من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
الداعي إلى الحق
أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد الجواد
بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان أمضى من صارمه، وأخلع للدعة من خاتمة، نهض للملك حتى أخذه، وأمسك بطرف ردائه وجبذه، ومنّى نفسه بالعراق وشمّر لها اضبعه ونغر لأجلها فاه وحرش سبعه، وسلّ لها عزمه، من حد باتكة، وأعمل فيها خدعة ناسكة لا فاتكة، حتى لولا ميل المقادير، وإن كل بتقدير، لأطاحها عن بني العباس وابتزها، وألبسهم ذلها ولبس عزها، وخطب له بالخلافة في أول خلافة المستعين سنة خمس ومائتين بالري والديلم، وكان مهيبا عظيم الخلق عطس يوما عطسة ففزع رجل وهو في المنارة قائما يؤذن فيها، فوقع منها فمات، وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين، وغيل في آخر عمره بدنه، حتى كان يشق بطنه ويخرج منه الشحم، ثم يخاط، وكان أول أمره بالعراق في ضيق حال، وكان كثيرا ما يسأل عن البلاد الممتنعة الوعرة التي أهلها أهل سلامة وقبول لما يدعون إليه، فدلّ على بلاد الديلم وطبرستان، فأتاها وفيها قوم لم يكونوا أسلموا،
فأسلموا على يده، وتمذهبوا [ص] بمذهبه، حتى أسس التشيع هناك، وكان جوادا ممدّحا، وله شعر فائق، فمنه قوله:
وما نثر المشيب عليّ إلامباشرة السيوف لذا الصفوف
فأنت إذا رأيت عليّ شيئافمكتسب من الوان السيوف
وله فطنة مليحة في الانتقاد على الشعراء، وحكي أنّ رجلا من بني أمية أتى إليه وهو في مجلسه فسأله عن نسبه، فقال له: رجل من بني أمية، فقال رجل من أهل المجلس: لا أهلا بك ولا بمن أنت منهم، ثم لم يبق أحد حتى أخذ في سبه، وسب بني أمية، وقال رجل: دعني وإياه فلأضربن عنقه، فقال الداعي إلى الحق: لبئس الجلساء أنتم، ثم التفت إلى القائل وقال: دعني وإياه، وقال له يا هذا أتظنك بقتله تدرك ثأر من سلف؟ لا والله لا على هذا ولا علينا مما شجر بين أولئك، ثم قال للأموي: أيها الرجل، ما ذا تريد؟ فقال: وفاء ديني وكفاف أهلي، فقال: حبّا وكرامة، كم دينك؟ وكم كفاف أهلك؟ فقال:
ألف دينار وخمس مائة لهذا وخمس مائة لهذا، فقال: بل لكل منهما ألف دينار، ثم أمر له بألفي دينار، فأخذها وكساه وحمله وجهزه إلى مأمنه.
ثم قام بعده أخوه:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع