من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن الشبل البغدادي: محمد بن الحسين بن عبد الله بن يوسف أبو علي، بن أسامة السامي، البغدادي الحريمي
حكيم رأى الدنيا بعين الاحتقار، ونظر كل ما فيها بذلّ الافتقار، وزخرت له بحار الحكم، فخاض لججها الغمار، وأذكت له سرجها فجني له من غصونها المهل له الثمار، وتناهى نظره في المآل فلم يزد بصيرة في الاعتبار، ولم يرد زيادة للاختبار، إلا أنه كان جريء اللسان، مسيء الإحسان، خرجت به الفلسفة إلى مهامهها العريضة، فضلّ في فجاجها الفيح، وضلّ في ذيل انفراجها الفسيح، ودام يخبط في سماء سماواتها، ويخطب ولا يلج خطبه أسماع أهل مداواتها، وأغرب مساع نطقه، ومسالك باطله المموّه بحقه، تأدب بأدب الحياء في الوجنات، وذو الإغفاء في المقل السّنات، ولكنه لم يجد أذنا ولم يلق من يعير بصيرته فطنا.
قال ابن أبي أصيبعة: "مولده ومنشؤه ببغداد، وكان حكيما فيلسوفا، متكلما فاضلا، وأديبا بارعا، وشاعرا مجيدا".
ومن شعره:
بربك أيها الفلك المدارأقصد ذا المسير أم اضطرار
مدارك قل لنا في أي شيءففي أفهامنا عنك انبهار
وفيك نرى الفضاء فهل فضاءسوى هذا الفضاء به تدار؟
وعنك ترفع الأرواح أم هلمع الأجسام يدركها البوار؟
وموج، ذي المجرة أم فرندعلى لجج الدروع له أوار
وفيك الشمس رافعة شعاعابأجنحة قوادمها قصار
وطوق للنجوم إذا تبدّىهلالك أم يد فيها سوار؟
وشهب ذا الخواطف أم ذبالعليها المرخ يقدح والعفار
وترصيع نجومك أم حبابيؤلف بينه اللجج الغزار؟
تمدّ رقومها ليلا وتطوينهارا، مثلما طوي الإزار
فكم بصقالها صدئ البراياوما يصدا لها أبدا غرار
تباري ثم تخنس راجعاتوتكنس مثلما كنس الصّوار
فبينا الشرق يقذفها صعوداتلقّاها من الغرب انحدار
على ذا ما مضى وعليه يمضيطوال منى وآجال قصار
وأيام تفرّقنا مداهالها أنفاسنا أبدا شفار
ودهر ينثر الأعمار نثراكما للورد في الروض انتثار
ودنيا كلما وضعت جنيناغذاه من نوائبها ظؤار
هي العشواء ما خبطت هشيمهي العجماء ما جرحت جبار
فمن يوم بلا أمس ويومبغير غد إليه بنا يسار
ومن نفسين في أخذ وردّلروح المرء في الجسم انتشار
وكم من بعد ما ألفت نفوسجسوما عن مجاثمها تطار
وتنتظر الرزايا والبلاياوبعد، فبالوعيد لنا انتظار
ونخرج كارهين كما دخلناخروج الضّبّ أخرجه الوجار
ألم تك بالجوارح آنساتفأعقب ذلك الأنس النفار
فإن يك آدم أشقى بنيهبذنب ما له منه اعتذار
ولم ينفعه بالأسماء علموما نفع السجود ولا الجؤار
فأخرج ثم أهبط ثم أودىفترب السافيات له شعار
فأدركه بعلم الله فيهمن الكلمات للذنب اغتفار
ولكن بعد غفران وعفويعيّر ما تلا ليلا نهار
لقد بلغ العدو بنا مناهوحلّ بآدم وبنا الصّغار
وقفنا تائهين كقوم موسىولا عجل أضلّ ولا خوار
فيا لك لقمة قد كان منهاعلينا نقمة وعليه عار
نعاقب في الظهور وما ولدناويذبح في حشا الأم الحوار
فماذا الامتنان على وجودلغير الموجدين به الخيار؟
وكان وجودنا خيرا لو انّانخيّر قبله أو نستشار
أهذا الداء ليس له دواءوهذا الكسر ليس له انجبار؟
تحيّر فيه كلّ دقيق فهموليس لعميق جرحهم انسبار
إذا التكوير غال الشمس عناوغال كواكب الأفق انتشار
وبدّلنا بهذي الأرض أرضاوطوّح بالسماوات انفطار
وأذهلت المراضع عن بنيهالدهشتها وعطّلت العشار
وغشّى البدر من فرق وذعرخسوف ليس يجلى أو سرار
وسيّرت الجبال فكنّ كثبامهيلات وسجّرت البحار
فأين ثبات ذي الألباب مناوأين مع الرجوم لنا اصطبار؟
وأين عقول ذي الأفهام ممايراد بنا وأين الاعتبار؟
وأين يغيب لبّ كان فيناضياؤك من سناه مستعار؟
وما أرض عصته ولا سماءففيم يغول أنجمها انكدار؟
وقد وافته طائعة وكانتدخانا ما لفاتره شرار
قضاها سبعة والأرض مهدادحاها فهي للأموات دار
فما لسموّ ما أعلى انتهاءولا لسمو ما أرسى قرار
ولكن كل ذا التهويل فيهلذي الألباب وعظ وازدجار
ومنه قوله:
وكأنما الإنسان فيه عبرةمتلونا والحسن فيه معار
متصرفا وله القضاء مصرّفومكلّفا وكأنه مختار
وقوله
ثقلت زجاجات أتتنا فرّغاحتى إذا ملئت بصرف الرّاح
خفّت فكادت أن تطير بما حوتوكذا الجسوم تخف بالأرواح
وقوله
قالوا: القناعة عزّ والكفاف غنىوالذل والعار حرص المرء والطمع
صدقتم، من رضاه سد جوعتهإن لم يصبه بما ذا عنه يقتنع؟
وقوله:
تلقّ بالصبر ضيف الهمّ حيث أتىإن الهموم ضيوف أكلها المهج
فالخطب ما زاد إلا وهو منتقصوالأمر ما ضاق إلا وهو منفرج
فروح النفس بالتعليل ترض بهعسى إلى ساعة من ساعة فرج
وقوله:
بنا إلى الدير من درتا صباباتفلا تلمني فما تغني ملامات
فكم قضيت لبانات الشباب بهاغنما وكم بقيت عندي بقيات
ما أمكنت دولة الأفراح مقبلةفانعم ولذّ فإن العيش تارات
قم فاجل في فلك الظلماء شمس ضحىبروجها الدهر طاسات وكاسات
تلوح في أذرع الساقين أسورةتبرا وفوق نحور الشرب جامات
قد وقّع الدهر سطرا في صحيفتهلا فارقت شارب الخمر المسرات
خذ ما تعجّل واترك ما وعدت بهوكن لبيبا فللتأخير آفات
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع