من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الداني
رجل يرتع في حديقته، ويرجع الفضل إلى حقيقته، لا يقف سيف ذهنه عند حد، ولا يخرج ما سمع في حافظته من لجد حسيا في الطلب، لا ينال باللمس، ونسبا في الأدب إلا أن أمية بن عبد العزيز لا يقاس به به أمية بن عبد شمس.
قال ابن خلكان: " كان فاضلا في علوم الآداب، صنّف كتابه الذي سماه:
الحديقة. على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي وكان عارفا بفن الحكمة، وكان يقال له الأديب الحكيم، وكان ماهرا في علوم الأوائل، وانتقل من الأندلس، وسكن الإسكندرية، ثم انتقل إلى المهدية، فمات بها، وذكره العماد في الخريدة وأثنى عليه".
وذكره ابن أبي أصيبعة، وقال: " وهو من الأكابر الفضلاء في الطب وغيره،
وبلغ في الطب مبلغا لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من الأدب ما لم يدركه كثير من الأدباء، وكان فريدا في علم الرياضي، مجيدا في صنعة الموسيقى، جيد اللعب بالعود، لطيف النادرة، فصيح اللسان، جيد المعاني، لشعره رونق، وأتى مصر وأقام مدة بالقاهرة، ثم عاد إلى الأندلس، وحبس بالإسكندرية، لأنه كان قد غرق بها مركب فيه أموال جليلة، فالتزم بعمل آلات يخرج بها المركب بما فيه، وشرع في عمل الآلة بحبال الإبريسم، تنطوي على دواليب، ليرفع بها المركب الغارق، فغرم عليها جملة طائلة، فلما ظهر المركب الغارق وقارب الخارج، ثقل على الحبال، فقطعها وسقط إلى قعر البحر، فغضب الوالي عليه، وحبسه، فكتب إلى ابن الصيرفي يستشفع به، وبعث إليه بقصيدتين، يمدح بهما الأفضل ابن أمير الجيوش.
وأول الأولى:
الشمس دونك في المحلوالطيب ذكرك بل أجل
وأول الثانية:
نسخت غرائب مدحك التشبيباوكفى بها غزلا ونسيبا
فأجابه بجواب وهو:
لئن سترتك الجدر عنا فربمارأينا جلابيب السحاب على الشمس
وردتني رقعة مولاي فأخذت في تقبيلها كأني ظفرت بيد مصدّرها، أو تمكنت من أنامل مسطرها، ووقفت على ما تضمنته من الفضل الباهر، وما أودعته من الجواهر التي قذف بها فيض الخاطر:
نكرر طورا من قراة فصولهفإن نحن أتممنا قراءته عدنا
إذا ما نشرناه فكالمسك نشرهونطويه لا طيّ السآمة بل ضنّا
فأما ما اشتملت عليه من الرضا فحكم الدهر ضرورة، وكون ما اتفق عارض بتحقق ذهابه ومروره ثقة بعواطف السلطان ومراحمه، وسكونا إلى ما جبلت النفوس عليه من معرفة فواضله ومكارمه، فهذا قول مثله ممن طهر الله دينه ونزّه من الشكوك ضميره ويقينه:
لا يؤيسنك من تفرج كربةخطب رماك به الزمان الأنكد
صبرا فإن اليوم يتبعه غدويد الخلافة لا تطاولها يد
وأما ما أشار إليه من أن الذي مني به من تمحيص أوزار سبقت، وتنقيص ذنوب اتفقت، فقد حاشاه الله من الدنايا، وبرأه من الآثام والخطايا، بل ذلك اختبار لتوكله وثقته كما يبتلى المؤمنون الأتقياء، ويمتحن البررة الأولياء، والله يدبره بأحسن التدبير، ويقضي له بتسهيل كل عسير، وقد اجتمعت بفلان فأعلمني أنه تحت وعد، وأنه ينتظر فرصة من التذكار ينتهزها ويغتنمها، ويرتقب فرجة للتقاضي يتولجها ويقتحمها، والله يعينه على ما يضمر من ذلك وينويه، ويوفقه فيما يحاوله ويبغيه، وأما القصيدتان فما عرفت أحسن منهما مطلعا ولا أجود متصرفا ومتقطعا، ولا أملك للقلوب والأسماع، ولا أجمع للإغراب والإبداع، ولا أكمل في فصاحة الألفاظ وتمكن القوافي، ولا أكثر تناسبا على كثرة ما في الأشعار من التباين والتناهي، ووجدتهما يزدادان حسنا في التكرير والترديد، وتفاءلت فيهما بترتيب قصيدة الإطلاق بعد قصيدة التقييد، والله يحقق رجائي في ذلك وأملي، ويقرب ما أتوقعه، فمعظم السعادة فيه لي، ثم أطلق سراحه.
ومن شعره: قوله في حالي نجم الثريا مشرقا ومغربا، وطالعا:
رأيت الثريا لها حالتانمنظرها فيهما معجب
لها عند مشرقها صورةيريك مخالفها المغرب
فتطلع كالكأس إذ تستحثوتغرب كالكأس إذ يشرب
وقوله:
لله يومي ببركة الحبشوالأفق بين الضياء والغبش
ونحن في روضة مفوفةدبّج بالنور عطفها ووشي
قد نسجتها يد الربيع لنافنحن من نسجها على فرش
وأثقل الناس كلهم رجلدعاه داعي الصبا فلم يطش
فعاطني الراح إن تاركهامن سورة الهم غير منتعش
وأسقني بالكبار مترعةفتلك أروى لشدة العطش
وقوله:
وا رحمتاه لمعذب يشكو الجوىبمنعّم يشكو فراغ البال
نشوان من خمرين خمر زجاجةعبثت بمقلته وخمر دلال
لا يستفيق وهل يفيق لحالهمن ريق فيه سلافة الجريال
علم العدو بما لقيت فرقّ ليورأى الحسود بليتي فرثى لي
وقوله:
إذا كان أصلي من تراب فكلهابلادي وكل العالمين أقاربي
ولا بدّ لي أن أسأل العيس حاجةتشق على شم الذرى والغوارب
وقوله:
دب العذار بخده ثم انثنىعن لثم مبسمه البرود الأشنب
لا غرو إن حشي الردى في لثمهفالريق سم قاتل للعقرب
وقوله:
كيف لا تبلى غلائلهوهو بدر وهي كتان!
وقوله يصف فرسا أشهب:
وأشهب كالشهاب أضحى يجول في مذهب الجلال
من أنجم الصبح بالثرياوأسرج البرق بالهلال
وقوله في طبيب اسمه شعبان:
يا طبيبا ضجر العالم منه وتبرم
فيك شهران من العام إذا العام تصرّم
أنت شعبان ولكنقتلك الناس محرم
وقوله:
يقولون لي صبرا وإني لصابرعلى نائبات الدهر وهي فواجع
سأصبر حتى يقضي الله ما قضىوإن أنا لم أصبر فما أنا صانع
وقوله:
ساد صغار الناس في عصرنالا دام من عصر ولا كانا
كالدست مهما هم أن ينقضيعاد به البيدق فرزانا
وقوله وقد رأى مليحا أبيض قد قام فجاء قبيح أسود قعد مكانه:
مضت جنة المأوى وجاءت جهنمفقد صرت أشقى بعد ما كنت أنعم
وما هي إلا الشمس حان أفولهاوأعقبها قطع من الليل مظلم
وقوله:
وقائلة: ما بال مثلك خاملاأأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز؟
فقلت لها: ذنبي إلى القوم أننيلما لم يحوزوه من المجد حائز
وما فاتني شيء سوى الحظ وحدهوأما المعالي فهي عندي غرائز
وقوله:
جدّ بقلبي وعبثثم مضى وما اكترث
وا حربا من شادنفي عقد الصبر نفث
يقتل من شاء بعينيهـ ومن شاء بعث!
فأي ودّ لم يخنوأي عهد ما نكث!؟
وقوله:
ومهفهف تركت محاسن وجههما مجّه الكاس من إبريقه
ففعالها في مقلتيه ولونهامن وجنتيه وطعمها من ريقه
وقوله:
وقمت إذ قعد الأملاك كلهمتذب عنه وتحميه وتنتصر
بالبيض تسقط فوق البيض أنجمهاوالسمر تحت ظلال النقع تشتجر
بيض إذا خطبت بالنصر ألسنهافمن منابرها الأكباد والقصر
وذبّل من رماح الخط مشرعةفي طولهن لأعمار العدا قصر
تغشى به غمرات الموت أسد شرىمن الكماة إذا ما استنجدوا ابتدروا
مستثلمين إذا سلّوا سيوفهمشبهتها خلجا مدت بها غدر
ترتاح أنفسهم نحو الوغى طرباكأنما الدم راح والظّبى زهر
الله زان بك الأيام من ملكلك الحجول من الأيام والغرر
وللعجاج على صم القنا طللهي الدخان وأطراف القنا سرر
إذ يرجع السيف يبدي خده علقاكصحفة البكر أدمى خدها الخفر
أما يهولك ما لاقيت من عددسيان عندك قلّ القوم أو كثروا
فاضرب بسيفك من ناواك منتقماإن السيوف لأهل البغي تدّخر
ما كل وقت ترى الأملاك صافحةعن الجرائر تعفو حين تقتدر
ومن ذوي البغي من لا يستهان بهوفي الذنوب ذنوب ليس تغتفر
إن الرماح غصون يستظلّ بهاوما لهنّ سوى هام العدا ثمر
أضحى شهنشاه غيثا للندى غدقاكل البلاد إلى سقياه تفتقر
الطاعن الإلف إلا أنها نسقوالواهب الألف إلا أنها بدر
ملك تبوّأ فوق النجم مقعدهفكيف تطمع في غاياته البشر؟
يرجى نداه ويخشى عند سطوتهكالدهر يوجد فيه النفع والضرر
ولا سمعت ولا حدّثت عن أحدمن قبله يهب الدنيا ويعتذر
ولا بصرت بشمس قبل غرتهإذا تجلى سناها أغدق المطر
ولم أطلها بأني جد معترفبأن كل طويل فيه مختصر
وأورد له ابن سعيد قوله في الرقص لمن جاد عليه قبل مديحه:
لا غرو إن سبقت يداك مدائحيفتدفقت جدواك ملء إنائها
يكسى القضيب ولم تجن أثمارهوتطوق الورقاء قبل غنائها
ومنهم: بنو زهر، فمنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع