من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
أحمد بن محمد بن الوفا، ابن الحلاوي، الربعي الموصلي
شرف الدّين، أبو الطّيّب، ذو الصّناعة التي لها لذاذة في الذوق، وحلاوة في مرارة الشّوق. لم ترم بضاعته بالكساد، ولا صناعته بالفساد. على
أنّها صناعة حلاوي ما عرفتها العرب، ولا ألفتها في مأدبات الأدب، ولا ألّفتها الألباب من لباب البرّ والضّرب، ولا جادت بتقريبها ذات جفون ولا جفان، ولا جاءت بضرب من ضربها شفة ولا لسان. ولا تطاول إلى منّها الحلاويّ حلاويّ الأري والشّراب، ولا ندّ مثل عبقها في نادي الأعراب. ولا ذاقت العين شبيه طعم حلاوتها في صحون خدود الكواعب الأتراب، ولا تجاسر النخل أن يساقط رطبه الجنيّ لمقابلتها، ولا النّحل أن يعرض شهده الشّهيّ لمشاكلتها، ولا مكرر السكران يبرز من غلفه الملبسة لمماثلتها. ومن معموله الغالي، وقوله العالي، ما أنشده له ابن سعيد:
كتبت فلولا أنّ هذا محلّلوهذا حرام، قست لفظك بالسّحر
فو الله ما أدري أزهر خميلةبطرسك أم درّ يلوح على نحر
فإن كان زهرا فهو صنع سحابةوإن كان درّا فهو من لجّة البحر
وكان له فرس أصابه داء الحمر لزيادة علفه، فأمر غلامه أن يسيّره ليخفّ ثقله، فأهمل الغلام ما أمره به، فتشبّك صدره، فلام الغلام، فادّعى أنّه سيّره، فقال:
ابن الحلاويّ أنادع قولك المعلّكا
لو أنّه مسيّرلما غدا مشبّكا
ومما اخترته من شعره قوله، مما كتب به إلى بدر الدّين لؤلؤ، صاحب الموصل، ليلة نصف شعبان:
أتى للهنا ابن الحلاويّ مادحابنادر شعر فيكم محكم الرّصف
يهنّيك بالنّصف الذي أنت بدرهوقد حاز في أشعاره غاية اللّطف
ففي النّصف أبهى ما يرى البدر طالعاوأحسن معمول الحلاويّ في النّصف
ومنه قوله يخاطب شخصا اسمه الركن:
على دار السّلام وأنت فيهالأجلك دائما مني السّلام
بقربك لذّ لي فيها مقاميولولا الرّكن ما طاب المقام
ومنه قوله في مليح قصّر شعره:
قصّرت شعرك كي تقلّ ملاحةفكساك أبهى الحسن وهو مقصّر
وقطعته ليقلّ عنّا شرّهوالإثم أقتله القصير الأبتر
ومنه قوله:
يهدّد منه الطّرف من ليس خصمهويسكر منه الرّيق من لا يذوقه
حكى وجهه بدر السّماء فلو بدامع البدر قال النّاس هذا شقيقه
ومنه قوله:
أطلقت أدمع عينه يوم النّوىوفؤاده أحكمت شدّ وثاقه
أسهرته وأسلت مقلته دماأترى ذبحت النّوم في آماقه
ومنه قوله:
أحيا بموعده قتيل وعيدهرشأ يشوب وصاله بصدوده
لم أنسه إذ جاء يسحب بردهوالليل يخطر في فضول بروده
والصّبح مأسور، أجدّ لأسرهجنح الظّلام تأسّفا لفقيده
فالليل يرفل في ثياب حدادهوالصّبح يرسف في وثاق حديده
ولذاك لم تنم النّجوم مخافةمن أن يفادي الصّبح فكّ قيوده
ما زال يرشفنا شقيقة ريقهطيبا، ويلثمنا شقيق خدوده
حتى تحكّم في النّجوم نعاسهاوالتذّ كلّ مسهّد بهجوده
ومنه قوله:
يقولون يحكي البدر في الحسن وجههوبدر الدّجى عن ذلك الحسن منحطّ
كما شبّهوا غصن النّقا بقوامهلقد بالغوا في المدح للغصن واشتطّوا
ومنه قوله، وقد عرّف النور السهرزوري بينه وبين بدر الدين لؤلؤ في أيّام العشر:
وعشر رأيت البدر فيه مجالسيوأعجب شيء رؤية البدر في العشر
هداني إليه النّور حتى أتيتهولا عجب إن دلّ نور على بدر
ومنه قوله، مما كتب إلى الصّاحب بهاء الدّين زهير:
تجيزها وتجيز المادحين بهافقل لنا أزهير أنت أم هرم
ومنه أخذ الصاحب جمال الدين بن مطروح فقال:
أقول وقد توالى منك برّوأهلا ما برحت لكلّ خير
ألا لا تذكروا هرما بجودفما هرم بأكرم من زهير
ثم رجع إلى تتمّة ما اخترنا لابن الحلاوي. ومنه قوله وقد خلع عليه خلعة صفراء فكرهها، وبوجه الوجل شبّهها:
فعلام ألبس من فواضل جودكمما لا يليق بهمّتي وفخاري
صفراء أنبأ لونها لما أتتبقصور حجّتها عن الإعذار
ومنه قوله في الشّبّابة، وأجاد في التضمين، ووفّى من الإجادة بما هو به ضمين:
وناطقة خرساء باد شحوبهاتلقّفها عشر وعنهنّ تخبر
يلذّ على الأسماع رجع حديثهاإذا سدّ منها منخر جاش منخر
ولم أر مثلي شاقه صوت مثلهاوكم مثلها فارقتها وهي تصفر
ومنه قوله مما كتب به إلى بعض أصدقائه يستعين به في عاريّة صوان له من شخص كان يصحبه من الأمراء:
أريد من المولى الأمير الذي سرتمواهبه بين الورى سير عدله
أخا سفر ما حلّت الشّمس وجههمن الأرض إلاّ صدّها قدر شكله
فكن مسعدي فيما طلبت فمقصديبأنّي لا أنفكّ من تحت ظلّه
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع