تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن محمد بن الحسن بن الحسين، الدمشقي

الأديب نجم الدين، أبو المعالي وله صحبة بالقدوة صاحب الطريقة عليّ الحريريّ ﵀. لبس بها من ديباجته، وشرب من زجاجته، فلاح عليه نور إيمانه، وفاح له من سرّ حقائبه ما عجز عن كتمانه، وفاء عليه من ظلّ حقائقه ما تقلّ الأرواح في أثمانه. وتقدّمت له صحبة بالسّهرورديّ. وأجلسه في ثلاث خلوات، وآنسه في الجلوات. وكان له أدب غضّ تميل به الأغصان والقدود،

وتخلع عليه النفوس والبرود. أشغل قلب الشّجيّ والخليّ: فهذا غنّى وهذا ناح.

وأسمع أذن السّالي والمغرم: فهذا كتم وهذا باح. وكان لا يخلو منه سماع، ولا عقد اجتماع. تتهاداه مجالس الكبراء سرورا للنفوس، وتتعاطاه سلافا في الكؤوس، وتميل به لإمالة الطّرب الرءوس. وجرت بينه وبين الخيميّ في القصيدة البائية المحاكمة التي قضى فيها ابن الفارض عليه قضاء لم يقدر حاكم على نقضه، ولا أعانه صاحب على تجرّع ممضّه. ثم كان بعده لا يزال منقّبا بالحياء، مذبذبا يمشي على استحياء، لما ألق به من وصمة عار الادّعاء، وسمة قبح لا يطلب منه بعدها رفع يد بصالح الدّعاء. وكان مع كثرة حضوره حيث تصفّق الألحان، وتصفّق أواني المدام، بنت خضرة القدس لا بنت الجان، لا يدخل طابق الرّقص، ولا يزداد وحده إلاّ بمقدار ما يأخذ في النقص.

وحكى قاضي مجد الدين بن العديم، قال: أريت في النوم كأني داخل إلى بلده، فقيل لي: إن نجم الدين بن إسرائيل، قد صار كاتبا عند الوالي بها، فقلت:

إلى كم ذا تغرّرك اللياليوتبدي منك حالا بعد حال
فطورا شيخ زاوية وفقروطورا كاتب في دار والي

وذكرت هذا المقام للطف موقعه، وطرف نظمه في موضعه.

ومن فائق شعره، وفائح نشره، قوله:

يا واحد الحسن الذي لولا الجفاما عاقه عني العشيّة عائق
أنت الأمير على الملاح بأسرهموعليك من قلبي لواء خافق

ومنه قوله:

أعلمت ما أبكى الجفون وأسهرابرق أعار الأفق مرطا أحمرا
باتت تشام على البشام سيوفهفكأنما باتت تهزّ على الكرى
وعلى الثنيّة من تنمّر حلّةما إن يزال غيورها مستنمرا
تذكى الولائد في متون يفاعهابالمندل الهندي نيران القرى
ووراء أستار الخدور خريدةيمسي حماها بالرماح مستّرا
سمراء تحسب أنها كافورةقد خالطت للطيب مسكا إذفرا

ومنه قوله، يذكر أنابيب بركة تصعد الماء عاليا ثم تحدره نجوما، وتوشيه في جلباب اللّجّة الزرقاء رقوما، وهو:

ترقى أنابيبها بالماء مصعدةحتى تفوت صعودا طرف رائيها
تحكي رماح لجين طال شامخهاقبّ السماء رشاش من عواليها

منه قوله:

وهبوا عيني إذا لم تصلوانظرة من طيفكم يجلو قذاها
ومحال أن ترى طيفكمعين صبّ فقدت فيكم كراها

ومنه قوله:

يا سيّد الحكماء هذي سنّةمسنونة للناس أنت سننتها
أو كلّما كلّت سيوف جفون منسفكت لواحظه الدماء سننتها

ومنه قوله يخاطب شريفا أتى مصر فنزل باللؤلؤة:

يا ابن رسول الله لم أدر ذا الأمر الذي جئت به ماهوه
عهدي باللؤلؤ في بحرهوأنت بحر حلّ في لؤلؤه

ومنه قوله يرثي الشيخ العارف علي الحريري:

بكت السماء عليه ساعة دفنهبمدامع كاللؤلؤ المنثور
وأظنّها فرحت بمصعد روحهلّما سمت وتعلّقت بالنور
أو ليس دمع الغيث يجري بارداوكذا تكون مدامع المسرور

ومنه قوله:

ودار لكم بالبان عن أيمن الحمىيلوح عليها نضرة وسرور
كأنّ مواطي الخيل فيها أهلّةوآثار أخفاف المطيّ بدور

ومنه قوله:

لقد عادني من لاعج الشوق عائدفهل عهد ذات الخال بالسّفح عائد
نديميّ من سعد أديرا حديثهافذكر هواها والمدامة واحد
فديتك هل إلمامة من خيالكمتعود لقا قد ملّ منه العوائد
وكيف يزور الطيف، لا الليل ساترعليه، ولا الطرف المسهّد راقد

وقوله:

ويوم قرّ بدا غيمهيلفّ قرص الشّمس في برده
كأنّما الأرض وقد زلزلتتهتزّ للرّعدة من برده

ومنهم:

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.