من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩هـ)
دولة ابن ابنه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الناصر
ولي بعد جده، ووطئ أسارير مهده، ووافق زمانه زمان المقتدر،
وقد [ص] ضعفت الخلافة ببغداد، ووهت قواها، ووهنت الدولة العباسية، حتى طمع فيها من سواها، فابرز عبد الرحمن ما عنده وباح، ومال علوه وكشف الغطاء واستراح، وأظهر التسمية بالخلافة، وسمي بأمير المؤمنين، وهو أول من تسمّى في الأندلس بها، وسما بالتحلي بلقبها، وكان رجل حزم، ورجل عزم، وبارق مضاء، وسابق قضاء، وبطل إقدام، وعطل مقدام، وسيف جلاد، وطيف رعب تجنه ضمائر بلاد، فلهذا قدح لهذا الرأي زنده، وفتح الباب لمن جاء بعده، ولم يكن في سباقه من كشف هذا الغطاء، ولا كف عن ذروة السرير هذا الامتطاء، وإنما كان الواحد منهم، وإن عظم شأنه، وكرم سلطانه، لا يزيد في التسمية على الأمير، ولا يريد أكثر من هذا الخطاب المميز حتى اتخذها هذا الناصر عبد الرحمن عليه معلما، وأنطق بها لسانا وقلما، وسيرها في الآفاق كلما، وصيرها في الأندلس شبيهة بالعراق معلما.
وقد ترجم له صاحب المقتبس وقال: ذكر الدلالة على عظم شأن الخليفة الناصر في سلطانه، وإجرائه إلى الإيفاء على من تقدمه من الخلفاء، وجده في جمع الأموال وبذله لها في ابتغاء دول الآمال وتوسعه في إنجاب طبقات الرجال، وانتقائه منهم لجلة الوزراء المشاركين في الحال، وقسره لعويص الأشياء، وتفخيمه لصنائع البناء، وشد الفروج دون الأعداء، وتوقله لقلل الاعتداء، وكان لا يهيب خطرا يركبه، ولا يستكثر شيئا يهبه، وبنى المباني العجيبة، والمنارة البديعة، وشيد الخلافة بقرطبة، وعمل الناعورة المحكمة الصنعة المضروب بها المثل، والبيضاء والزهراء وغير ذلك مما ذكره، وفي ميزة هذه الناعورة قال أبو نهمان
عبيد الله بن يحيى:
تبؤّأ بين الحزن والسهل منزلابأفيح فضفاض البساط على النهر
تصعّد في ساحته الخضر ماؤهتصعد أنفاس المتيّم بالذكر [ص]
ترقّى بها في الجو ثم تعيدهإلى مستقر الأرض ناعورة تجري
تردد تغريد الطيور وتارةترجع ترجيع الأهازيج في الزمر
وكان ممدحا، فمما قال فيه أبو عثمان هذا، وقد رآه في موقف حرب، أبان فيه قمرا من وجهه يغطي ضوء القمر ويخفيه:
أغمامة بين البوارق تهمعأم شارق وسط الكتائب يلمع
أم غرّة القمر المنير يحفهازهر النجوم أم الهصور الأروع
لا بل هو الملك الذي في درعهونجاده هذي الصفات الأربع
وتوفي الناصر عبد الرحمن في شهر رمضان سنة خمسين وثلاث مائة.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات المحققين وملاحقهم وحواشيهم. مصادر الموقع