تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)

أبو الفتوح الحسن بن جعفر

ابن الحسن بن محمد بن سليمان، كان جميل الوفاء، جليل القدر في الشرفاء، كتب إليه القادر سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة بولاية مكة، فأنفذ كتابه إلى العزيز فوقّع له العزيز بولاية مكة، وأرسل له بمال وخلع للشرفاء، فحضرتهم عند الكعبة، وقسم فيهم المال، وقال عندما ألبس الكعبة الكسوة البيضاء: الحمد لله يا بني فاطمة الزهراء، وأصحاب السنة الغراء، على أن زيّن بيته بلبسه السرور بعد لبسه الحزن، وجعل ملك الحرمين لبني بنت رسوله من بني [ص] الحسين وبني الحسن، فأرضى الفريقين، واتصلت إمارته، وأتاه كتاب الحاكم بالبراءة ممن غصب وصي رسول الله ﷺ ميراثه في الخلافة، ومنع فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ حقها في فدك، فغضب أبو الفتوح وقال: قوم قام بهم منار الإسلام بعد نبيّه ﵇، يذكرهم بما لا يجب، أهكذا فعلت النصارى بالحواريين، بل جعلوا قبر كل واحد منهم مزارا لحج وعبادة، والله لو أمرني أن

ألعن قوما على غير الملّة لما ارتضيت أن أكون لعّانا ووالله إن من حقوق جدنا علي بن أبي طالب وصفه بالعجز، قام بهذا وخطب على رؤوس العلوية، فقام إليه رجل منهم وقال: أيها الأمير، هذا مقال من يجب عليه أن لا يرجع عما قاله، قال صدقت، ثم شرع في مباينة الحاكم، وأتاه الوزير أبو القاسم يحرضه على طلب الخلافة، فخطب لنفسه بها وتلقب بالراشد، وأتى الرملة فبايعه بنو الجراح أمراء طيء، ودعي أمير المؤمنين، فما زال الحاكم يتحيل على العرب بالرغبة والرهبة، حتى انفردوا عنه، فرجع إلى مكة، ولم يجد بدّا من إعادة الخطبة للحاكم، فقيل له أترضى بأن تكون تابعا بعد أن كنت متبوعا، فقال: ما أحب أحد الحياة في عافية إلا رضي ببعض الدرجة، وامتد عمره إلى سنة ثلاثين وأربع مائة، وإمارته مدتها ستة وأربعون سنة، وهو القائل:

أهوى الكؤوس فمنهاإلى السرور أسير
عجبت منها شموساحفّت بهنّ بدور
عجبت منها خدودالاحت عليها ثغور

حكي أنّ الوزير أبا القاسم كانت عنده محاككة وموافقة، فقال يوما لأبي الفتوح بمحضر من الأشراف وأمراء العرب: ما رأيت أشعر منك في قولك، وأنشد هذه الأبيات، فخجل أبو الفتوح، وعلم أنه أراد إعلامهم أنه يشرب الخمر، فقال لأحد حجابه: عليّ بالمصحف، فلما حضر فتحه [ص] وقال:

وحق ما احتوى عليه، ما شربتها قط، ولا حضرت عليها، وتوحش لأبي القاسم، ففر منه، ولأبي الفتوح شعر كثير، منه ما أنشده الباخرزي في الدمية وهو:

وصلتني الهموم وصل هواكوجفاني الرقاد مثل جفاك
للشاعر أبو الفتوح الحسني زعيم مكة، اقرأ القصيدة
حكى لي الرسول أنّك غضبىكفى الله شرّ ما هو حاكي

ثم ولي بعده ابنه شكر، وكان نصلا لا يثلمه الضراب، ورمحا لا يحطمه الحراب، وجرت له خطوب ملك في أثنائها المدينة، وجمع بين الحرمين، ولما وقعت الحرب بينه وبين عمّه من بني موسى الجون، الذين كرهوا دعوة المصريين، وأرادوا الخطبة لبني العباس، وعاضدهم بنو الحسين وبنو جعفر، قال:

بني عمّنا الأدنين قربا تأمّلواغرايب ما يأتي به البغي في الأهل
نسيتم دماء بالمدينة أهدرتوما كان في فجّ من الأسر والقتل
فميلوا لهم لا درّ لله درّكموعاطوهم كأس المودّة والوصل
وخلّوا بني بنت النّبيّ بجانبولا تقصروا حتى تروا فرقة الشّمل
وتأخذكم أيدي الشتات وتخرجوامن الحرم الشامي والحرم القبلي
وأمّا أنا ما دام للسيف قائمفلا أشتري عزّ العشيرة بالذلّ
ولا أرتقي إلا ذرى كل منبرولا أرتضي إلا الذي يرتضي مثلي
أمهّد للأبناء ما يتبعونهوأتبع آبائي الذين مضوا قبلي

ثم لما خاف غلبة الرجال أسلم الحجاز ذاهبا إلى مصر، وقال:

قوّض خيامك عن أرض تضام بهاوجانب الذّلّ إنّ الذّلّ مجتنب
للشاعر شكر بن الحسن أمير الحرمين ، اقرأ القصيدة
وارحل إذا كانت الأوطان منقصةفالمندل العرف في أرجائه حطب [ص]

ولم يزل في خطوب وحروب تنوب إلى أن مات في رمضان سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة، ومدته نحو ثلاث وعشرين سنة، وبه انقرضت دولة الداوديين بالحجاز، وفر بيت أهل الإمارة منهم إلى اليمن، ولها منهم أمراء.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.