوسة ويتبع فيثاغورس في الأشياء المعقولة. وكان يتبع سقراطيس في أمور التدبير.
ثم رجع إلى بلده، ونصب فيها بيتي حكمة، وعلّم الناس، وفعل الجميل، وأعان الضعفاء. وكان حسن الأخلاق، كريم الأفعال، كثير الإحسان إلى كل ذي قرابة منه، وإلى الغرباء. ثبتا، حكيما، صبورا، وكان يرمز حكمته، ويشير إليها، ويتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة.
وصنف عدة كتب، وكتبه يتصل بعضها ببعض أربعة، أربعة، يجمعها غرض واحد، ويخص كل واحد منها غرض خاص يشتمل عليه ذلك الغرض العام، ويسمي كل واحد منها رابوعا، وكل رابوع منها يتصل بالذي قبله.
وكان محبا للفلوات والصحاري والواحدة، وكان في الأكثر لا يستدل على موضعه إلا بصوت بكائه، وكان يسمع على ميلين، وكان منقوشا على خاتمه: " تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك".
ومن كلامه:
قوله: "للعادة على كل شيء سلطان".
وقوله - وقد قيل له: لم لا تجتمع الحكمة والمال؟ فقال "لعز الكمال ".
وقوله: "غاية الأدب أن يستحي المرء من نفسه".
وقوله: "إذا خبث الزمان كسدت الفضائل، وضرت، ونفقت الرذائل ونفعت، وكان خوف الموسر أشد من خوف المعسر ".
وقوله: "العزيز النفس هو الذي لا يذل للفاقة".
وقوله: "الحسن الخلق من صبر على السيئ الخلق".
وقوله: " أشرف الناس من شرّفته الفضائل لا من تشرف بالفضائل ".
وقوله: " الأمل خدّاع النفوس".
وقوله: " المشورة تريك طبع المستشار".
وقوله: " اطلب في حياتك العلم، والمال، والعمل الصالح، فإن الخاصة تفضلك بما تحسن، والعامة بما تملك، والجميع بما تعمل".
وقوله - وقد سئل عند موته عن الدنيا؟ فقال -: " خرجت إليها مضطرا، وعشت فيها متحيرا، وها أنا أخرج منها كارها، ولم أعلم فيها إلا أنني لا أعلم!! ". وعاش ثمانين سنة.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع