من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
عمارة بن علي بن زيدان الحكمي
الفقيه، اليمني، الشافعيّ. شاعر لا تنقشع عارضته، ولا تتوقع معارضته، لو قاومه المغلّب لما ناهضه، أو قاوله الفرزدق لما ناقضه. لا يدرك لبحره قرار، ولا لبدره سرار. كان عربيّا فصيحا، ينطف ردنه خزامى وشيحا، تكلم بلسان العرب فما أخطأ، ولا فات سهما ولا عرفا، بفصاحة تسيل شعابها وتسير هضابها. وأصله من مدينة يقال لها (مرطان) من تهامة، وتأدّبه بزبيد من اليمن. وحج سنة تسع وأربعين وخمسمائة، فسيّره القاسم بن هاشم بن فليتة صاحب مكة المعظمة رسولا إلى مصر، فسرى إليها يتأنّس بمهنّده، ويقطع الظلام يكتحل في كل ميل بإثمد. هذا، ورائد الفضل يقدمه، وقائد الحظّ يخدمه.
فأتى مصر والملك الصالح ابن رزيك يومئذ وزيرها، وبه يبتدأ من يزورها، والفائز اسم ابن رزيك معناه، ومضطجع مهد لولاه لم يلهم لمعناه، فأكرم الصالح منه زائرا أشهى من الطيف لماما، وأخفّ من الضيف مقاما، ودخل على الفائز بقبو الذهب وهو في مجلس كلّ أشمّ الأنف فيه خاضع، وكلّ شامخ الرأس لديه متواضع، وكلّ طرف متشاوس به عضيض، وكلّ جناح همة متعال عنده مهيض، لا يتكلّم فيه إلاّ أذن وقال صوابا، ولا يتكلم فيه إلاّ من منحه الحصر أن
يردّ جوابا، والفائز على سرير مرتفع تقع مرامي العيون دونه وتودّ أسرّة النجوم أن تكونه، وزعماء الجيش قد أخذت مجالسها في نواحيه، ومنعتها المهابة أن تتخيل أنها فيه، فأنشد قصيدة مر بها الفائز ووزيره الصالح ووصف حسن قيامه بالمصالح، وهي:
الحمد للعيس بعد العزم والهممحمدا يقوم بما أولت من النّعم
لا أجحد الحقّ عندي للركاب يدتمنّت اللجم فيها رتبة الخطم
قرّبن بعد المزار العزّ من نظريحتى رأيت إمام العصر من أمم
ورحن من كعبة البطحاء سائرةوفدا إلى كعبة المعروف والكرم
فهل درى البيت أنّي بعد فرقتهما سرت من حرم إلا إلى حرم
حيث الخلافة مضروب سرادقهاعلى النقيضين من عفو ومن نقم
وللإمامة أنوار مقدّسةتجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم
وللنبوّة آيات تنصّ لناعلى الحقيقين من حلم ومن حلم
وللمكارم أعلام تعلّمنامدح الجزيلين من بأس ومن كرم
وللعلى ألسن تثني محامدهاعلى الحميدين من فعل ومن شيم
دراية الشّرف البذّاخ ترفعهايد الرّفيعين من مجد ومن همم
أقسمت بالفائز المعصوم معتقدافوز النّجاة وأجر البرّ في القسم
لقد حمى الدين والدّنيا وأهلهماوزيره الصّالح الفرّاج للغمم
اللابس الفخر لم تنسج غلائلهإلاّ يد لصنيعي السّيف والقلم
وجوده أوجد الأيام ما اقترحتوجوده أعدم الشّاكين للعدم
قد ملّكته العوالي رقّ مملكةتعير أنف الثّريا عزّة الشّمم
أرى مقاما عظيم الشأن أوهمنيفي يقظتي أنّه [من] جملة الحلم
يوم من العمر لم يخطر على أمليولا ترقّت إليه رغبة الهمم
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمهاعقود مدح فما أرضى لكم كلمي
ترى الوزارة فيه وهي باذلةعند الخلافة نصحا غير متّهم
عواطف أعلمتنا أنّ بينهماقرابة من جميل الرأي لا الرّحم
خليفة ووزير مدّ عدلهماظلا على مفرق الإسلام والأمم
زيادة النّيل نقص عند فيضهمافما عسى تتعاطى منّة الدّيم
فاستحسن قصيدته الحاضرون. ثم عاد إلى مكة وهم إليه بعيونهم ناظرون.
ثم إنّ صاحب مكة أعاده إلى الفائز مرة ثانية، وهبّت إلى مصر ريح يمانية ومدّ إليها منه بحر عدّت البحار السبعة ثمانية. وأتاها على نيّة مقيم، وبعلانية أنّه عنها لا يريم، فلما دنا عمارة من الفائز أدناه، وسوّغه فوق مناه، شكرا لمسعاته، وبرّا كلّمه به بغير ترجمان من دعاته، وذلك بما لقّنه ابن رزيك وفطّنه، واستجلبه به ليوطّنه، ثم اختص بابن رزيك خصوصيّة اللسان بالبيان، واليد بالبنان، فغرفه الصالح بسجله، وعرفه نجح ما جاء لأجله، وجعله لا يطأ الثريّا برجله، ولا يطلب الجوزاء بأن تصاغ بحجله، وقد تقدّم في ترجمة الفائز ذكر وفادته، وأنّها كانت بكر سعادته، وأتينا هناك على عيون من أخباره، ومكنون من أشعاره، فلقد أحلّه ابن رزيك منه مكانا تسفّ عنه الرياح المحلّقة، وتشف عنه مصابيح النجوم
المعلّقة، ثم إنّ الصالح أراد به زيادة اختلاطه، قوة ارتباطه، فدعاه كما تقدم في ذكر الفائز ليدخل في مذهبه، ويعجّل له آلاف ذهبه، فتباعد من أربه وتأفف من سوء مشربه، وكان الصّالح قد كتب إليه:
قل للفقيه عمارة يا خير منأضحى يؤلّف خطبة وكتابا
الأبيات الخمسة المقدّمة الذكر، فيما مرّ من هذا الكتاب. فلما أتت عمارة هذه الأبيات، وسع من الغيظ فوق مليئه، وحمل النّفس حشو عبيئه، وأبى له أن يخيب يقينه، وأنف له لهذه الدنيّة دنية، وكان شافعي المذهب، حسن المعتقد، متعصّبا لأهل السنّة. وكان هذا ينكّب خطّته، ويتجنّب خلطته وكتب إليه جوابا أقذاه، وطوى جوانحه على أذاه وهو:
يا خير أملاك الزّمان نصاباحاشاك من هذا الخطاب خطابا
الأبيات الثّلاثة المقدّمة أيضا. ثم إنّ الصّالح يفسد ما بينه وبين عمارة، وسكت عنه تصريحا وإشارة، وسدّ هذا الباب فلم يفتح له قفلا، ولم يكلّفه منه فرضا ولا نفلا، بل قاربه إذ جانب، وواصله إذ جاذب، وكان هو وإياه خليطي خمر وماء، وقسيمي بؤس ونعماء، وكان الصّالح يغمره ببحره، ويؤمّره على أمره، وعمارة يجعل شكره صحيفة آنائه، وحقيبة ثنائه، يقرن كل بيت بوفقه، وينظم كلّ معنى إلى لفقه، ومضت قريحته على هذا التوالي، ودبت الأيام ودرجت الليالي، بفرائد ماتت بين السحر والنحر، وقصائد نظمت حاشيتي البرّ والبحر، ومدائح ركبت الأفواه ووردت المياه، وطرقت الأندية والخدور، وحلت الأطراف والصدور، وقال فسكت كلّ متكلّم، وصدّ كلّ ناطق مترنّم، ويدلّ على أكبر حاله قصيدته التي مدح بها السّلطان صلاح الدّين، ومنها قوله:
أيا أذن الأيام إن قلت فاسمعيلنفثة مصدور وأنّة موجع
يقاصرني خطو الزمان وباعهفقصّر من ذرعي وقصّر أذرعي
وأخرجني من موضع كنت أهلهوآداني بالجور في غير موضعي
تيممت مصرا أطلب الجاه والغنىفنلتهما في ظلّ عيش ممتّع
وزرت ملوك النّيل أرتاد نيلهمفأدركت آمالي وأخصب مرتعي
وجاد ابن رزيك فيهما بمواهبوكم زاد عن مرمى رجائي ومطمعي
مذاهبهم في الجود مذهب سنةوإن خالفوني في اعتقاد التشيّع
فقل لصلاح الدّين والعدل شأنهمن الحاكم المصغي إليّ فأدّعي
فيا راعي الإسلام كيف تركتنافريقي ضياع من عرايا وجوّع
ونصري له من حيث لا أنت ناصربضرب صقيلات ولاطعن شرّع
فمالك لم توسع عليّ وتلتفتإليّ التفات المنعم المتبرّع
فيا واصل الأرزاق كيف تركتنيأمدّ إلى زند العلا كفّ أقطع
وأقسمت لو قالت لياليك للدجىأعد غارب الجوزاء قال لها اطلعي
فيا زارع الإحسان في كلّ تربةظفرت بترب تنبت الشّكر فازرع
ومن شعره النّادر وقوله المبادر، ما سأشنّف به هذا التّصنيف، وأكمل عور هذا التّأليف. وقد حكى ابن خلكان عنه، وقد ذكره، قال: «ورأيت في كتابه الذي جعله تاريخ اليمن، أنّه فارق بلاده في شعبان سنة اثنتين وخمسين، ثم قال: فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كلّ الإحسان وصحبوه مع اختلاف العقيدة بحسن صحبته. ثم قال: وكانت بينه وبين الكامل ابن شاور صحبة متأكّدة قبل وزارة أبيه، فلما وزر استحال عليه، فكتب إليه:
إذا لم يسالمك الزّمان فحاربوباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيدا ضعيفا فربّماتموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هدّ قدما عرش بلقيس هدهدوخرّب فأر قبل سدّ المآرب
إذا كان رأس المال عمرك فاحترزعليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف اللّيل والصّبح معركيكرّ علينا جيشه بالعجائب
وما راعني غدر الشّباب لأننيأنست بهذا الخلق من كلّ صاحب
وغدر الفتى في عهده ووفائهوغدر المواضي في نبوّ المضارب
إذا كان هذا الدّرّ معدنه فميفصونوه عن تقبيل راحة واهب
رأيت رجالا أصبحت في مآربلديكم وحالي وحدها في نوادب
تأخّرت لما قدّمتهم علاكمعليّ وتأبى الأسد سبق الثّعالب
ترى أين كانوا في مواطني التيغدوت لكم فيهنّ أكرم نائب
ليالي أتلو ذكركم في مجالسحديث الورى فيها بغمز الحواجب
ومما كان فيه بلاؤه الموكّل بالمنطق قوله - وقد رأى مصلوبا مما أنشد له ابن سعيد - وقال: وكأنما كان لسان حاله، وهو:
ورأت يداه عظيم ما جنتافنفرن ذي شرقا وذي غربا
وأمال نحو الصدر منه فماليلوم في أفعاله القلبا
وكذلك أنشد له قوله:
يا ساكن الجفن القريح وليتهيرعى لجاري الدّمع حقّ الجار
ومن شعره قوله:
واقبض على كلماتي كفّ منتقدزيف الكلام فليس الصّفر كالذّهب
قصائد لم تزل في كلّ جارحةمن حسنها نشوات الخمر والطّرب
كانت مكرّمة المثوى منزّهةفي أرض مصر عن التّصريح بالطلب
فأصبحت في زمان التّرك طاميةتحوم حول زلال الماء والعشب
حتى كأنّ أذى قلبي يطيب لهمكالعود لولا حريق النّار لم يطب
وقوله:
غصبت أميّة إرث آل محمّدسفها وشنّت غارة الشّنان
وغدت تخالف في الخلافة أهلهاوتقابل البرهان بالبهتان
لم تقتنع حكامهم بركوبهمظهر النّفاق وغارب العدوان
وقعودهم في رتبة نبويّةلم يبنها لهم أبو سفيان
حتّى أضافوا بعد ذلك أنّهمأخذوا بثأر الكفر في الإيمان
فأتى زياد في القبيح زيادةتركت يزيد يزيد في النّقصان
تأمل هذا اللفظ المحكم، والمعنى المحكّم، والتجنيس الخالي من التكليف، والعبارة البريئة من التعقيد، والعروس المحببة إلى من زفّت إليه، وجليت عليه، وإلى المقاصد الملائمة لهوى الممدوح، وقد جلاها هذا الفقيه السّنّي، لابسة إزار التشيّع المحض، بارزة في رداء الروض الغض. وقد أكثر النّاس في هذا المعنى فما منهم من قارب هذا الفحل ولا داناه، ولا أشبه أعلى شعره ولا أدناه، ولهذا تحق له بهذا المدح ومثله أن يخصّ، تنكأ الشيعة جناحه وتريشه بالندى،
وقلّ من يسود سدى، ولهذا كان قسيم ذهبها وإن باين تأسي مذهبها، وهذا الذي أورده في الدّولة الصّلاحيّة ذلك المورد الذي عجز عن إصداره، ورفعه على الجذع التي لا تناسب جلالة مقداره، ولكنه القضاء المحكّم، والبلاء المختّم، فنعوذ بالله من خرق لا يرقع، وخرق يودع صاحبه البلقع.
عدنا إليه، ومنه قوله:
يا حاسدي عضد الإمام جهالةغضّوا جفونكم على الأقذاء
فو حقّه ما نال إلاّ حقّهوالدرّ أحسنه على الحسناء
وقوله:
خفضت لواء الحمد من بعد رفعهوحلّت بنان العتب عقد لوائي
ولم يتخلّف بيننا كلّ خاملأشرّف من مقداره بهجاء
وقوله:
ألقى الكفيل أبو الغارات كلكلهعلى الزمان فضاعت حيلة النّوب
لما تمرّد بهرام وأسرتهجهلا وراموا قراع النبع بالغرب
صدّعت بالناصر المحيي زجاجتهموللزجاجة صدع غير منشعب
في ليلة قدحت زرق النّصال بهانارا تشبّ بأطراف القنا الأشب
ظنوا الشجاعة تنجيهم فقارعهمأبو شجاع قريع المجد والحسب
سقوا بأسكر سكرا لا انقضاء لهمن قهوة الموت لا من قهوة العنب
تسنّموا إبلا يتلو قلائعهميا عزة السّرج ذوقي ذلة القتب
كأنهم فوقها خشب مسنّدةإن النّفاق لمنسوب إلى الخشب
سما إليهم سموّ البدر تصحبهكواكب من سحاب النقع في حجب
في فتية من بني رزيك تحسبهمعن جانبيه رحا دارت على قطب
كأنّ لمع المواضي في أكفّهمصواعق في الوغى تنقضّ من سحب
متوّج من بني رزيك تنسبهبين المساعي إلى جرثومة العرب
ما أليق التّاج معصوبا بمفرقهوربّ معتصب بالتاج مغتصب
أرضته عن هفوات النّاس قدرتهفما يكدّر صفو الحلم بالغضب
تجر بين يديه من سوابقهقبّ ترقرق منها الحسن في أهب
من كلّ أجرد مسكيّ الأديم لهصبغ إذا شاب رأس الليل لم يشب
وأحمر شفقيّ اللون متّقدبحدّة الشوط لا بالسوط ملتهب
مسوّمات عراب لم تزل أبداتجلى وتكسى بما بزّت من السّلب
يرى لكلّ هلال من مراكبهاخيط المجرّة مجرورا على اللبب
جرد إذا جرّدتها كفّ عزمتهللغزو هزّت عذاب الشرك في العذب
تثير نقع دخان تحته لهبإنّ الدّخان لنمّام على اللهب
تحكي مجر عواليها إذا رحلتعن منزل أثر الحيات في الكثب
لانت صفاة عدو أنت قارعهافاصلب على ملّة الأوثان والصّلب
فعندك الضّمّر الجرد التي عرفواوفوقهن أسود الغاب لم تغب
إذا تهنت بك الأيام قاطبةفما الهناء بمقصور على رجب
وقوله:
جاءته إخوته ووالده إلىمصر على التدريج والترتيب
فانظر إلى الأسباط زارت يوسفاوالشّمل مجتمع إلى يعقوب
جاءوا وما جاءوا أباهم فريةبحديث ذيب أو دم مكذوب
وقوله:
فهاجرت بعد الصالح الملك هجرةغدت سببا للعز وهو المسبب
غفرت به ذنب الليالي التي مضتوربّتما يستوجب العفو مذنب
رأينا بيومي بأسه ونوالهعلا ضاع فيه حاتم والمهلّب
أقول لمغترّ بظاهر بشرهتيقظ فإنّ الماء تخفيه طحلب
ولا تركنن للبحر عند سكونهوبادر فإنّ البحر إن هاج يعطب
وقد يبسم الضرغام وهو معبّسوقد يتلظى البرق والغيث يسكب
وقوله:
عليم بأوضاع السياسة لم يزليصرفها منه الخبير المجرّب
وهون قدر الانتقام فما يرىله أثر في وجهه حين يغضب
هذا الذهب الإبريز، والأنموذج الغريب، والمدح الذي يحثا في وجه سواه التّراب والحلم الذي ليس فيه ما يستراب، والحكمة ثمانيه [هكذا!] وما أثمن حكمته، وأوفر حظّه منها وقسمته، وانظر إلى أين طوّح نظره، وهمته، عدنا إليه، وقوله:
نور النبوة في ذا الدست مؤتلقللنّاظرين ونار العزم تلتهب
في صدره فائز بالنصر محتجببنوره وبتاج العز معتصب
لا يستوي وملوك الأرض في شرفإلاّ كما يتساوى الصّفر والذهب
من معشر شابت الدنيا ومجدهمغصن وأثوابه فضفاضة قشب
لولا الوزير أبو الغارات ما خفقتللنصر في القصر رايات ولا عذب
وسطوة لو خلت عن عفو مقتدرعلى العقاب لكاد الجوّ يلتهب
يا ابن النبي نداء ما لصاحبهقلب إلى غير حسن الظنّ ينقلب
كم موقف لك قد نادى نداك بهيا مادحين لكفّ المادح السّلب
وقوله:
الأروع البرّ لا تخشى بوادرهإذا استخفّت رجالا سورة الغضب
لو كان في السّلف الماضي لكان بهإما وليّا لعهد أو وصيّ نبي
وقوله:
عمت رعايته أقصى رعيّتهحتى استوى نازح منها ومقترب
يا طالب الشرف الأقصى ولو عدمتبنو أبي طالب ما أنجح الطلب
ولو تولت بنو رزيك نصرتكمفي سالف الدهر ما نابتكم النّوب
أندى الملوك وجوها غير أنّهمترضى المواضي بأيديهم إذا غضبوا
وقوله:
طرقتها والليل وجف الجناحوما تلبّست بثوب الجناح
في ليلة بات نجادي بهاذوائب تخفق فوق الوشاح
وفاح من عرف الصبا عنبرأحرقه الفجر بجمر الصباح
لاموا عليها مغرما سمعهكراحة الناصر عند السماح
كأنما أسيافه روضةلما بها من ورقات الصفاح
والملك لا يسكب خطّابهإن لم يكلّمهم كلوم الجراح
فالقدس قد آذن إغلاقهعلى يدي يوسف بالانفتاح
ملك إذا حدّثت عن بأسهقال النّدى واذكر حديث السّماح
وقوله:
ضاق الصّعيد على جيادك بعد ماضمنت صعادك فتح كلّ صعيد
والغرب واليمن القصيّ وأهلهمن خوفهم في قائم وحصيد
فإلى متى أيدي الكماة معوقةعن نشر ألوية ونشر بنود
وخلفت مملكة تقول طريقهاللدّهر أرّخ بي وخلّ تليدي
وقوله:
شرفا بني رزيك إنّ علوّكمأبدا على مسّ الحديد حديد
لا تفتل الأيام حبل مكيدةإلا وفيه لأمركم تأكيد
وقوله:
يا دار دار عليك سعد المشتريوجرى إليك زلال نهر الكوثر
ولقد كسيت من الرّخام غلائلانسجت ولكن من نقيّ المرمر
وكأنّ حسن سواده وبياضهليل تبسّم عن صباح مسفر
كمرايش الحبرات أو كقلائدكافورهنّ مفصّل بالعنبر
دارت مناطقه على فسقيّةتملى فتحكي مقلة من محجر
وعلى جوانبها بساط خميلةقد فروزوه بالنّبات الأخضر
وقوله:
رحلت وكان حظي في رحيليوقربي في التّنائي عن بلادي
فمن عثرت به قدم فإنيبمصر قد عثرت على المراد
وقوله:
سفر الزّمان بواضح من بشرهوافترّ باسم ثغره من ثغره
وأضاء حتى خلت فحمة ليلهطارت شرارا من توقّد فجره
بالياسر المغني بأيسر جودهوالمقتني عزّ الزّمان بأسره
ما كانت الدّنيا تضيق بطالبلو أنّ واسع صدرها من صدره
لله هذه الديباجة الخسروانية، والحبرات اليمانية، عدنا إليه:
وقوله:
هبت رويحة نجد وهي من قطريفعطّرت بالخزامى نفحة المطر
عليلة النّفس الحادي وأحسن ماهبّ النسيم عليلا آخر السّحر
واستشرفت عقدات البان لي فهفاقلبي بمعتدل منها ومنأطر
أضمّهنّ وفي الأغصان تسليةعن القدود وليس العين كالأثر
والليل قد طال حتى خلت أنجمهمسمّرات أو الأفلاك لم تدر
قالت: كبرت وشبّت فيك ناشئةمن الغرام تنافي حالة الكبر؟!
ومادرت أنّ حبّ الحبّ منبتهفي أسود القلب لا في أسود الشّعر
أنكرت أشهب رأسي بعد أدهمهوالفرع ليل وحسن الليل بالقمر
يا قصّر الله باع الدهر كيف سعىفي نقض مبرمة الأطراف في مزر
وردّ بقلة راسي وهي ذاويةوكان أخضرها ريحانة العمر
وقوله منها:
من ذا يعيرك أجفانا لتوقعهافي قبضة الظالمين الدمع والسهر
قالوا أتبكي لهم والقلب من حجرفقلت والماء قد يجري من الحجر
قلب: هو الطير في جوّ الغرام فلمتبتاعه إنّ ذا بيع على غرر
لكلّ ورد ذبول قد سمعت بهإلاّ الذي فوق خديه من الخفر
لك الحديث الذي تبقى حوادثهما قيّد الذكر مثل الصارم الذّكر
قالوا إلى اليمن الميمون رحلتهفقلت ما دونه شيء سوى السّفر
لا توقدن لها النّار التي عهدتخفّض عليك تنل ما شئت بالشّرر
الحال ملء يد والقوم ملك يدوما أطيل وهذا جملة الخبر
يا عدن كم فيك إلاّ في ربا عدنللجسم من وطن والقلب من وطر
ردها على الصّفو من حمات مشرعهافقد عهدناك ورّادا على الكدر
وطأ بها هامة الدنيا وأوح إلىفرق المنابر ما توحي إلى السّور
كانت إليك عيون الملك ناظرةوكنت أشرف مأمول ومنتظر
تصدّعت بك من مصر زجاجتهاما للزجاجة من صبر على الحجر
غسلت بالسّيف والأيام راغمةما كان فوق رداء الملك من وضر
وقد قصدتك في جاه وفي وزروإن فعلت فما تخطي خطا سفري
فإن عزمت فقل فيها لعزمك ياذريعة الخير لا تبقي ولا تذري
وقوله:
وأجلّها يوم الخليج فإنّهمن بينها يوم أغرّ مشهّر
وافاك فيه النيل وهو من الحياخجل يقدّم رجله ويؤخّر
قد جاء معتذرا إليك وتائبامن ذنبه الماضي ومثلك يعذر
لولا تعثّره بأذيال الثّرىما كان مذرورا عليه العنبر
ولو أنّه لاقى ركابك صافياصرفا لكدّره العجاج الأكدر
ولقد عدمناه فنبت نيابةعزّ الغنيّ بها وأثرى المعسر
كسر الخليج عبارة عن منّةأضحى بها كسر البريّة يجبر
وقوله:
أكفيل آل محمّد ووليّهمفي حيث عرف ولائهم إنكار
واخجلتا للبيض كيف تطاولتسفها بأيدي البيض وهي قصار
رصدوك في ضيق المجال بحيث لا الخطّيّ متّسع ولا الخطّار
أوفى أبو حسن بعهدك عندماخذلت يمين أختها ويسار
غابت حماتك واثقين ولم يغبفكأنّهم بحضوره حضّار
لا تسألن إلاّ مضارب سيفهفلقد تزيد وتنقص الأخبار
هي وقفة رزق المكرّم جهدهاوعلى رجال يومها والعار
وقوله:
لم تحترق دار الخليج وإنّماشبّت لمن يسري بها نار القرى
طلبت يفاع الأرض دون وهادهافتوقّدت في راس شامخة الذّرى
طلعت طلوع النّجم نال به الهدىسار أضلّ طريقه فتحيّرا
ودليل ذلك أنّها لم تشتعلفي اللّيل حتّى رنّقت سنة الكرى
أوهل تزور النّار ساحة جنّةأجريت فيها من نداك الكوثرا
فتملّ دارا شيّدتها نعمةيغدو العسير بأمرها متيسّرا
ألبستها بيض السّتور وحمرهافأتت كزهر الورد أبيض أحمرا
لم يبق نوع صامت أو ناطقإلاّ غدا فيها الجميع مصوّرا
فيها حدائق لم تجدها ديمةأبدا ولا نبتت على وجه الثّرى
لم يبد فيها الرّوض إلاّ مزهراوالنّخل والرّمان إلاّ مثمرا
وبها من الحيوان كلّ مسهّرلبس النسيج العبقريّ مشهّرا
أنست نوافر وحشها بسباعهافظباؤها لا تتقي أسد الشّرى
وبها زرافات كأنّ رقابهافي الطّول ألوية تؤمّ العسكرا
نوبّية المنشا تريك من المهاروقا ومن بزل المهاري مشفرا
وقوله:
عند ظباء الجلهتين ثارهوبين أطناب المها عثاره
فلا ترقّا لشكاة مغرمأسلمه إلى الضّنى اصطباره
تخيّر الموت بألحاظ المهافخلّيا عنه وما اختياره
يا حبّذا في حبّهنّ لوعةتضرم وجدا لا يبوح ناره
وموقف رقّت حواشي عتبهودقّ حتى لم يبن سراره
من كلّ من طال لسان عتبهاعلى محبّ قصّر احتذاره
يا صاحبيّ والغرام صبوةألذّها ما عظم اشتهاره
فاستقبلا رونق عيش مقبلوابتدراه لا يفت بداره
فقد ضمنت للعذول عنكماأمرا عليّ في الهوى إمراره
إن كان دينا فعليّ دينهأو كان عارا فعليّ عاره
لا تسألنّ شاكيا عمّا بهفإنّما سكوته إمراره
يا هذه إنّ المشيب حلّةيخلعها على الفتى وقاره
فلا تصدّي واعلمي بأنّهما كلّ من شاب بدا عواره
إن أقلع الوبل فعندي طلّهأو ذهب الخمر فبي خماره
سقى مغانيك وإن لم يغنهاعن أدمعي مع الحيا مدراره
يسحب ذيل السّحب فيها وابلتزجى على وجه الثرى أستاره
تحسب صوت الرعد في ربابهصوت قطيع أرزمت عشاره
كأنّ بدرا سمحت يمينهبذلك الوابل أو يساره
أبلج من غسان، لا نصيفهيدرك في المجد ولا معشاره
فرّ من الذّمّ إلى بذل الندىفاعجب لليث زانه فراره
من آل رزيك الذين أقسموالا خذل الحقّ وهم أنصاره
مؤيّد سمر القنا بنانهمظفّر بيض الظّبى أظفاره
يطلع من أبنائه في ملكهنجوم ملك تجتلى أقماره
أشبال خيس وهم أسودهصغار عصر وهم كباره
وقوله:
وقائلة من الرجل الذي لاتماثله الرجال فقلت عيسى
فقالت ما دليلك قلت أضحتبهمّته كلوم الدهر توسى
في بعض كتّاب النصارى وقد خدم بدار الكباش بمصر:
رأيت أبا النّقص ضاقت بهمذاهبه في التماس المعاش
فمن حبّه لبنات القرونغدا وهو خادم دار الكباش
وقوله:
مدائحي وسجاياه ونائلهثلاثة نظمت كالدّرّ في نسق
يرجى ويخشى ما في ذاك من عجبكالماء يشرق إذ ينجي من الشّرق
وقوله:
لمّا أدار سلافة الأحداقدبّت حميّا نشوة الأشواق
ما كنت أدري قبل رؤية وجههأنّ الخدود مصارع العشّاق
وقوله:
من كان لا يعشق الأجياد والحدقاثمّ ادّعى لذّة الدنيا فما صدقا
في العشق معنى لطيف ليس يدركهمن البريّة إلاّ كلّ من عشقا
لا خفّف الله عن قلبي صبابتهبالغانيات ولا عن طرفي الأرقا
من كلّ شمس إذا قابلتها التثمتكأنّما أشفقت أن ألثم الشفقا
وقوله [في] طرخان بن يوسف وقد صلب:
تمنّى رفعة وعلوّ قدرفأصبح فوق جذع وهو عال
ومدّ على صليب الصّلب منهيمينا لا تطول على الشمال
ونكّس رأسه بعتاب قلبدعاه إلى الغواية والضّلال
وقوله:
قل للرعيّة لا تقنط مطامعهافجرح عيسى بعبد الله يندمل
أما ترى حركات النّيل قد نشطتمن بعد ما كان في أعطافها كسل
زيادة النّيل في إقبال دولتهمما يدلّك أنّ السّعد مقتبل
وقوله:
أفاتح أرض النيل وهي منيعةعلى كلّ راج فتحها ومؤمّل
متى توقد النّار التي أنت قادحبغمدان مشبوب سناها بمندل
وتسمع من لفظ التحيّة ما سماإليه ابن هند وهو باغ على علي
وتخلق ملكا لا تحيل بفخرهعلى أحد إلاّ على عزمك العلي
وقوله:
له راحة ينهلّ جودا بنانهاووجه إذا قابلته يتهلّل
يرى الحقّ للزوّار حتى كأنّهعليهم - وحاشا قدره - يتطفّل
وقوله:
لو كنت أمدح غير آل محمّدلرفعته فوق السّماك الأعزل
قوم إذا ما أسندوا خبر العلاجاؤوا بأقرب مسند عن مرسل
من كلّ ملثوم البساط غدت بهقمم الرءوس حواسدا للأرجل
ووصلت حبلك في الحياة بحبلهمصلة الأشاجع ركّبت في الأنمل
وقوله يمدح القاضي الفاضل:
من راكب وعلى أعجاز نضوتهشكر تفيض به الأنساغ والحزم
يستخبر الناس عن عبد الرحيم وهليخفى بذروة طود شامخ علم
واشكر يدا من أبيه عن وليّهماشكرا يصدّقها الإكرام والكرم
جاورت منه الفرات العذب مطعمهوزاخرا من أخيه الملح يلتطم
خرّجت من يدك العليا إلى يدهوكلّ شعب بوادي مكّة حرم
وقوله:
أيا شمس الخلافة وهو نعتيصدّقه جبينك بالضياء
تشيّع جود كفّك في فؤاديوعدّي بالتشيّع في الولاء
وقوله:
واذكر محامد أحمد من قبل أنتجد القوافي فترة المغصوب
واختر له صفو الكلام فإنّماصفو النّمير لذاذة المشروب
وقوله:
إن لم يكن لك في القوافي رغبةفالطم بها وجه الرجاء وهاتها
فالأمّ لا تأبى إذا لم يولهاأصهارها خيرا طلاق بناتها
وقوله:
أيخفى صحيح الودّ والسقم لائحويكتم سرّ الشّوق والدّمع بائح
جنحت إلى الواشي ولولاك ما التقىسهادي وطرفي والجوى والجوانح
وليلة هوّمنا بذي الطّلح زارناخيالك وهنا والمطايا طلائح
فبتّ ولم أسكر سوى سنة الكرىأطارحه ذكر الهوى ويطارح
وأصحب أيّامي على العلل التيبها تمرض الأيّام وهي صحائح
ولولا أبو النجم المظفّر عطّلتمسارب من سبل الندى ومسارح
لئن شركوه في اسمه دون فعلهفما يستوي البحران عذب ومالح
لئن حلّ في دست الوزارة عادلسما قبله فيها إلى النجم صالح
فإنّك يا بدر بن رزيك عنهمالنعم المكافي للعدى والمكافح
نهضت بأمر الدّولة النّهضة التيجزاك بها خيرا وليّ وكاشح
وأوريت ناريها عقابا ونائلاوما وريا إلا وزندك قادح
وقوله:
إذا أكثر المحموم من هذيانهتقدّم له عذر الخبير بشانه
ولا تتأخّر حين تدعى لحاجةفما الغيث بالمحمود بعد أوانه
ومنهم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع