من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
ابن عربي، سعد الدين الدمشقي
شاعر وصّاف، وبطل يقدّم على الأوصاف، ومتفنّن ذلّلت عناقيده للقطاف، وحلّلت مدامته والسّاقي قد طاف، وطلعت دراريه وما أكنّتها الأسداف، وبرزت درره وما ولدها البحر ولا خبّأتها الأصداف.
وكان يظهر التّهتّك وليس كفاك، ويشهر الغرام وما هو على ذاك. يتخيّل في كلّ طور حبيبا ما رآه، وجوى ما أقلّه ولا واراه.
ومن بدائعه التي سبرها، ومحاسنه التي في كلّ حفظ سيّرها، وفي كلّ لفظ صوّرها، ما أنشده له ابن سعيد، وهو:
وقالوا قصير شعر من قد هويتهفقلت دعوني لا أرى فيه مخلصا
محّياه شمس قد علت غصن قدّهفلا عجب للظّلّ أن يتقلّصا
وأنشد له:
عاينت في الحمّام بدرا مشرقايرنو بمقلة شادن مذعور
يرخي ذوائبه على أعطافهفيريك ظلا لاح فوق غدير
ومن بديع قوله:
وافى إليّ مع الظّلام مسلّمافلقيت منه نضرة وسرورا
غصنا رأيت النور منه بثغرهفضممته وقرأت منه النورا
ومنه قوله:
وبدر بدا منه العذار كأنّهبقيّة ليل فرّ من وضح الفجر
محوت بفرط اللّثم خطّ عذارهألم تر ذاك المحو في صفحة البدر
ومنه قوله في قصّار:
أحببت قصّارا محاسنهشرك العقول ونزهة النفس
أقسمت لولا أنّه قمرما كان محتاجا إلى الشمس
ومنه قوله:
قيل لي جسم من تحبّ نحيلوهو مما يشينه فاسل عنه
قلت: ما ذاك من سقام ولكنخفّة الرّوح أعدت الجسم منه
ومنه قوله:
وبالنفس أفدي طلعة القمر الذيإذا ما انثنى كالغصن يا خجلة الغصن
يخاطبني خوف الرّقيب بنفرةفيفهم قلبي غير ما سمعت أذني
ومنه قوله:
هو لا شكّ واحد العصر في الحسن ولكن قدّه يتثنّى
رشأ أعربت عن السّحر عيناهـ وأجفانه على الكسر تبنى
ومنه قوله:
زعم العذول بأنّ قلبي قد سلاكلاّ وحقّك هذا يتخيّل
فهواك في طيّ الجوانح مودعوعليه من شفتيّ باب مقفل
ومنه قوله:
أقول وقد وافى الرسول مخبّريبأن حبيبي قد أساء بي الظّنّا
بعيشك ما أبدى الحبيب وقالهوما ظلّ يحكي قال لي الغصن اللّدنا
ومنه قوله:
يا خليليّ في الزيادة ظبيسلبت مقلتاه جفني رقاده
كيف أرجو السّلوّ عنه وطرفيناظر حسن وجهه في الزّياده
ومنه قوله:
قالوا الحلول بحيّزين لجوهرحكم عليه العقل غير مساعد
هذا حبيبي وهو فرد حلّ فيطرفي وقلبي في زمان واحد
ومنه قوله:
وربّ قاض لنا مليحيعرب عن منطق لذيذ
إذا رمانا بسهم لحظقلنا له دائم النفوذ
ومنه قوله:
كلفت بظبي ظلّ يقطف مشمشاعلى سلّم فيه اعتصام لهارب
كذا البدر لولا أنّه في مسيرهرقا درجا لم يتّصل بالكواكب
ومنه قوله:
شاهدت دولابا له أدمعتكفّلت للرّوض بالرّيّ
فاعجب له من فلك دائرما فيه برج غير مائيّ
ومنه قوله:
يا مانعي القبلة في خدّهفتّتت قلبي فهو مفتوت
لا تخش أنفاسي ولا حرّهافإنّما خدّك ياقوت
ومنه قوله:
ما ذا الذي تعني بقولك جوهرإذا الشيء أو عرض وقصدك يحضر
جسدي هو العرض الذي أنكرتهفافترّ، قلت له وهذا الجوهر
ومنه في مجروح اليد:
وبدر دجى في الكفّ منه جراحهيظنّ بأني في محبّته سمح
فقلت له إن الدّموع شواهديبأنّي من سكر المحبّة لا أصحو
فقال: وما تغني شهود مدامعيلديّ إذا ما كان في يدي الجرح
ومنه قوله في صانع تطماج:
أضحى يبيع التطماج بدر دجىيغرب في القلب كلما طلعا
قلت وقد صفّه على طبقما هذه؟ قال وما خدعا
كنّ بدورا رامت مشابهتيفقطّعتها لواحظي قطعا
ومنه قوله في حريري:
أقول له ألا ترثي لصبّعديم للمساعد والنّظير
أقام ببابكم خمسين شهرافقال: كذا مقامات الحريري
ومنه قوله في حجّام:
حاولت منه الوصل قال بشرط أنآتيك والرّقباء ليست تعلم
كدّرت بالشّرط الوصال، فقال لي:أو ما علمت بأنّ شرطي مؤلم
ومنه قوله في غلام اسمه سليمان:
وبدر دجى ما زال ينشد طرفهعزيز أسى، من داؤه الحدق النّجل
له وجنة تدمى من اللحظ رقّةيكاد بها ماء الشبيبة ينهل
فهذا سليمان لرقّة خدّهإذا دبّ فيه النّمل كلّمه النّمل
ومنه قوله:
ناديت من أهواه وهو مقلّمأظفاره، يا نزهة المتأمّل
فأجابني: أتظنني قلّمتهاعن حاجة، لا بل لمعنى عنّ لي
لأريك يا من بالهلال تقيسنيإنّ الهلال قلامة من أنملي
ومنه قوله في جواب أبيات جاءته من نظام الدين، ابن المولى:
بعثت بأبيات إذا ما عرضتهابسوق ذوي الألباب ليس تسام
فإن لحظتها منك عين عنايةفهنّ لآل رأيهنّ نظام
ومنه قوله مما كتب به إلى مجد الدين بن العديم:
أمولاي مجد الدين ما زلت مسديابقول وفعل كلّ فضل وإفضال
أطوف بهذا العيد حولك داعيالأنّك قد أصبحت كعبة آمالي
ولّما بدا منك الصّفا جئت ساعياإليك ولم أقطع مسافة أميال
وغيري يسعى كي ينال بك الغنىوما أنا من يسعى بجاه ولا مال
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّلوقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
ومنه قوله في دواة:
ودواة من أنفع الأدواتمصطفاة لما حوت من صفات
إن عدت منبع الحياة فلا غروفماء الحياة في الظّلمات
ومنه قوله في مؤذّن:
وبنفسي مؤذّن مذ سبانيلم تفدني شكوى الغرام إليه
كيف يصغي لما أقول حبيبواضع إصبعيه في أذنيه
ومنه قوله في قوّاس:
قلت لقوّاس له طلعةمن رام عنها الصّبر لم يقدر
يا من له وجه كبدر الدّجىكيف تبيع القوس للمشتري
ومنه قوله في طيوريّ:
هذا الطيوريّ قلت يوماله ولم أرهب الأعادي
يا جامعا صنف كلّ طيرهل لك في طائر الفؤاد
ومنه قوله فيمن يبيع قضامة:
باع القضامة شادن ترففاضت عليه مدامعي فيضا
يا من قضامته مجوهرةالثغر منك مجوهر أيضا
ومنه قوله:
خاصمني من أهيم فيهورام جرحي بما يبيد
يا مالكي ما أقوله فيواقعة بعدها الحديد
ومنه قوله في نشّار:
أيّها البدر لو تواصلني اليوم لقاربت في وصالك سعدا
ما وجدنا لحسن نشرك ندّابل وجدنا لطيب نشرك ندّا
ومنه قوله يرثي رجلا يلقّب البدر، دفن بالشرف الأعلى:
يا بدر إن كنت في ظلماء موحشةفالبدر في سدف والدرّ في صدف
دفنت في الشّرف الأعلى ومن عجبهبوط بدر الدّجى في ذروة الشّرف
ومنه قوله يصف شعر عون الدين سليمان، ابن العجمي:
يقولون عون الدين أضحى لمجدهقريض كروض باكرته عهاده
فقلت لهم هذا سليمان عصرهيدين له في كلّ معنى فراده
إذا هو أمسى في القريض مفكّراعرضن عليه بالعشيّ جياده
ومنه قوله:
أمبشّري ممن أحبّ بزورةأهلا وسهلا بالبشارة والهنا
ما كان أسمحني عليك بخلعةلو كان عندي حلة غير الضّنا
ومنه قوله:
عفت المدام سوى مدامة ريقهذاك الرّحيق ختامه مسك اللّمى
إن سمته خمر الرّضاب يقول ليأهممت أن تعصي؟ فقلت: اللّوّما
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع