من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الفرج بن هندو
منقب عن البيان، يكشف خباءه ويبعث له في كل معنى نشاءه، وينفث فيه روحا كأنه يحس لكل فكرة نباءه، ويفتق أكمام الأدب فقل كزرع أخرج شطأه، له سرّ دقيق فتن الناس، وخمر رحيق يذهب بالباس، لا كالتي تدخل بالالتباس على الحواس، وسحر يستلذه الذوق وينقطع عنده القياس، لو أن للدهر رقته لان قاسيه، أو للجافي ذكر العهد ناسيه، أو للأمل ألقى إلى قبضة اليد مراسيه، وما أعيره شهاده، ولا أميره الحسنى إلا امتاز بزياده.
وكانت بضاعته من الطب غير مزجاة، وصناعته تحقق للمتطبب ما يترجاه، لفضل تجلبب بشعاره، وجلب زيادة الحكمة إلى إشعاره، وعلو همته إلى علومها، وقراءة مادة كل علم على عليمها، إلى أن جنى ثمر الفنون، وجرّب كل شيء ولم يقدر على دفع المنون، وكان له في صناعة الكتابة ارتزاق، وبئست بضاعة أرزاق، إلا أنه لم يقدر عليه بها قوته، وما كان للمرء لا يفوته، وبقي على تعلاّته واختلاف علاّته، إلى أن أتاه هادم الأعمار، ووافاه قادم الموت مبسوط الأعذار.
قال ابن أبي أصيبعة: "هو الأستاذ السيد الجليل أبو الفرج علي بن الحسين ابن هندو. من الأكابر المتميزين في علوم الحكمة، والأمور الطبية، والفنون
الأدبية. له الألفاظ الرائقة، والأشعار الفائقة، والتصانيف المشهورة، والفضائل المذكورة، وكان يخدم بالكتابة، واشتغل على ابن الخمّار، وكان من أفضل المشتغلين عليه".
وقال الثعالبي في "تتمة اليتيمة" فيه: هو من ضربه في الآداب والعلوم بالسهام الفائزة، وملكه رق البراعة في البلاغة، فرد الدهر في الشعر، وواحد أهل الفضل في صيد المعاني الشوارد، ونظم القلائد وترصيع الفرائد، مع تهذيب الألفاظ البليغة، وتقريب الأغراض البعيدة، تذكير الذين يسمعون ويروون: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾.
وأنشد له قوله
يقولون لي: ما بال عينيك مذ رأتمحاسن هذا الظبي أدمعها مطل
فقلت زنت عيني بطلعة وجههفكان لها من صوب أدمعها غسل
وقوله:
قوّض خيامك عن دار ظلمت بهاوجانب الذل إن الذل يجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان منقصةفالمندل الرطب في أوطانه حطب
وقوله:
إن رحت عن بلدة غدوت إلى أخرى فما تستقر أحمالي
كأنني فكرة الموسوس لا يبقىمدى لحظة على حال
وقوله:
ما للمعيل وللمعالي إنمايسعى إليهنّ الوحيد الفارد
فالشمس تجتاب السماء وحيدةوأبو بنات النعش فيها راكد
وقوله:
قالوا اشتغل عنهم حينا بغيرهموخادع النفس إن النفس تنخدع
قد صيغ قلبي على مقدر حبهمفما لحب سواهم فيه متسع
وقوله:
عارض ورد الغصون وجنتهفاتفقا في الجمال واختلفا
يزداد بالقطف ورد وجنتهوينقص الورد كلما قطفا
وقوله:
تمنيت من أهوى فلما لقيتهبهتّ فلم أملك لسانا ولا طرفا
وقد كان في قلبي أمور كثيرةفلما التقينا ما نطقت ولا حرفا
وقوله:
عابوه لما التحى فقلناعبتم وغبتم عن الجمال
هذا غزال وما عجيبتولد المسك من الغزال
وقوله:
لا يوحشنك من مجد تباعدهفإن للمجد تدريجا وتدريبا
إن القناة التي شاهدت رفعتهاتني وتصعد أنبوبا فأنبوبا
وقوله:
تقول: لو كان عاشقا دنفاإذا بدت صفرة بخديه
لا تنكريه فإن صفرتهغطّت عليها دماء عينيه
وقوله
كم من ملحّ على أذاهيسلّ من فكه حساما
صبّ قذى القول في صماخيفصار حلمي له فداما
وقوله
يسر زماني أن أناط بأهلهوآنف أن أعزى إليه بجهله
ويعجبني أن أخّرتني صروفهفتأخيرها الإنسان برهان فضله
فإنا رأينا قائم السيف كلماتقلّده الأبطال قدام نصله
وقوله:
أرخى لعارضه العذار فماأبقى على ورعي ولا نسكي
فكأن نملا قد دببن بهغمست أكارعهنّ في مسك
وقوله:
يا شعرات جميعها فتنتتيه في وصف كنهها الفتن
ما عيّروا من عذاره سفهاقد كان غصنا فأورق الغصن
وقوله:
ربّ روض خلت آذريونه لما توقد
ذهبا أشعل مسكافي كوانين زبرجد
وقوله:
عجبت لقولنج هذا الوزيرأنى ومن أين قد جاءه؟
وفي كل يوم له حقنةتنظف بالزيت أمعاءه
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع