من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو محمد المصري
الحكيم لا يقصر في حكمه، ولا يعجز أن ينطق من تمادى في بكمه، جرى الأدب بقلمه، وسرى نفس في كلمه، وحظي بقبول كان يتلقاه حيث حل،
ويحله أكرم محل، ويتحفه بحباء الملوك بما ينعم به بالا، ويعم حساده وبالا، قد أوثقته الحدق النجل جراحا، وأوبقيته الذوائب فلا يجد سراحا، وكان كالخمر في سلب العقول، وكالسحر في الخلب بما يقول، حاذقا بصيد الدراهم، واستخراج خبايا الحبوب، ولو زرّرت بحدق الأراقم.
قال ابن بسام فيه: "شيخ الفتيان، وآبدة الزمان، [وخاتمة أصحاب السلطان] وكان رحل إلى مصر واسمه خامل، وسماؤه عاطل، فلم ينشب أن طرأ على الأندلس، وقد نشأ خلقا جديدا، وأجرى إلى النباهة طلقا بعيدا، فتهادته الدول، وانتهت إليه التفاصيل والجمل، وكلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد، وإياه قصد، فجرى مع كل أحد، وتموّل في كل بلد، وتلوّن في العلوم بلون الزمان، وتلاعب بالملوك بأفقها تلاعب الريح بالأغصان، حتى ظفر به ابن ذي النون، فشد عليه يد الضنين، فوجد كنفا سهلا، وسلطانا غفلا، فسرّ وساء، وارتسم في أي الدواوين شاء.
وكان بالطب أكلف، وعليه أوقف، فتعلّق بسببه حتى اشتهر به. وكان حسن البيان، مليح المجلس، حاضر الجواب، كثير النادر، راوية للشعر والمثل السائر، نسّابة للمفاخر، عارفا بالمثالب والمناقب، وكان بالجملة روضة أدب، وهيهات أن يأتي الدهر بمثله. وتحيز إلى إشبيلية فأنس المعتمد بمكانه، وجعل له حظا من سلطانه، ثم بقي بعده على حاله مشتملا بفضل إقباله، ممتعا مقبلا على لذاته.
ومما أنشد له قوله:
قال الوشاة ودمع العين منحدرودمعه فوق روض الورد قد حارا
النار يحرقها قلبي بزفرتهمن العجيب فؤاد يحرق النارا!!
وقوله:
ظلك أضحى لي بلا مريةمؤثرا في خدك الناضر
ما أرفق الله بأهل الهوىإذ صيّر الجور على الجائر
وقوله:
ومن أصبحت فيه المكارم جوهرابلا عرض فالمدح فيه قبيح
ولكن رأيت الشعر يثبت ذكرهفلا غرو أن يهدى إليك مديح
وقوله - وهو معنى قول أبي نواس ولكنه نقله -:
وما يحتاج يوم الحرب جيشافإن عداه كالزرع الحطيم
وإن أبقى لهم فرعون سحراففي يده عصا موسى الكليم
وقوله في مهر قتله تغالب الفحول عليه:
يا يوسف الخيل يا مقتول إخوتهقلبي لفقدك بين الحرب والحرب
إن كان يعقوب لم يقنع بكذبهمإني لأقنع منهم بالدم الكذب
وما التناسب في القربى بنافعةإن لم تكن أنفس القربى ذوي نسب
وقوله يصف قصر طليطلة:
قصر يقصر عن مداه الفرقدعذبت مصادره وطاب المورد
وكأنما الأقداح في أرجائهدرّ جماد ذاب فيه العسجد
وقوله يصف القبة:
شمسية الأنساب بدريةيحار في نسبتها الخاطر
كأنما المأمون بدر الدجىوهي عليه الفلك الدائر
وقوله:
أي هلال أطلّ فينامطلعه الطوق والجيوب
يقودنا كيف شاء طوعالأن أعوانه القلوب
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع