من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أمين الدولة أبو الحسن بن غزال بن أبي سعيد السامري
وزير الصالح إسماعيل. كان سامريا وأسلم، ولقب كمال الدين، وكان
المهذب السامري عمه، وكان لا يطمع في معاضلته، ولا يقدر على مناضلته، إلا أنه قتل نفسه بحمقه، وتبرد بالنار من حرقه، ولم يزل منذ أخذ في الطلب يترقى ويبرّز بين المعامل ولا يتوقى، حتى تسنّم ذرى الوزارة، وغلط طيفها في غفلة الحلم وزاره، فتصدى للأموال حتى صادها، وأقام على الأعيان أرصادها، إلا أنها فرّت من شباكه، وأنفت أن تستقر في أملاكه، ثم كان آخر ما حمله عليه الهوج، وطلب به استقامة حاله من العوج، أنه أقيم من الدست الذي لم يقدّمه أحد إلى صدره، ولا جزي به بعد طول الحبس على عاقبة صبره، ثم أخذ وشنق، وكان قد أبرم بيده حبل سعادته فخنق.
قال ابن أبي أصيبعة: "كان له الذكاء الذي لا مزيد عليه، والعلم الذي لا يصل سواه إليه، والإنعام العام والإحسان التام، والهمم العالية، والآلاء المتوالية. قد بلغ من صناعة الطب إلى غاياتها، وانتهى إلى نهاياتها، وفاز بمحصولها، وأتقن علم فروعها وأصولها، حتى قلّ له المماثل، وقصر عن معانيه كل فاضل.
كان أولا عند الأمجد صاحب بعلبك طبيبا، فلما توفي بدمشق، استقلّ أمين الدولة بالوزارة العمادية، فساس أحسن السياسة، وبلغ في التدبير نهاية الرياسة، وثبت قواعد الملك، وأبّدها، ورفع مباني الفضل وأيدها، وجدّد معالم العلم والعلماء، وأوجد من الفضائل ما لم يكن لأحد من القدماء، ولم يزل عالي القدر نافذ الأمر، مطاع الكلمة، كثير العظمة، إلى أن ملك دمشق الملك الصالح أيوب، وجعل نائبه بها [معين الدين] ابن شيخ الشيوخ، وأعطى الصالح إسماعيل بعلبك، فانتقل إليها، وبقي وزيره بدمشق، وقد جمع له ولصاحبه أموالا عظيمة جدا، أخذها من أهل دمشق، بموافقة القاضي الرفيع الجيلي، فاتّفق
ابن شيخ الشيوخ والصاحب ابن مطروح على مكيدة عملت، وهو أنهما طلبا أمين الدولة، فلما أتى قاما له، وقالا له: إن أردت الإقامة بدمشق فابق على حالك، وإن أردت أن تلحق صاحبك فتقيم عنده فافعل. فقال: لا والله بل ألحق مخدومي، وأكون عنده. ثم إنه خرج بجميع أمواله وذخائره، وأحواله، وخواصّه، وجميع ما يملكه حتى أثاث بيته، وحصر دوره. فلما صار ظاهر دمشق بما معه قبض عليه وأخذ جميع ما كان قد جمعه، وأحيط على أملاكه، واعتقل، ثم حمل إلى القاهرة، فأودع السجن بقلعة الجبل مع جماعة أخر من الحاشية العمادية، فلما أتى الملك الناصر يوسف ابن العزيز من حلب إلى دمشق، وملكها، صار معه الصالح إسماعيل وسائر ملوك الشام، ثم توجه يريد مصر، فخرجت إليه عساكر المعز أيبك، وكان قد ملك بعد مولاه الصالح أيوب، فلما التقوا كانت الكسرة أولا على العسكر المصري، ثم دارت الدائرة لهم على العسكر الشامي، وقبض الصالح إسماعيل، وجماعة من الملوك والأمراء، وحبسوا بمصر، ثم أطلق بعضهم. وأما الصالح إسماعيل فكان آخر العهد به.
وحكي أن أمين الدولة لما سمع بما كان من ظهور العسكر الشامي على المصريين، على ما كان أولا وعد المتحدث في القلعة عند طلوع الملوك بمواعيد أطمعته، فأخرج من كان عنده وكانوا ثلاثة: أمين الدولة، وناصر الدين ابن يغمور، وأمير كردي، فقال الكردي: يا قوم، لا تستعجلوا واقعدوا مكانكم، فإن كان الأمر صحيحا، فأستاذنا يخرجنا، ويحسن إلينا، وإن كان غير صحيح، فقعودنا أصلح لنا.
فلم يلتفت أمين الدولة وابن يغمور إليه، وخرجوا، وتأخر هو، وقعد الوزير
أمين الدولة وابن يغمور في القلعة، وأمروا، ونهوا، فلما جاءت الأخبار المؤكدة بعكس ما طار إليهم به أول الخبر، أمر المعز بقتل ابن يغمور، وشنق أمين الدولة، وإطلاق الكردي، فأطلق الكردي، وقتل ابن يغمور، وشنق أمين الدولة.
قال ابن أبي أصيبعة: "وحكى لي من رآه لما شنق وعليه قندورة عتابي خضراء، وفي رجله سرموزة. قال: ومن العجائب أن أمين الدولة لما حبس أرسل إلى منجم بمصر كانت له إصابات لا تخرم، وسأله عما كان وما يكون من حاله؟!، فأخذ طالع الوقت، ورسمه، ثم قال: يخلص هذا من الحبس، ويخرج منه فرحا مسرورا، ويبقى له أمر مطاع، يمتثل فيه أمره ونهيه. ففرح، فلما جاءه ذلك الخبر ظنّ أنه يبقى وزيرا بمصر، فتمّ له ما ذكره المنجّم في يوم خروجه، ثم لم يعلم ما يجري له بعده. وكان ذلك في الكتاب مسطورا.
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع