من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن تميم
الصفحة ٢ من ٢
وحكي أنّه كان يهوى غلاما يهيم بوعده، ويصلى النّار ببعده. وطالما قعد ينتظر منه موعدا أخلفه، وقد قدّم له الوعد وأسلفه، فإذا عتب قال: نسيت. وإن كان لا ينسى ولا يأسف عليه ولا يأسى، فقال:
مدحي الذي نسيانه صار عادةوأفرط حتى كاد يعدمه الحسّا
فلو أنّه بالهجر أضحى مهدّديلما ساءني علما به أنّه ينسى
وحكي أنّه حضر مجلس بعض الأكابر، وقد غصّ المجلس، وبهتت فيه عيون النرجس، وقمعت فيه أصابع المنثور، وأعطي فيه أمير الحسن ذؤابة شعره المنشور، وطال إعمال الكؤوس، حتى غمضت الجفون، ولم يبق من دور الكأس حال من الجنون، وثم أمنية ابن تميم قد تركه السّكر لقى، وخلا خدّه المضرّج مخلقا. فنهض غير مرّة لتقبيله، ثمّ خاف أعين قبيله، فقعد بعد اللّجاج، ورجع رجوع الصادي، والماء يجلا عليه في الزّجاج، فقال:
كيف السّبيل لأن أقبّل خدّ منأهوى وقد نامت عيون المجلس
وأصابع المنثور تومي نحوناحسدا وتغمزها عيون النّرجس
وفيه يقول:
أبدى الذي أعشقه شامةتزيد بلبالي ووسواسي
بصحن خدّ لم يغض ماؤهولم تخضه أعين النّاس
وفيه يقول، وقد أفاض عليه درعا، ضاق به ذرعا، وقد جعل شعره في كيس من الأطلس، منع بها حيّته أن تسعى، أو تجدّد له لسعا:
شهد القتال وحاجباه وطرفهتغنيه عن حمل الصّوارم والقسي
أعطاه أرقم شعره جلبابهدرعا فعوّضه بثوب أطلس
وأمّا ما لم يقع لنا فيه من شعره خبر، فقوله في البنفسج والورد:
إن البنفسج مذ أتاه مبشّربالورد عرّض وحشه من أنسه
الورد يورده الحمام فلبسهثوب الحداد لرزأة في نفسه
وقوله يهجو:
لما جسستك بالمديح ولم أكنأدري بأنّك خامل في النّاس
ناديت لّما أن جسستك بالهجاأكليب خذها من يدي جسّاس
وقوله في النرجس:
ولما أتى النّرجس المجتنىبقرب الرّبيع وإيناسه
نثرنا على رأسه فضّةوتبرا فراق لجلاّسه
وأصبح يخطر ما بينناوذاك النّثار على رأسه
وقوله في إهداء قدح:
يا حسنه قدحا يضيء زجاجهليل الهموم إذا ادلهمّ وعسعسا
أهديته مثل النّهار فإن حوىصرف المدام غدا نهارا مشمسا
وقوله:
وزورق فضّة لم تحظ منهعيون الشّرب من فرط البريق
تراه وهو يسبح في الحميّاهلالا لاح في شفق رقيق
وقوله يرثي شريفا غرق في نهر يزيد:
بني عليّ يزيد حيث كان لكمحربا، فمن حلّ منكم فيه لم يعش
لقد تنوّع في إتلاف أنفسكمفظلّ يقتلكم بالرّيّ والعطش
وقوله يصف خيال الغصون في الماء:
وحديقة ينساب فيها جدولطرفي برونق حسنه مدهوش
يبدو خيال غصونها في نهرهافكأنّما هو معصم منقوش
وقوله في النيلوفر:
لما حكى زهر الكواكب نوفروأقام وهو على الكياد حريص
خاف الحريق وقد رمته بشهبهافلذاك أمسى في المياه يغوص
وقوله:
ونيلوفر يحكي النجوم وماؤهيحكي سماها لا يغادرها حرفا
يغيب إذا غابت ويبدو إذا بدتويشبهها شكلا ويفضلها عرفا
وقوله:
إذا كنت ذا فضل وتشكر ناقصايقابل إعراض الورى بالقوارص
فلا خير في الفضل الذي قد حويتهإذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص
وقوله:
إنّ الشّفيع إلى الجواد شريكهفي الجود للدّاني معا والقاصي
وإذا شكرت البحر في إنعامهبالدّرّ فاشكر حيلة الغوّاص
وقوله:
ولربّ صيّاد غذتني كفّهسمكا يظلّ الطرف منه حائرا
يلقي إلى قعر الخليج بدرعهفيعود ملآن العيون خناجرا
وقوله:
لا تعجبوا من غلامي وهو أبله خلق الله إذ راح لي في حاجة فمضى
فالسهم وهو جماد حين أرسلهمن ساعتي في مهمّ يفهم الغرضا
وقوله يذم قينة:
غانية جاءت بلا موعدولم تكن روحي بها راضية
قضى الله لي بها مرّةيا ليتها كانت القاضية
وقال يصف زهر اللّوز:
خرجنا للتّنزّه في بقاعيعود الطّرف عنها وهو راض
ولاح الزّهر من بعد فخلناضبابا قد تقطّع في رياض
وقوله على لسان الياسمين:
لما ازدرى بالياسمين ولبسه المبيضّ زهر الرّوض قال وأعرضا
ما ضرّ إذ كان نشري طيّبامن دونكم إذ كان ثوبي أبيضا
وقوله في المديح:
لّما تفضّلت في حقي وقمت إلىنصري وبلّغتني بالجود أغراضي
كسوت عرضك درعا بالمديح فإنأردته كان سيفا في العدا ماضي
وقوله في المشيب:
خطب ألمّ، وشيب رأسي جملةفلقيت شرّا منهما وكذا قضي
فاعجب لخطب أسود لم يقتنعبفعاله وأتى بخطب أبيض
ولله هذا الشاعر وحسن تخيّله، ولطف تحيّله، انظر كيف جعل الخطب الملمّ موافيا لشيب رأسه المدلهم، وجعل خطب النّوائب أسود، وخطب الشيب أبيض، وأنه جمع فيهما بين المتضادين، وقد قال في البيت الأول: و «لقيت شرّا منهما «وهو إن حمل على ظاهره كان بليغا، وإن حمل على أنّ المراد بقوله شرّا أفعل التفضيل كان أبلغ، وهذا الذي لا يقدر عليه كلّ شاعر، ولا يعدل به وسق الأباعر.
عدنا إليه. وقوله يخاطب شيخه علاء الدّين النّحّاس:
علاء الدّين أضحى بحر علميجيب السّائلين بلا قنوط
أحاط بكلّ ما في الأرض علمافقل ما شئت في البحر المحيط
وهذا من المقاصد الحسنة، إذ جعله قد أحاط بما في الأرض، وهو البحر المحيط، إذ هكذا حقيقته.
عدنا إليه. وقوله وقد دعي إلى مجلسين يفضّل أحدهما:
دعيت فكان أكلي فخد طيرولم أشرب من الصّهباء نقطة
وما يومي كأمس وذاك أنّيأكلت إوزّة وشربت بطّة
وهذا والله غاية ما بعدها.
عدنا إليه:
مذ زارني المحبوب تحت الدّجىمبرّدا قلبي من قيظه
تطّلع الصّبح علينا ولميشعر به فانشقّ من غيظه
وقوله يحرّض على القتال:
انهض بنا نحو العدوّ فإنّهمفي غفلة من قبل أن يتيقّظوا
فجيادنا للغيظ تأكل لحمهاحنقا عليهم والظّبى تتلمّظ
وقوله في مطرب:
يا من يلازم موضعا في شدوهقسما لقد شرّفت مني مسمعي
لو كان لي سعد وحقّك لم تزلأبدا تعنّيني بهذا الموضع
وقوله يصف نارا:
وكأن نارا أضرمت ما بينناولهيبها يخشى سطاه ويجزع
سوداء أحرق قلبها فتكلّمتبسفاهة فينا كلاما يلذع
وقوله:
لا ذنب للنيران إن هي أخمدتزمنا فصنّ العرق فيه بنبضه
كانون أرعدها فأصبح جسمهاللبرد يدخل بعضه في بعضه
وقوله يصف فانوسا:
انظر إلى الفانوس تلق متيّماذرفت على فقد الحبيب دموعه
يبدو تلهّب قلبه لنحولهوتعدّ من تحت القميص ضلوعه
وفيه يقول:
يقول لها الفانوس لما بدت لهوفي قلبه نار من الوجد تسعر
خذي بيدي ثم اكشفي الثّوب تنظريضنى جسدي لكنني أتستّر
وفيه يقول:
أبدي اعتذارا لذا الفانوس حين غدافي حالة من هواه ليس ينكرها
رأى الهوى مضرما ما بين أضلعهنار الجوى فغدا بالثّوب يسترها
وقوله يصف درعا:
ودرع إذا ألقيتها وسط مهمهرأيت القطا فيها يغبّ ويكرع
يكاد إذا عاينت ضحضاح ما بهايلوح بها للصّفو حوت وضفدع
إذا ما أتاها الرّمح ظنّ بأنّهاغدير نشأ في مائه فهو يخضع
ويرعد متن السّيف علما بأنّهمتى زارها في شهره يتقطّع
ولو كان أنّ في ضلوعهمن الغمد يلقاها لما كان يطلع
وإن جاءها سهم يناد بها سردهاأرى النّصح يا مغرور أنّك ترجع
إذا كان هذا في قنا اللحظ والظّبىصنيعي فقل لي ما بضعفك أصنع
فلو لجأت نفس إليّ وجاءهارسول المنايا لم تكن منه تجزع
وقوله:
ونهر كلّما هبّت عليه النّواسم في الذّهاب وفي الرّجوع
يؤثّر فيه تجعيدا خفيفاكوطء الصّافنات على الدّروع
وقوله في غلام ينظر وجهه في مرآة:
طوبى لمرآة الحبيب فإنهاحملت براحة غصن بان أينعا
واستقبلت قمر السّماء بوجههافأرتني القمرين في وقت معا
وقوله في غلام لابس قباء أصفر:
ولّما ارتدى من أصفر اللّون حلّةكسا عاشقيه حلّة من طباعها
وما هي إلاّ شمس خدّيه أشرقتفألقت على أثوابه من شعاعها
انظر إلى رأي هذا الشاعر الأصيل، ولطف معناه الذي خضعت له شمس الأصيل، هل يقال أحسن منه في لابس أصفر، أو يجلي مثله الصباح إذا أسفر.
عدنا إليه. وقوله يصف ناعورة:
وناعورة قالت لنا بأنينهاقولا ولم تدر المقال ولم تعي
كم فيّ من عيب يرى مع أننيأبدا أسير ولا أفارق موضعي
لا رأس في جسدي وقلبي ظاهرللناظرين وأعيني في أضلعي
وقوله:
أيا ذا الذي قد كفّ كفّيه عامداعن الجود خوف الفقر ما ذاك سائغ
أتخشى، سهام الفقر ما دمت منفقاتصيبك، والنّعمى عليك سوابغ
وقوله:
حاذر أصابع من ظلمت فإنّهيدعو بقلب في الدّجى مكسور
فالورد ما ألقاه في جمر الغضاإلاّ دعاء أصابع المنثور
وقوله:
لّما دعا المنثور أن الورد لايأتي وإن يصلى بنار سعير
ودّت ثغور الأقحوان لو أنّهاكانت تعضّ أصابع المنثور
وقوله:
أنعم على المنثور منك بزورةفلقد أراه والسّقام حليفه
ما اصفرّ إلا حين غبت ولم تزلتدعو بأن يأتي إليه كفوفه
وقوله:
مذ لاحظ المنثور طرف النّرجس المزور قال وقوله لا يدفع
فتّح عيونك في سواي فإنهعندي قبالة كل عين أصبع
وقوله:
مذ قلت للمنثور إنّ الورد قدوافى على الأزهار وهو أمير
بسمت ثغور الأقحوان مسرّةبقدومه وتلوّن المنثور
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع