من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
دولة المعتمد على الله
أبي العباس أحمد بن جعفر المتوكل، وكان أخوه
الموفق أبو أحمد طلحة بن المتوكل الملقب بالناصر قائما بأمر الدولة كلها، قائلا في برد ظلها، والمعتمد ليس له من الأمر شئ، كأنه ميت وهو حي قد وطئه الموفق على أم رأسه، وغلب على ملكه وناسه، وغل يده على ما أشغلها به نكل [في الأصل الكلمة غير معجمة ولعلها النكل بمعنى القيد] جواريه وكاسه، وكان هم الموفق جيوشا يجهزها، وممالك يحرزها، وأمور لا يكنزها، وأعمالا ملوكية يرقم بها السير ويطرزها، وهم المعتمد تنميق بناء وتأنيق غناء، وارتياد روضة غناء، واعتقاد كأس مدام وجارية حسناء، ثم ندم المعتمد حيث لا ينفعه الندم، وعلم أن وجوده كالعدم، فبقي يتنفس تنفس المصدور، ويتأوه تأوه المحرور، ويهم بأمر الحزم لو يستطيعه، ويحاول حالا ولا يجد من يطيعه، وكتب سرا إلى ابن طولون وإلى صاحب أفريقية يشكو إليهما حاله مع أخيه، ثم مع ابن أخيه، ويصف لهم سوء حاله وما هو فيه، فهموا بما حالت بينهم وبينه عوارض القدر وشقة البعد، وكان الموفق لا يفك عنه وثاق حجره، ولا يرفع يد قهره، وذكر ابن الأثير عنه، أنه احتاج إلى ثلاث مائة دينار فلم يجدها، فقال:
أليس من العجائب أن مثلييرى ما قل ممتنعا عليه
ويوكل باسمه الدنيا جميعاوما من ذاك شئ في يديه [ص]
إليه تحمل الأموال طراويمنع بعض ما يجنى إليه
قال: وكان آخر من سكن من الخلفاء بسر من رأى، ثم لم يسكنها بعده أحد منهم.
قلت: دام على ما به مدة أيام أخيه الموفق، ثم مات الموفق، وقام ابنه المعتضد، فكان أشد شجى في حلق المعتمد، وما مضت سنة حتى سمّه وكفاهم همّ الدنيا، واكتفى همّه، يقال: إن المعتضد سمّه، وقيل بل أفرغ في حلقه رصاصا مذابا، وقيل: لا، بل ملأ له حفرة من ريش، ورماه فيها، فمات غما.
ثم:
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع