من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
محمد بن إبراهيم العلوي
بهذا يعرف، وهو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، بويع بالخلافة يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومائة، وكان إمام صدق لو قام، وغمام ودق لو دام، أزهد من أويس، وأحلم [ص] من
قيس، وأكرم من حاتم، وأشجع من قاسم، وأشبه بآبائه من الغراب بالغراب، وفي آبائه من الناب بالناب، عليه من سيماء سلفه شمائل، ومن بقايا سيف جده ذي الفقار مثله، إلا أنه لم يعلق بحمائل، إلا أنه كان غرا شابا برونق شبابه مغرى، ما عركته الأيام عرك الأديم، ولا عرفته كيف يخادع اللئيم، حتى يحذر من يأمن، ويتشاءم بمن يتيامن، فلا يدخل عليه داخل، ولا يغتال من داخل.
قال الطبري: ووافاه في ذلك اليوم أبو السرايا السري بن منصور، ولقبه
الأصفر، فقام بحربه وتدبيره، وكان سبب قيامه ومبايعة أهل الكوفة إياه، أن المأمون عزل طاهر بن الحسين عما كان عليه من أعمال البلدان التي افتتحها، وصرفها إلى الحسن بن سهل، فتحدث الناس بأن ابن سهل غلب على المأمون، وحجر عليه، واستبد عليه بالأمور، فهاجت الفتنة بالأمصار، وكان أول من خرج وثار ابن طباطبا، فبايعه أهل الكوفة، واستوسق له أمرها، وأتته الوفود، وكثرت له الجموع، وكان عامل الكوفة من قبل سليمان بن جعفر،
وخليفته عليها خلاد بن محجن الدؤلي، فلما سمع ابن سهل بثورة ابن طباطبا، كتب إلى سليمان المذكور يعنفه ويضعفه، وجهز جيشا من عشرة آلاف فارس وراجل، وأمّر عليهم زهير بن المسيب وأمره بقتال ابن طباطبا، فسار زهير بجيوشه حتى نزل قرية ساهي، قريبا من الكوفة، فخرج إليه محمد ابن طباطبا، ومعه أبو السرايا، واقتتلوا قتالا شديدا، أذابوا فيه جندلا وحديدا، ثم انهزم زهير هزيمة شنيعة، واستباح ابن طباطبا عسكره جميعه، وأخذ ما كان معه من مال وسلاح وكراع، ثم إن أبا السرايا ندم على إقامة ابن طباطبا فسمّه، فأصبح ميتا، ومن كنوز المطالب أنه مرض وأتاه أبو السرايا يعوده، وقال له: أوصني، فأوصاه وصية بليغة، وذكرها وذكر له شعرا منه قوله:
أينقص حقّنا في كلّ وقتعلى قرب ويأخذه البعيد [ص]
فياليت التقرب كان بعداولم تجمع مناسبنا الجدود
قال الشريف الغرناطي: ثم قام من بعده رجل من بني الحسين يأتي ذكره
إن شاء الله تعالى.
وقال مؤلف كنوز المطالب، وقد ذكر بني الحسن المثنى، فذكر منهم إبراهيم الغمر، قال: ولقّب بهذا لسعة جوده، وكان فيمن حمل مصفدا بالحديد من المدينة إلى الأنبار، وكان يقول لأخويه عبد الله والحسن: أعوذ بالله من منى طبهن منايا، تمنينا ذهاب سلطان بني أمية، واستبشرنا بسلطان بني العباس، ولم يكن قد انتهت بنا الحال إلى ما نحن عليه، والعقب منه، فمنى ابنه إسماعيل الديباج، ولقّب بهذا لجماله، كما لقّب محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكذلك كان يقال لمحمد بن عبد الله بن الحسن، والعقب منه في رجلين، وهما: إبراهيم طباطبا، والحسن تج.
فأما طباطبا ففي بنيه كان طلب الإمامة والنباهة، والعلم والشعر والأدب، وذكر بنيه فقال: أصل هذه الشجرة أبو محمد القاسم الرسي بن طباطبا، والرس ضيعة كانت له بالمدينة، لم يسمح له المنصور بالمقام بها، في كفاف
من العيش، حتى طلبه ففر إلى السند وقال:
لم يروه ما أراق النعي من دمنافي كل أرض ولم يقصد من الطلب
وليس يشفي غليلا في حشاه سوىألا ترى فوقها ابنا لبنت نبي
وكتب صاحب السند إلى المنصور يخبره أنه وجد في بعض خانات الموليان مكتوبا بقول القاسم بن إبراهيم طباطبا العلوي: انتهيت إلى هذا الموضع بعد أن مشيت حتى انتعلت الدم، وقد قلت:
عسى منهل يصفو فيروي ظميهأطال صداها المنهل المتكدر
عسى جابر العظم الكسير بلطفهسيرتاح للعظم الكسير فيجبر
عسى صور أمسى لها الجور دافناسيبعثها عدل يجيء فيظهر
عسى الله لا ينأى من الله إنهييسّر منه ما يعزّ ويعسرا [ص]
فكتب إليه المنصور: قد فهمت كتابك، وأنا وعليّ وأهله كما قيل:
يحاول إذلال العزيز لأنهبدأنا بظلم واستمرت مرائره
ولما أنشد مؤلف الكنوز للقاسم بن طباطبا قوله:
أرقت لبارق ما زال يسريويبكيني بمبسم أمّ عمرو
فلم يترك وعيشك لي دموعابأجفاني ولا قلبا بصدر
قال: والعقب منه في ثمانية، أولاهم بالتقدم:
الحسين الزاهد ومن نسله أئمة صعدة، قلت: هم الأئمة باليمن إلى زماننا، وأصل شجرتهم المباركة:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع