من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن تميم
الصفحة ١ من ٢
وهو مجير الدين، محمد بن [يعقوب بن علي الإسعردي]. طاب شميما، وطال بأبّوته الفرزدق وتميما. وكان فتى لا يزال من النّوائب مجيرا، ولا يرنّح
الرّكائب بردا ولا هجيرا. يعمل مطيّه على وجاها، ويعمل لما زاده رتبة وجاها، لأدب رقّ كالخدّ سلسله، وخطّ حسن كالصّدغ مسلسله، وشعر كان فيه مطبوعا لا يتكلّف، ومتبوعا لا تجد عنه من يتخلّف. وأغري بالتورية والاستخدام، وأتى منهما بالماء والمدام، فألقى على الناس منه محبّه، وملك القلوب فلم يدع منها حبّه، فأخمل شعراء الشام والعراق، وضمّ اللطائف ضمّ السّاعد للعناق. وطالما بات ليالي لا ينقاد لوسن، ولا يرتاد إلاّ سهل الكلام لكنه الحسن.
وكان يعدّ في حماة من حماتها، وممن تفلق به الدّروع قلوب كماتها.
وصحب ملوكها الطّيّبين بحارا، وأمسى لهم في جانب الفرقدين جارا، فبلغ به جودهم فوق همّاته، وغادروه الدهر شاكرا لحماته. وله معهم أخبار يطول شرحها، ويحول سرحها. حكي أنّ الملك المنصور استدعاه في ليلة غفل رقيبها، وحضر ربيبها، وسحبت من الذّوائب ضفائرها، وسجنت من بيض الأيام ضرائرها، إلى مجلس من خزف، وفواكه لم تحرف. وأمامه جدول قد خرّ ماؤه فتكسّر، وأنّ عليه كل بارق وتحسّر. والكؤوس دائره، والشّموس في أيدي البدور سائرة. فلما رأى الجدول، وقد أصابته من العين نظرة فتعثّر، وسقط عقد لؤلؤه فتنتّر، نظر إليه، وقال:
يا حسنه من جدول متدفّقيلهي برونق حسنه من أبصرا
ما زلت أنذره عيونا حولهخوفا عليه أن يصاب فتعثرا
فأبى وزاد تماديا في جريهحتّى هوى من شاهق فتكسّرا
فسرّ المنصور بأبياته، وأحبّ استطلاع خبايا بناته، وأمره بالجلوس إليه، وجعله أرفع القوم مجلسا لديه. ثم لم يستقرّ به المكان، ولا قعد واستكان، حتى
تحرّك المجلس لغلام ورد، كأنما تبسّم عن برد، فقال له المنصور بصوت يخفيه، ما تقول فيه، فقال:
بأبي أهيف تبدّى وحيّابابتسام عدمت منه اصطباري
فأراني بوجهه وثناياهـ نجوما طلعن وسط النّهار
فقال له سرّا، وقد أسفر وجهه وتسرّى: ألا إنّه شديد النّفار من المدام، ولو قرّع بالملام. فهل تقدر على استلابته، وتسهيل بأسه واستهابته؟. فما قطع المقال، حتى التفت إليه ابن تميم وقال:
أتهجرها صرفا لأجل خمارهاوذلك شيء لو جرى غير صائر
فلا تخش من داء الخمار وعاطها«هنيئا مريئا غير داء مخامر»
فكاد الغلام يسطو عليه سطوة العائث، وقال له كالعابث: وما هذه؟ فقال:
صفراء لو لاحت لشمس الضّحىمن قبل أن تطلع لم تطلع
أحسن ما في وصفها أنّهالم تجتمع والهمّ في موضع
فقال: بل أشرب خيرا منها، وأدعو للنهي عنها. ثم أتى بركة، فغبّ في مائها، وأرى وجهه خيال قمره في سمائها، فقال:
أفدي الذي أهوى بفيه شاربامن بركة راقت وطابت مشرعا
أبدت لعيني وجهه وخياله«فأرتني القمرين في وقت معا»
ثم لم يزل به حتى شرب، ولذّ معه عامّة ليلته وطرب. فلما طلع ابن ذكاء، وأنار الصّبح وأضاء، شكر له المنصور حلّ عقدة الغلام، وقال: مثلك من سحر
بالكلام. ثم سنّى له الجائزة، وغدا ابن تميم ويده لها حائزة.
ثم استدعاه ليلة أخرى، والحندس قد أسبل جلابيبه، والظلام قد صبّ شآبيبه، والنجوم قد آلت أن لا تزول، وركائب السّيّارة على المجرّة نزول. فبيناهم في ذلك العيش السّجسج، وبرد السّرور الذي مثله ما يسنج، وإذا بجارية في ظلامها مسفرة، ولذمامها غير مخفرة. قد عنّت كالظّبية المقبلة، تحت ذيل ذوائبها المسبلة، فقال له: إن كنت من أبناء قيلة، قل في هذه الليلة.
فقال:
يا ليلة قصّرت زورة غادةسفرت فأغنى وجهها عن بدرها
حتى إذا خافت هجوم صباحهانشرت ثلاث ذوائب من شعرها
فتبسّمت تضحك لشيب مفرقه، وتوضّح الشمس في مفرقه، فقال:
تقول وقد وصفت لها مشيبيبزهر في دجى شعري منير
بودّي لو يغيّبها غمامويؤمر بالمقام فلا يسير
فقال له الملك المنصور: دع عنك هذا، وقل في ذوائب هذه الجارية، فقال:
وهيفاء يسبينا اهتزاز قوامهاوتفتننا بالسّحر أجفانها المرضى
يطول عليها الشّعر حتى إذا مشتأتى خاضعا قدّامها يلثم الأرضا
فقال له: بالله هل أعجبتك هذه الجارية؟ فقال: إي والذي خلق الحبّ، وقيّم الزّبّ. فضحك المنصور، وضحكت الجارية. ثم قال له: أفتحبّ أن تكون ملكك، على أن لا تمنعنا من عادة زيارتها؟ فقال: رضيت بالشّركة. فقال له
المنصور: لو قلت هذا شعرا لكان أحسن. فقال:
يقولون لم نعهدك في الحبّ آخذاشريكا ولا مستأنسا بصديق
فقلت طريق الحبّ أصعب مخطرامخوفا فلم يسلك بغير رفيق
فقضى معه ليلة لم ير مثلها ابن حجر في لياليه الغرّان، ولا ابن بحر عند ابن الخيزران.
وحكي أنّه استدعاه في صبيحة يوم أبيض، ونور بات ياسمينه على الأرض ينفض، والثلج قد نثر كافوره، والجليد قد كسر بلّوره، والسحائب قد أضحت ذيولها مجرورة، والبرق قد تلوّن طول ليلته حتى أخرجها من صورة إلى صورة، وأواني الزجاج قد شفّت من وراء مدامها الرّاح، والدّنان قد فكّ عنها ختام فدامها، ورجال الرّاح قد رادت في إقدامها، والسّاقي بعذار كأنّما كتب بالريحان، أو سيّج بالزّمرّد بنت الجان، وتحت عذاره خيلان. قد خبّأت مسكها فزاد تضوّعا، وكثر طيبه تنوّعا. قد بارح نشرها وفاح، وعلم بنقطها في خدّه أنّه قد تمّ وصف التفاح. فلما دخل عليه في بكرة ذلك اليوم الأغر، ورأى الدنيا الضاحكة تفترّ، أنشده:
يا أيها الملك الذي بسطت لهبالجود كفّ دهرها لم يقبض
دنياك مذ وعدت بأنّك لم تزلفي نعمة وسعادة لا تنقضي
كان الدليل على وفاها أنّهاأضحت تقابلنا بوجه أبيض
فقال له: ما لهذا طلبتك، ولا لأجله خبّأتك، لكن انظر إلى شامات هذا السّاقي تحت عذاره، وقل في أسّه وعذاره. فلم يقل إيها، حتى قال بديها:
ومهفهف خيلانه وعذارهقد جاوزا حدّ الجمال فأفرطا
فكأنّما كتب العذار بخطّهسطرا بحبّات القلوب ونقّطا
فأجزل له الصّلة، وإن لم تكن عوائده منفصلة.
وحكي أنه طلبه في أخريات عصر غربت شمسه، وكاد يتساوى يومه وأمسه. وبثّ الرّسل في طلبه من كلّ صوب، وتوقّع أوبته من كل أوب، إلى أن توقّد في فحم الدّجى جمر الشّفق، وأهزلوا الجوزاء وخفق. فلم يوجد في ناحية، ولا رئي في عشيّة ولا ضاحية. فلما انشقّ جيب الظلام، واشتعل في المشرق وثيب الضّرام، ألفي في بستان، نائي المكان، نائي السّكان. قد خلا فيه بنفسه منفردا، وبقي فيه فردا مثل السيف مجرّدا. فأخبر بحاله، وأحضر إليه على حاله، فأمر أن يسقى مداما، ثم أوسعه ملاما، فقال:
من كان يرغب في حياة فؤادهوصفائه فلينأ عن هذا الورى
فالماء يصفو ما نأى فإذا دنامنهم تغيّر لونه وتكدّرا
وحكي أنه خرج والرّبيع قد غشيت أنديته، وقتيل المحل قد أديت ديته، حتى خيّم بروضة أطال إليها الخبب والإيضاع، وأودعت النّسيم طيبها فضاع، وبها دولاب تذر مآقيه، ويسرّ مدير كأسه وساقيه، قال فيها:
أيا حسنها من روضة ضاع نشرهافنادت عليه في الرّياض طيور
ودولابها كادت تعدّ ضلوعهلكثرة ما يبكي بها ويدور
فبينا هو على تلك الوسائد، وفي خدمه من قائم الشجر تلك الولائد. فلما أمست مسكة الليل من بأرضه، وصاغ النجم له خاتما من فضة، أخذته إغفاءة كإغفاءة المناصل، أو أخذ المدام بأطراف المفاصل. فرأى فيما يراه النائم
غلاما كان يهواه. قد طرقه طيفا، وبات له في سواد الليل ضيفا، فقال:
أقول لطيف الحبّ إذ زار مضجعيوبات إلى وقت الصّباح معانقي
أيا عجبا من ليلة قد طويتهابوصل حبيبي وهو فيها مفارقي
ومرحت وامتدت أقاطيع الأشعة وسرحت، إيّاه الغلام بقدّ كالرّدني، وطرف كاليماني. قد لبس لام عارضه، وأسكت حسنه قول معارضه، فقال:
من لي بأهيف قد أمست على خطرمن قدّه مهجتي إن ماس أو خطرا
قد راح بالعارض المسكيّ محتجباوالغيم عادته أن يحجب القمرا
وفيه يقول:
وأهيف مثل البدر غصن قوامهعليه قلوب العاشقين تطير
تدور عذاراه لتقبيل وجنةعلى مثلها كان الخصيب يدور
وفيه يقول:
يا حسن أهيف حظّه من حبّناطيب النّعيم وحظّنا منه الشّقا
قدم العذار إلى نقا وجناتهيا مرحبا بقدوم جيران النّقا
وفيه يقول، وقد عيّره بالمشيب:
أضحى يعيّرني المشيب وإنماأبداه طول صدوده وفراقه
هذا الذي أخذ الشباب فزادهفي ليل طرّته وفي أحداقه
وحكي أنه حضر أندية بعض الكبراء، وقد غضّ فيه قدر من بقي من
الشعراء. وهو لا يبوح ببنت شفة، ولا يحترف معهم تمرة ولا خشفه، إلاّ أن تلبّث خاطره قد انفجر، وخاسئ فضله لهم قد زجر. فلما لم يوم إليهم بطرف، ولا نطق بحرف، همّوا بمناجاته، فعالجهم بمفاجاته، حين أعورت عينه قذاتهم، وأعولت عنده أذاتهم، وقال: لقد جهلتم غرر المصاع، وكلتم زمر الناس كلّهم بصاع، ولو اختبرتم القدّ على المحكّ، لبان الشّك. فتنوّعوا حينئذ في الاقتراح، وكدّوا خاطره فاستراح. فقال أحدهم: صف فوّارة. فقال:
سمت فأعادت في السماء مياههاوزادت فأجرت من مجرّتها نهرا
وقال الآخر: صف كلبا أحمر. فقال:
وثقت بالصّيد لّما أن ركبت لهبمستطيل على وحش الفلا ضاري
بأحمر اللون خفّت روحه فلهروح من الرّيح في جسم من النّار
وقال الآخر: قل في غلام طويل الشّعر. فقال:
قال الحبيب وقد رآني خائفاإذ زارني من أعين النّظّار
أرسلت شعري حين جئتك زائراخلفي فعفّى عنهم آثاري
وقال الآخر: صف روضا تعبث به النسيم. فقال:
روض تحلّى بالنبات فمالهولحسنه إلا السّماء نظير
والزّهر مثل الزّهر تحسب أنهافيه إذا هبّ النّسيم تسير
وقال الآخر: صف حديقة قد اهتزّ دوحها، وابتزّ عرف الجنان روحها، واخضلّ فيها نبت النعماء، ورفّت بنت الروض على ابن ماء السماء. وبينها نهر صفا ضميرا، وغدا لأطفال النبات ضيرا. فقال:
وحديقة مالت معاطف دوحها من غير سكر
والنهر ساغ قد غدابسعادة الأغصان يجري
وقال الآخر: إني كلف بفتى دقيق الخصر، لم يحو مثله القصر. فقل فيه.
فقال:
قد أظهر المحبوب أعجوبةحار بها العاشق في أمره
ضاق على خنصره خاتمفردّه يقلق في خصره
وحكي أنه مرّ مرّة بدار كان يعهدها معاهد ظباء، ومواعد حباء. فرآها مقفرة الأبيات، من سوانح تلك الظبيات، فوقف بها باكيا، وطاف بأطلالها شاكيا، وهو يقول:
يا ليت دارهم من بعدهم رسختتحت الثّرى واختفت عنّي إلى الأبد
فإنّ رؤيتها من بعدهم سببإلى تضرّم نار الشّوق في كبدي
ثم عكف عليها طائفا، وتذكّر تليدا وطارفا، وقال:
كانت ديارهم بهم مأهولةتغدو بها غزلانها وتروح
حتى نأوا عنها فصارت بعدهمكالجسم لما فارقته الرّوح
ثم والى الزّفير والشّهيق، حتى رثى له الشفيق، ورأى الخليّ أنه لا يفيق.
وحكي أنّه خلا بنفسه في بعض مجالس أنسه، متداويا من هوى برّح بقلبه في جارية، كاد ريّاها يطير بلبّه في ليلة أفصحت العيدان بحروف معجمها، وقرئت صحائف الظلماء بنقط أنجمها، وجرّت كمّت الكؤوس إلى وردها، وخلطت مسك الليل بوردها. وأقبلت الجواري والولدان كاللؤلؤ المنثور، ووصلت الظلماء بذوائب الشّعر المنشور. وأقسم السرور أن قفل الظلماء على الفجر لا يفتح، وآلى أن جانب السّحر له لا يفسح، فقال:
إنّ الغناء الذي قد كان يطربنيبكم وينشي مسراتي وأفراحي
هو الذي صار ينشي بعد بينكمحزني ويجعل دمعي مزج أقداحي
ثم أصبح وهو ما هو عليه من الجماح، وأصحر وقد غنّت ذوات الجناح، فجعل يبكي ويقول:
أعلمت أنّ الورق بعدك ساعدتأهل الهوى بالنّوح والأحزان
وبحقّها ناحت عليك لأنّهافقدت قوامك في غصون البان
وحكي أنّه جلس مرّة بالمسجد الجامع، وقد أجاب داعي مؤذّنه السّامع. فلما فرغ من أداء ما وجب، وجلس إليه رجل يقرأ كتابا ويظهر العجب. فلما امتدّ في ذلك الطّلق، ولم يفه لسانه ولا نطق، فقال له: ممّ تعجب، ولم تتخفّى السّماء وتحجب؟ فقال: إنها درعيات أبي العلاء، ودرّيّات ذلك اللألاء. فقال: اقرأها عليّ، وهاك ما لديّ. فقال: لا والله حتى أترح عليك وإلاّ فاطرح وإليك، فقال على لسان الدّرع:
هنيئا لمن يأوي إليّ فإنّهيلوذ بحصن لا يرام حصين
وألبسه في الرّوع ثوب سلامةوألقى الرّدى عن نفسه بعيون
وحكى أنّه دعاه بعض الرؤساء إليه في ليلة باردة، أصبح منها بطن الأرض مقشعرّا، وظهر الرّوض من الزّهر قد تعرّى، والجليد قد أقلّ حيل الجليد، والبرد قد نهك الحديد، فسار على كره منه وغيظ لم يثنه، حتى أتى مجلسا أمامه بحرة لو جاراها البحر لجارت، أو أطلقت فيها أزمّة السّفن لسارت، ترمي فيها فواره كإنسان يتشهّد في الماء، أو عمود فضّة يقيم خيمة السّماء. فقال له ذلك الرئيس: هل قلت في ليلتك هذه شيئا؟ فقال: نعم. فقال: ما هو؟.
فأنشده:
وليلة قرّة قد هبّ فيهانسيم لا تقابله الصّدور
نسيم يقشعرّ الرّوض منهإذا وافى ويرتعد الغدير
فعبس ذلك الرئيس وجهه وقطّب، وقال: ظننت واللّه أنّك تسرّنا فسؤتنا، فهلاّ تكفّر هذا بما تقوله في هذه البحرة، فقال:
لقد قابلتنا بالعجائب بحرةمكمّلة الأوصاف في الطول والعرض
كأنّ الذي يرنو إليها بطرفهيرى نفسه فوق السّما وهو في الأرض
فقال له: فما شأن الفوارة؟ فقال:
وفوارة جادت على الأرض فانثنتعقيب الظّما بالرّيّ كالنّرجس الغضّ
وقد أرسلت لّما ارتوت فضل مائهاهدايا على أيدي السّحاب إلى الأرض
فقال له: لقد والله عظم حقّك عليّ فاحتكم. فقال: إي والله، فقال: تهبني السّاقي، وكان غلاما روميّا ناعس الطّرف ناعم الظّرف، قد فاق بسحر عينيه، وفلّ الجيوش بكسر جفنيه. فقال:
روحي الفداء لمن أدار بلحظهصهباء في عقلي لها تأثير
فاعجب له من أن يصون بلحظهمشمولة وإناؤها مكسور
فاستطار مسرّه، واستقلّ الغلام له في المبرّه.
وحكي أنّه جلس على بحرة، أشرقت سماؤها، وطاب بكفّيه المجلس ماؤها، والشمس قد توسّطت الظّهيرة، وأرخت ذوائب أشعّتها الضّفيرة، واللّجّة قد نصبت في كلّ ناحية حباله، وتناومت عينها فما رأيت من الشيء إلا خياله، والماء قد لبس من شعاع الشّمس فضّيّ الغلالة، وغابت سباع البركة، فلعبت الغزالة. فقال:
ولمّا احتمت منها الغزالة بالسّماوعزّ على قنّاصها أن ينالها
نصبنا شباك الماء في الأرض حيلةعليها فلم نقدر فصدنا خيالها
ثمّ، بينما هو في في إملائهما على الحضور، ويومه قد وسع فوق طاقته من السّرور، وإذا بفتاة كانت تنتاب محلّه انتياب الطّيف الطّارق، وتطلع عليه في الأحيان، طلوع النّيّر الشّارق، وقد جاءت إليه بتهادي وزارته، ولم تفارق جفنه سهادا، ثم لم تلبث أن تجرّدت من ثيابها ونزلت الماء، وأرته في الأرض كيف يحلّ البدر السّماء، فقال:
لو كنت إذ أبصرتها عريانةبضفيرتين كليلتي مهجور
لتراهما ألفين من مسك وقدخطّا على لوح من الكافور
وحضر نادي الملك المنصور، وقد حشر الصّباح له ونادى، وقدح السّماح له زنادا، واليوم أوّل ما قد ترعرع، وسرير الملك بوقاره قد تزعزع، وكؤوس الرّاح ساعية، ونفوس الأفراح داعية، وقد جلس للاصطباح، والدهر قد انقاد نيبه للاصطلاح. وإذا بغلام قد دخل كالظّبي، قد تدرّع درع الفارس الأشوس، وخاف أسود شعر محيّاه دراء الأطلس، فقال له: قل في هذا، فقال:
وأهيف أخفى شعره تحت أطلسفأصبح منّا كلّ قلب به مغرى
أراد بأن يطفي عن النّاس فتنةبإخفائه فاستأنفت فتنة أخرى
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل فيه أيضا، فقال:
وبي ساحر الأجفان حيّة شعرهتبدّت لنا في أطلس راق أبصارا
عجبت لها ما فارقت منه جنّةفلم سكّنت من ذلك الأطلس النّارا
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل فيه أيضا، فقال:
قلت لحبّي إذ خبا شعرهفي أطلس بالغ في ستره
مكّن يدي من لمسه قال ليمن يلمس الثّعبان في وكره
فقال: أحسنت والله، فبحياتي انظر إلى حسن هذه المنطقة في خصره، ثمّ قل فيها شيئا. وكان الغلام قد شدّ عليه منطقة مجوهرة، قد عانقته كأنّها كلّفت بحبّه، وشغفت بخصره غراما، فتعلّقت به، وتلك المنطقة كأنّما توشّحت بالمباسم، أو توشّعت بأصل المواسم، قد جعلت للهوى به أقوى سبب، وجليت صفوا كالرّاح طفا عليها الحبب، فقال:
كم قلت إذ شدّ الحياصة شادنكلّ القلوب بأسرها في أسره
أتراه قد شغف النّجوم محبّةفتساقطت وتعلّقت في خصره
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل أيضا، فقال:
لّما رأت عيني مناطقك التيأضحت بخصرك دائما تتعلّق
لا تستقرّ وقد علتها صفرةونحول جسم بالصبابة ينطق
أيقنت أنّ الخصر ضاع نحافةفلذا تدور جوى عليه وتقلق
فقال: أحسنت والله، فبحياتي قل أيضا، فقال:
بروحي حبيب إذا ما بدارأيت العيون به محدقه
أعار التّثنّي قدود الغصونفأعطته من حليها منطقه
فسنى له الجائزة، ثم قال له: لك الاقتراح، وكان وقت راح، فقال: أن تأذن لي أن أسافر إلى مصر مدّة، ولك أن تشترط في أيّام الغيبة العدّة. فأذن له على شرط لازم، فشمّر تشمير عازم، ثمّ ما بلّل طلّ الشّجر أطراف الأردية، إلاّ وقد ندّ من الأندية، وخلّف رقعة كتب فيها إليه:
إنّي وبعدي عنك يا يامالكيوأنت بالإحسان لي ناظر
كالرّوض إذ جادت عليه السّماوالبعد ما بينهما ظاهر
فلمّا أتى دمشق وحلّها، واستطاب دون البلاد محلّها، ورأى النّيّرين وقد أشرق له فيهما نيّر البين، وهبّ إليه ذلك الرّيا، ووقف على مجرى النهر في الدّوح، تحت أغصان الثّريا قال:
سقى الله وادي النّيّرين فإنّنيقطعت به يوما لذيذا من العمر
درى أنّني قد جئته متنزّهافمدّ لأقدامي بساطا من الزّهر
وأوحى إلى الأغصان قربي فأرسلتهدايا مع الأرواح طيّبة النّشر
وأخدمني الماء القراح فحيث ما التفتّ رأيت الماء في خدمتي يجري
ثمّ خرج يريد مصر في بكرة يوم من أيّام الرّبيع، قد جاء فيه النّسيم بريح الجنان مخبرا، وتأجّج الشّفق نارا تحرق من الطّيب عنبرا، وقد ألقى أبيض الغيم على محمرّه ذيله الفضفاض، وآناء الصّباح قد امتلأ من ندى الطّلّ وفاض، فقال:
للغيم في شفق الأصائل منظريلهي برونق حسنه من أبصرا
لا غرو إن طاب النّسيم وأفقنانار مؤجّجة تحرّق عنبرا
ثمّ سار أمام كلّ سريّة، حتى أتى الإسكندرية، وهي صنعاء البلاد، وذات الحلل لا البجاد، لا يتجاوزها الأمل، ولا يعدّ ما فيها من حسن التّفاضيل والجمل. فلمّا تمتّع بتحبيرها وتحريرها، وتنعّم في جنّتها وحريرها قال:
لمّا قصدت سكندريّة زائراملأت فؤادي بهجة وسرورا
ما درت فيها جانبا إلاّ رأتعيناي فيها جنّة وحريرا
وفي المركب بمينائها يقول:
انظر إلى قطع المراكب إذ بدتوالماء يعلو حولها ويدور
مثل السّحائب لا يفرّق بينهانظر وكلّ بالرّياح يسير
وحكي أنّه مات له يوم مطر صديق بكاه، وأغرى بدمعه السّحاب فحكاه فقال:
بروحي الذي جاء الغمام يعودهفصادفه نحو المنيّة قد سرى
فما زال يبدي حرقة وتنهّداويبكي إلى أن بلّ من دمعه الثّرى
وحكي أنّه كان قد علق غلاما توقّدت نار وجنته، وحلت مجاجة شفتيه، فأتاه ليلة أثر مدام، دقّق غزل مقلتيه، وشوّش سالفتي طرّتيه، وفي يده شمعة، أزهر منها شمعة خدّه، وأرشق منها قامة قدّه، فلمّا رآه مقبلا وثب وقبّل قدميه من كثب، ثمّ قال بديها فيه وفيها:
عجبا له أنّى يزور بشمعةوضياؤه أبقى الظّلام نهارا
لمّا رأته ووجهه أبهى سنامنها أسالت دمعها مدرارا
وغدت لفرط الغيظ تعطي كل منوافى ليقطع رأسها دينارا
وحكي أنّه خرج يوما بحماة يتفسّح في الصّحراء، والرّبيع قد طلع في حلّته الخضراء، حتى أتى النّاعورة الكبرى، والغروب قد جرى على النّهر تبرا، ونهر العاصي في تلك العشيّة قد موّهت كؤوسه، وذهبت نجوم فواقعه شموسه، فقال يصف النهر:
ونهر إذا ما الشّمس حان غروبهاعليه ولاحت في ملابسها الصّفر
رأينا الذي أبقت به من شعاعهاكأنّا أرقنا فيه كأسا من الخمر
ثم قال في الناعورة:
وناعورة شبّهتها حين ألبستمن الشّمس ثوبا فوق أثوابها الخضر
بطاووس بستان يدور وينجليوينفض عن أرياشه بلل القطر
وحكي أنه كان قد واعد صديقا أن يخرج معه غازيا، ثمّ قعد وانطلق صديقه غاديا، وذلك لأنّه لم يتقدّم له عليه حقّ يسلّفه، ولا ضرب له موعدا لا يخلفه، ثم كتب إليه يعتبه، وحمّله من أثقاله ما يتعبه، فكتب إليه:
رأيتك إذ ألزمتني الذّنب ظالماوذنبك بين النّاس قد شاع واشتهر
كقلب الذي يهوى يعذّب دائماولم يجن ذنبا إنّما الذّنب للبصر
ثمّ لّما فقد ذلك الصديق، وقابل عذره بوجهه الصّفيق، جعل يذكر مواقف غزاته، والاعتداد بمجازاته، فقال:
أتفخر إذ طاعنت خيلا مغيرةفوارسها يوم الوغى ما لها ذكر
وفاتك أنّي طول عمري لم أزلأطاعن خيلا من فوارسها الدّهر
وحكي أنّه خرج يوما إلى الصحراء، وقد تجلّت الأرض بالبيضاء والصفراء، وعيون النّرجس محدّقة. الفضاء مجال خيله. فألفى به غلاما كان له. كان له أيّ مسعد وافاه على غير موعد، فأنزل القبل بساحة خدّه، وأطال في ذميل العناق إليه ووخده، وقال، وجيوب الشّفق مشقّقة، والنّسيم يتعثّر بذيله، ويوسع في ذلك:
لو لم أعانق من أحبّ بروضةأحداق نرجسها إلينا تنظر
ما شقّ جيب شقيقها حسدا ولابات النّسيم بذيله يتعثّر
ثمّ لم يقدر على إطالة المكث معه، فتركه وودّعه، فضاق عليه فسيح ذلك الفضاء، وقام يشيح للمضاء، فمرّ بدولاب قد فاضت عيونه، وعبّرت عن شأنه شؤونه، قد حنّ حنين المفارق للأخدان، وإن تعهّد شبابه وهو أغصان لدان، فقال:
ودولاب روض كان من قبل أغصناتميس فلمّا غيّرتها يد الدّهر
تذكّر عهدا بالرّياض فكلّهعيون على أيام الصّبى تجري
وحكي أنّ الملك المنصور استدعاه يوما إلى مجلسه المطلّ على العاصي، المشرف على الدّاني منه والقاصي، والسّعد قد خدمه، وطنب على النجوم خيمه. وقد أتاه بعض الخدم المعدّين للخدم، فعرض عليه من أعمال الجواري صنائع حسان، وبدائع إحسان، كأنّما أسهمها الرّوض في حبره، أو سهّمها النرض بإبره، فجعل يقرّبها ويأخذها ويقلّبها، حتى أتى على مناديل ليست بمذالات، جعلت لبدور الوجوه هالات، فأمره أن يكتب ما يطرّز فيها، فلم يقل أيّها بل قال بديها:
إذا حملتني راحة الملك الذيأنامله جودا تفيض على البحر
فمن ذا الذي قد حاز ما حزت من علاومن ذا الذي قد نال ما نلت من فخر
إذا كنت أرقى كلّ وقت وساعةعلى لجّة البحر المحيط إلى البدر
وحكي أنه واعد غلاما كان به مغرما، وكان لا يرى غير وصله مغنما، وقد ضرب له العشاء موعدا، وأصبح له الدّهر بوصله مسعدا. فجلس لانتظاره حتى طوي بساط السّمر، وكفّ الغروب اشتطاط القمر. فلمّا اسودّت أحشاء الظّلماء، وطفي سراج السّماء، طلع عليه إذ غاب القمر طلوع البدر، وأراه من تلك الليلة
ليلة القدر، فقال:
كم قلت للقمر العلويّ حين بدايزهى بنور على الآفاق منتشر
أغرب فبدر الدّجى عندي ومن ملكتيداه بدر الدّجى لم يرض بالقمر
ثمّ أديرت الكؤوس، وأذيلت من الهموم مسرّات النّفوس، والساقي يحثّها صفراء تسرّ النّظّار، وتبطن فضّة الأقداح بالنّضار، والغلام إذا أتاه الدّور أطال حمل الكاس، وتشاغل بشمّ الآس، فقال:
حبيبي وعدت الكأس منك بقبلةوأعقب ذاك الوعد منك نفار
فأوقفتها تحت الرّجاء وقلبهابه خوف خلف الوعد منك شرار
وما كان هذا لونها غير أنّهاعلاها لطول الانتظار صفار
فلمّا غربت النّجوم، وغرّدت الطيور حين همّ الصّباح بالهجوم، باكر الغلام رفقة كان قد اتّعد معهم السّفر، وحكى الظّبي الغرير فنفر، فقال:
لّما رحلتم بقلبي في حمولكموظلت حيران بين الهمّ والفكر
سلّطت دمعي على عيني وقبلكمقد كنت أشفق من دمعي على بصري
وحكي أنّه حين آب من سفره، وانجاب عنه من ذلك النّبكان سحاب مغفرة، دخل عليه زائرا، وقد قلع لامته، وهزّ عوض الرّديني قامته، والكؤوس تحثّ والمدام يقول: لا يكن للكأس في يدك لبث. وهو يخالف أمره المطاع، ويحبس الكأس في يده ما استطاع، فجنّ ابن تميم جنونه، وباسطه فلم يقبل جنونه، فقال:
لا تحسبوا طول حمل الكاس في يد منأحببته أنّه ساه ولا ناسي
لكن رأى وجهه فيها وأعجبهجماله فأطال الحمل للكاس
وحكي أنّه كان له صديق يسر بموافقته، ويصرّ على مرافقته. كانا نجيّين في السّرور، ويضعان ويرتشفان الحبور ويرتضعان، ثمّ حصلت بينهما مقاطعة وهجرة، أظلمت ما بينهما، والكؤوس ساطعة، ومكثا على الهجران، حتى آن أن يلقي الشّتاء الجران، فهبّ يوما من منامه، وصبّ للاصطباح كؤوس مدامه، والجوّ قد مرحت فيه قطع الغيم، ولبس منه صدور البراءة وحلّة الأيم. فلمّا برئت من الشّفق الجراح، وتعلّق السّحاب دون السماء تعلّق القطاة بالجناح، تذكّر عهد صاحبه المفارق، وساقه إليه من شعاع المدام وميض البارق، فكتب إليه:
إلى متى ذا التواني يا نديم فقموالق المدام بإكرام وإعزاز
فيومنا بابتسام الجوّ تحسبهمن عقل من بات فيه صاحبا هازي
فقد تجعّد مبيضّ الغمام بهدون السّماء فحاكى جؤجؤ البازي
فلمّا قرأها قام إليه، وقطع يمينا لا يغلو بإنفاق العمر عليه.
وحكي أنّه اتخّذ له بادهنجا تغيّر عليه هواه، ولم يحسن إرساله للنّسيم ولا هواؤه، فقال فيه:
قد كان لي بادهنج أستلذّ بهفي القيظ منه النّسيم الرّطب ألتمس
لكنّه، عشتم، قد مات من زمنأما تراه وما يبدو به نفس
وكذلك حكي أنّه رأى وردا يستخرج ماؤه، وقد فارت في الأنابيب دماؤه،
فقال:
الورد قد قال لّما أن أتيتكمضيفا وفضلي عليكم غير ملتبس
جعلتم فيض روحي نصب أعينكمظلما ولم تقنعوا أن تأخذوا نفسي
وقال:
ولم أنس قول الورد والنّار قد سطتعليه فأمسى دمعه يتحدّر
ترفّق، فما هذي دموعي التي ترىولكنّها نفس تذوب فتقطر
وحكي أنّ رجلا دعاه إلى بستان نازح، ومكان لا يسمع ضيفه صوت نابح، بعيد من القرى والقرى، ما فيه للطارق إلا الحديث والمناح في الذّرى، فبات عنده بسوءة الحال. فلمّا أصبح شمّر للارتحال، فأركبه المضيّف له فرسا قصيرا، لا يحسن له مصيرا، فقال:
وما أنا إلا راحل فوق ظهرهولكنّني فيما ترى العين فارس
فقال له ذلك المضيّف، وكان جاهلا لا يتقلّب بين الناس والرّجا، ولا يفرّق بين المديح والهجا: هبك قلت هذا، ما ذا يكون؟ فقال ولم يفصل بين كلاميهما سكون:
لا تحتقر بقليل الشّرّ إنّ لهزيادة كضرام النّار بالقبس
فحرب وائل ضرع النّاب سعّرهاوحرب عبس جنتها لطمة الفرس
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع