من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
يوسف بن بركة بن سالم الشيباني، التلعفري
شهاب الدين أبو المحاسن. وأبوه يعرف بابن عرّاج. رجل خضعت له رقاب المعاني، وطمعت أنها لشهب السّماء تداني، بهمّة بلّغتها ما أرادت، وسوّغتها المنى وزادت. وكان لا يرتفع عليه رأس أديب، ولا يمتنع عليه لمن شمخ منهم أنفه تأديب. وتصالت معه تصالي الكواكب في مطلع الفجر، وتخاضعت له تخاضع العشاق في الهجر. ومدح ملوك بني أيّوب، ومتح ماءهم الشّروب، ومنح منهم ثقل الأردان والجيوب، وصحبه الأشرف، ووهبه فأسرف، وكان بآل بيت النبوّة كلفا متواليا، وشغفا مغاليا. لا يرى إلاّ آل أحمد شيعة لإسعاده، وذريعة في معاده، وأنشد له ابن سعيد قوله:
وإذا الثّنيّة أشرقت وشممت منأرجائها أرجا كنشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حديثها المرفوع عن ذيل الصّبا المجرور
ومن شعره قوله:
ربع علقت به وربع شبيبتينضر وفودي ليله لم يقمر
لله عصر شبيبة قضّيتهفي جوّه برحيق صرف مسكر
مع كلّ معتدل يرنّح صعدةمن قدّه ويدير مقلة جؤذر
ورشيقة ممشوقة لو تقيتبالبدر ليلة تمّه لم يسفر
وقوله مهنّئا بعيد نحر:
ولا تنحر الأعداء فيه مضحّياففيهم عيوب لا يتمّ بها النّحر
وبهذا ذكرت بيتين كنت كتبتهما جوابا للفاضل إلى الصفا الصفدي. فأما ما كتب به إليّ فهو مع غنم أهداها إليّ في الأضحى، وهو:
أتتني ضحاياك التي قد بعثتهالتصبح كالأعداء في بكرة الأضحى
وحسبك أعدانا كلاب جميعهموحاشاك لا تجزي الكلاب لمن ضحّى
وأما ما كتبت به إليه وهو المراد هنا فهو:
أيا من أرجّي فيه أنّ عداتهتبيت كما تمسي ضحاياه أو تضحي
وحقّك ما أهدي إليك أضاحياولكنّني قدّمت أعداك للذّبح
عدنا إليه. ومن شعره قوله:
تمتّع من سهاد أو رقادولا تأمل كرى تحت الرّجام
فإنّ لثالث الحالين معنىسوى حال انتباهك والمنام
وهذه حكمة ما فاز بطاوتها سبق اليونان، ولا عرفتها الهند ولا آباؤها إلى كنعان.
عدنا إلى قوله. ومنه
عج حين تسمع أصوات النواقيسمن جانب الدّير تحت الليل بالعيس
مستخبرا عن كميت اللّون صافيةقد عتّقتها أناس في النّواويس
يسعى بها من نصارى الدّير بدر دجىيميس في فتية مثل الطّواويس
فاصرف بدينارها صرف الزّمان إذاونادم الشّمس من نحل الشماميس
وقوله:
أصبح قارون ولكنّهما عنده يوما لراجيه خير
والله ما يملك من جبّةإلاّ وقد نيك بها ألف أير
وقوله:
أرأيت غيرك يا حياة الأنفسمن يحرس الورد الجنيّ بنرجس
يا من يدير بوجنتيه ومقلتيهـ وراحتيه لنا ثلاثة أكؤس
آنست إذ أخذ الكرى من مقلتيي زمام هاتيك الجفون النّعّس
ما كنت أطمع قبلها في مثلهالكنّني من بعدها لم أيأس
وقوله:
إذا سئلت عن الدنيا وساكنهافقل دمشق وموسى الأشرف الملك
المستنير سنا والليل معتكروالمستشيط سطا والخيل تعترك
ملك تبرّ يمين المقسمين إذاقالوا بغير ارتياب إنّه ملك
تناقضت حالتاه فهو يوم وغىغرّ وفي الآراء محتنك
وقوله:
ذرني وعزمي والسّرى والعيس والقفر الذي لا يهتدى لسبيله
في كلّ مشتبه الجوانب تربه المغبرّ يخفق منه قلب دليله
وقوله:
أفدي الذي زارني في الليل مستتراأحلى من الأمن عند الخائف الدّهش
ولاحت الشّمس تحكي عند مطلعهامرآة تبر بدت في كفّ مرتعش
وقوله:
إذا أمسى فراشي من ترابوبتّ مجاور الملك الرّحيم
فهنّوني أخلاّئي وقولوالك البشرى قدمت على كريم
وقوله: وقد رأى الفلوس الأسديّة أيام الظاهر بيبرس:
يقولون في أرض مصر الغنىوليس لأقوالهم مستند
وكيف يرجّى بها معدمغنى وعلى كلّ فلس أسد
وقوله:
القلب دلّ عليك أنك في الدّجىقمر السّماء لأنه لك منزل
هب أنّ خدّك قد أصيب بعارضما بال صدغك راح وهو مسلسل
وقوله:
من ضلّ في شعره يهدى بمبسمهوثغره البارق السّاري به ساري
رفعت عن أدمعي الشّكوى فوقّع ليلا ينقطع رسم هذا المدمع الجاري
وقوله:
من لي بطيف منكم إن أغمضتعيني يعين على الأسى ويريح
هذي الجفون، وإنّما أين الكرىمنها؟! وهذا الجسم أين الرّوح؟!
وقوله:
تحيّرت لما قال نشوان عطفهفقلت وقد أزرى بما يثبت الخطّ
أمن لحظه أم لفظه أم رضابهيميل ألا إنّ الثلاثة أسفنِط
وقوله:
بعثت إليّ ودوننا رمل اللّوىطيفا على قتل النّفوس محرّضا
فمددت بين يديه خدّا مذهباأجرى البكاء دما عليه مفضّضا
من لي بمرسلة الخيال وقد جلابالوصل، ليل السّخط لألاء الرّضا
لأعيد رمّان النهود مكسّرامنها وتفاح الخدود معضّضا
في قوله معضّضا استخدام، ما لكلّ فكرة عليه إقدام، هو في كلّ معنى كأنما وضع بإزائه، وصنع لتمام أجزائه، والبيت الآخر تضمين من شعر السّريّ الرّفّاء، وقد جاء به طبعه العفو، لا يبين لصنعة الرّفاء فيه الرّفو.
وقوله:
من بني التّرك كلّما جذب القوس رأينا في وسطه بدر هالة
يقع الوهم حين يرمي فماتدري يداه أم عينه النبّالة
قلت لما لوى ديون وصاليوهو مثر وقادر لا محالة
بيننا الشرع قال: سربي فعنديمن صفاتي لكلّ دعوى دلالة
وشهودي من خال خدّي ومنقدّي شهود معروفة بالعدالة
أنا وكّلت مقلتي في دم الخلق، فقالت: قبلت هذي الوكالة
ومنه قوله:
يا شيب كيف وما انقضى زمن الصّباعجّلت منّي اللّمّة السوداء
لو أنّها يوم الحساب صحيفتيما سرّ قلبي كونها بيضاء
ومنه قوله:
بشقيق وجنتك الجنيّ وآسهاعالج لواعج عاشقيك وآسها
واسمح بإرسال الرّقاد لمقلةأهدت إلى جفنيك كلّ نعاسها
ومنه قوله:
قف سائلا بلوى الكثيب الأيمندارا عفت فكأنّها لم تسكن
وحذار من حدق الظّباء فلم يزلجمر المنايا في سواد الأعين
رحلوا بواضحة الجبين إذا بدتفلمجتل وإذا انثنت فلمجتن
يا ظبية عشّاقها في حبّهالا يظفرون بغير حظّ الألسن
ليس الغرام كما عهدت وإنّهباق وأمّا الصّبر عنك فقد فني
أرجو خيالك والرّقاد مشرّدعنّي لقد أمّلت ما لم يمكن
ومنه قوله:
أمتلف عيني بالدّموع وبالبكاومهجة قلبي بالأسى المتوقّد
تعذّب قلبي. قلت: طرفي مشرك،فما العذر في تعذيب قلبي الموحّد
ومنه قوله:
أيّ سهم من مقلة نجلاءأثبتته اللّحاظ في أحشائي
وخدود لو لم تنقّط بخالقلت: كالجلّنارة الحمراء
ومنه قوله:
يا خليلي خلّ دارا أقفرتومحلا غاب عنه السّكّن
ودماء سفكتهنّ الدّمىما سلاح العين إلا الأعين
ومنه قوله:
لا تغر بالغوير إذ تتثنّىفيه أعطاف كلّ غصن وريق
واثن محمرّ خدّيك واسترهـ وإلاّ ينشقّ قلب الشّقيق
ومنه قوله:
لو رعيتم للعاشقين ذمامالبعثتم قبل الخيال المناما
كان ظنّي أنّ الحمائم تشفيفسقاني نوح الحمام الحماما
لا وأيام قربكم ما نهانيعنكم عاذل يطيل الملاما
كلّما قال: دعهم. قلت دعنيلا شفى الله فيهم لي سقاما
ومنه قوله:
لواحظك التي تصمي الرّماياسهاما حاجبيك لها حنايا
ملكت بعدل قدّك كلّ رقوذاك العدل جور في الرعايا
ومنه قوله:
مذ شام سيف لحاظه مسلولالا يلتقي إلاّ دما مطلولا
فإذا عطا، قل: كيف فارق سربهوإذا سطا، قل: كيف أخلى الغيلا
ومنه قوله:
حدّثه عن نجد فذاك يعينهواسأله فيه هل تجفّ جفونه
واستمل ما تمليه نفحة روضهسحرا، وترفعه، إليك غصونه
ومنه قوله:
أألومكم في هجركم وصدودكمما هذه في الهجر منكم أوّلة
قسما بكم قد حرت مما أشتكيحتى الدّجى وعدمته ما أطولة
يا سائلي عن شرح حالي في الهوىتركي الجواب جواب هذي المسألة
يا راحلين وفي أكلّة عيسهمرشأ، عليه، حشا المحبّ مقلقلة
أسرت له العشاق نضرة وجنةبسوى اللواحظ لا تبيت مقبّلة
لو لم يصب صدغيه عارض خدّهما أصبحت في سالفيه مسلسلة
وهذه القطعة من قصيدة أوّلها:
هذا العذول عليكم مالي وله؟أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله
وكلّها جيّدة وهذا مختارها، وكلّها جنان وهذه ثمارها. وأتى فيها بأبيات أكثر فيها من التورية بأسماء الكتب وهو مالا أستحسنه. ولا يعدّ مع المحسنين وإن أجاد محسنه.
ورأيت بخطّ الفاضل كمال الدّين أبي العبّاس أحمد بن العطّار الشيباني الكاتب، ﵀، ما صورته: «ذكر أنّ أبا الشيص كان لو قيل له: ابن من أنت؟ لقال: وقف الهوى بي حيث أنت … البيت. ولو قيل لشهاب الدين التلعفري: ابن من أنت؟ لقال: هذا العذول عليكم ما لي وله … ثم قال:
وهي قصيدة مشهورة سيّارة محفوظة، دائرة على ألسنة العالم. وعارضها جماعة من معاصريه، فلم يتّفق لهم ما اتّفق له من الجودة والسيرورة.
عدنا إلى تتمّة شعره. ومنه قوله
مهما الجفون كذا محاربة الكرىما لي انتفاع بالخيال إذا سرى
كم ذا التباله في الهوى عن حالتيدمعي يسيل وأنت تسأل ما جرى!
وحياة حبّك إنّ قول عواذليلك: إنني سال، حديث مفترى
ما كنت قبل لحاظ طرفك مثبتاأنّ الظباء تصيد آساد الشّرى
وقوله:
أأفوز من أسر الهوى بخلاصكيف المناص ولات حين مناص
لي ظاعن كم دون يوم لقائهمن فتّ أكباد وشيب نواصي
دمعي وصبري فيه، هذا طائعلي حين أدعوه وهذا عاصي
جرحت لواحظه فؤادي فاغتدىبلواحظي من وجنتيه قصاصي
ما كان يهجرني ويسرف لو رأىما في الفؤاد له من الإخلاص
كم ذا التّجنّي والجفا يا درّة الغوّاص أو يا ظبية القنّاص
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع